عيد لا ينتهي

بعدما نشرت الأسبوعية الأولى، جلست اتأملها متحسرًا على “افتقاد حياتي للأحداث الكبرى”. ثم خطر لي سؤال: ألست أحيى الحياة التي أريدها؟ لم أُفاجئ حين وجدتني أُجيب: لا!

فقوام الحياة التي أحلم بها هو تحقيق دخل محترم يساعدني على أعباء الحياة. ورغم أن حالي حال 90% من أبناء بلدي، لكن ذلك يزيد الخواء داخلي لا العكس. ووسط كل ذاك اليأس، وقعت على تدوينة بسيطة –كنت أؤجّل نشرها لسنوات– لامست شيئًا عميقًا داخلي.


أول أيام العيد، وبدى يومًا عاديًا إلى أن بدأت أختاي بمشاركتي تفاصيل ذهابهما إلى صلاة العيد؛ فعاد شريط الذكريات. حين يتحسر البعض على فرحة العيد “عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ”، أتحسر أنا على فقداني مفهوم العيد ككل: الاحتفال الجماعي بجني ثمار رمضان أو الغفران.

تعوزني الكلمات لوصف ألم عزلتي عن المجتمع، حيث تقطّعت أواصر القربى بيني وبينه، بدءًا من الدين وانتهاءً بهموم الناس التي لم أعد أشعر بها. أفتقد تماسك الجسد الواحد “إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائرُ الجسد بالسَّهر والحُمَّى”. وصل سعر الأضحية هذه السنة إلى 800$ تقريبًا؛ فندَر المضحّون.

اختتمت اليوم بلعب دور “القاضي”؛ حيث زارتنا قريبة زوجتي (د.ح) طالبةً النصح فيما يخصّ .. طلاقها!
يُعاني زوجها مرضًا نفسيًا ما، ينعكس في تصرفاته غير المتزنة اتجاه (د.ح) وابنتهما، فتارةً يُغدق عليهما بالمال والاهتمام، وتارةً يعاملهما معاملة العبيد.
يعتبر المحيطون زواجي (ناجحًا)، ولهذا السبب ينتظرون منيّ آراءً سديدة في المسائل الزوجية. ولو علموا عن خواطري “الانتحارية” لفضّلوا الموت قبل أن يتحدثوا معي!

الطلاق بالنسبة ليّ مسألة شديدة الحساسية والإلحاح في آنٍ معًا؛ وربما لهذا بدأت مسودة رواية تعالج هذه القضية بالذات. لكن إنجازها يتطلب دعمًا ماديًا.


ثاني أيام العيد. باختصار، أكره الزيارات العائلية!
لا أفهم ما الذي يدفعني لقضاء ساعات على الطرقات، كُرمى الجلوس مع أشخاص لا يهتمون كثيرًا لوجودي (أو لا يُظهرون ذلك على الأقل).

أجلس مستمعًا لأحاديث سخيفة تدور حول “أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا” أو “موقف المرء من القرآنيين أو المسيحيين”، فلا أحد يطمئن على أحوال أحد؛ فتزداد الفجوة ويكبر الشرخ. ولأصدقك القول: لولا رغبة زوجتي وأطفالي بصِلة الرحم، لما استقبلت أحدًا في منزلي!


ثالث أيام العيد، مع غياب تام لمظاهر الفرحة.
كنت أظنني “الوحيد”، لكن جميع زوّارنا اليوم كانوا بائسين، رغم أنهم مؤمنون. هل ينتظرون فرج الله؟ أشكّ!
الجميع ينتظر معجزة تهبط من السماء.

أخذت أطفالي لمدينة الملاهي، وفي حين لم تترك ابنتي لعبة إلا جرّبتها، بقي ابني ملاصقًا ليّ؛ نتجول ونتحدث كأي صديقين. أظنني قلتها ذات مرة: يذكّرني ابني بنفسي أولًا، وبأخي الوحيد ثانيًا.
ظلّ أخي ملاصقًا ليّ حتى تزوجت، وأخبرتك ذات مرة بجملته التي وصلتني عن طريق والدتي: “لم أشبع من أخي”. كبر الآن وأصبح طبيب أسنان، تغيّرت شخصيته -بل انقلبت- حتى أصبحتُ لا أعرفه! رغم ذلك، لا زلت أحبّه وأتذكره كلما استمعت للموسيقى التصويرية الخاصة بلعبة Commandos 2: Men of Courage [والتي ظلّ حلم إنهائها -كما فعل- حسرةً في قلبي].
تفوّق أخي عليّ في تلك اللعبة، وكنت سعيدًا لأجله (عكس المتوقع منيّ كأخ كبير!). يحصل ابني اليوم على أكثر مما حلمت به حين كنت في مثل سنّه، فأكاد أطير فرحًا.
لكن هذين الرجلين يقفان في وجهي! يقفان في وجه قرار إنهاء حياتي، لا أستطيع تركهما وحيدين، فأنا (أبّ) لكليهما.

زارني اليوم ذاك الألم الذي ينخر العظام، ولا أعرف كيف أتعامل معه!


رابع أيام العيد المزعوم.

زارنا خلاله بعض الأقارب، حيث جلسوا يتصفّحون هواتفهم طيلة الوقت كأن على رؤوسهم الطير. وجلست -في المقابل- اتأملهم، رافضًا الإمساك بهاتفي، غير أن عقلي سارح في سؤال إضافي: “ما الذي يدفعهم لقضاء ساعات على الطرقات، كُرمى الجلوس مع أشخاص لا يهتمون كثيرًا لوجودهم أكثر من اهتمامهم بهواتفهم؟”

أي لعبة نلعبها جميعًا، حيث يزور الأخ أخته، ويجدها تشتكي من ترشّح في السقف؛ فلا يتعهد بإصلاحه؟
أذكر حديثي مع سائق سيارة أجرة، حيث أخبرني أنه مستعجل لإيصالي والذهاب لزيارة أخته. وبعدها استفاض في معنى الأخوّة، وكيف أنه يُفترض بالأخ أن يفتح الثلّاجة في منزل أخته -بحجّة شرب الماء- وينظر: هل لديها طعامٌ يكفيها؟
علمًا بأن حديثنا ذاك دار خلال سنوات الثورة الأخيرة، حيث كانت الأوضاع المعيشية أسوأ منها الآن بمراحل!


اعتاد الأطفال على تسمية خامس أيام عيد الأضحى (ورابع أيام عيد الفطر): .. جحش العيد!
تُطلق هذه التسمية الشعبية في بعض المجتمعات الشامية (مثل ريف دمشق وحلب) على اليوم الخامس من باب الطرافة. يُعرف العيد رسمياً بـ 4 أيام، وحين يصر الأطفال على تمديد أيام الفرح وطلب المزيد من العياليات أو “العيدية”، يُطلق الأهالي على هذا اليوم الزائد اسم “جحش العيد” للدلالة على التعلق الزائد والمماطلة في انتهاء الإجازة.

استمرت الزيارات العائلية، حيث استضفنا عائلة أخو زوجتي. وهو شاب يكبرني بخمس سنوات، يحبّ التحليلات السياسية -وإن كان لا يُتقنها- ويؤمن بعودة أمجاد الحضارة الإسلامية قريبًا.
كان يصرّ على تعبيري عن رأيي، وكنت أدفع طلبه بتأييد أقواله ووجهات نظره، علمًا بأنها تعبّر عن سطحية شديدة في التفكير. لكنني فقط أكره الجدال.


بدأت يومي بقراءة منشور مؤثر. يواجه صاحب المنشور، جون باردوس John Bardos، مشكلة مع نشرته البريدية CreatorBoom: إذ رغم مرور 5 سنوات على إطلاقها، ظل عدد المشتركين ثابتًا تقريبًا، ولا تُدرّ سوى بعض المال.
في المقابل، رأى صنّاع محتوى مثل جيمس كلير، ومارك مانسون، وكريس غيلبو “Chris Guillebeau” يحوّلون الكتابة الرقمية إلى مشاريع تجارية بملايين الدولارات. وختمت اليوم بإرسال عدد نشرتي البريدية

تجمّع أصدقاء كتابة المحتوى، كما في الأيام الخوالي.

عيد لا ينتهي

2 فكرتين بشأن “عيد لا ينتهي

  1. لا أعلم حقيقة سبب الحزن القلق والملل الذي يغطي جل كتاباتك، هل بدون سبب أم أن شيئا ما عالق في ذهنك لاتستوعبه أو لاتصدقه حقا لا أعلم، فقد تركت هاته الأشياء خلفي منذ زمن والآن لاأجد سببا لأحزن أو أقلق لا من الأشخاص ولا من تصرفاتهم ولا من الظروف أوغيرها فحياتي أهم من أن أقضيها في هاته الأشياء “ولاتهنوا ولاتحزنوا وأنتم الأعلون”
    لكن في المقابل أنت مدون رائع حقا وأجمل مافيك أنك لاتتجاهل أحدا وتعطي من وقتك ولست كغيرك من المدونين الذي تحدثت إليهم فلاأحد منهم قرأ مقالاتي وعبر عن رأيه فيها أو أسدى إلي ولو نصيحة صغيرة، أنا ممتنة لك حقا.
    وأتمنى لك حياة سعيدة مليئة بالحب وراحة البال..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى