معظم الحياة مملة؛ فلن يحدث شيء حقًا

أفترض أنك لن تصدقني إذا قضيت وقتًا طويلًا على منصات التواصل الاجتماعي؛ كيف والجميع يترقّى على لينكدإن، وفجأة يُطلقون بودكاست. والجميع -أيضًا- على إنستغرام في إجازة أو في رحلة استجمام، وجمهور تيك توك عالق في دوامة رقص جهنمية لا نهائية.
لن آتي بجديد لو أخبرتك كيف تركّز شبكات التواصل على لحظات الذروة، فتجمع لك أبرز أحداث يوم أو أسبوع أو شهر شخص ما، لتُقدّمها في “موجز مهندم”، حتى يُخيّل للمرء حينها أن الحياة عبارة عن انفجارٍ مُبهجٍ من مُقدّمي البودكاست المُستمتعين.
لكنك تعلم أن الحياة ليست كذلك. نقضي مُعظم أيامنا في أعمالٍ روتينيةٍ مُرهقةٍ -غسل الأطباق، وتجهيز الأطفال للنوم، وتبضّع حاجيات المنزل- لن تُصبح فلِم سيرة ذاتية!

لا بدّ أن معظم الناس عقلانيون وأذكياء، ولا يُتطلب سوى لحظة تأمل لإدراك أن “الحياة لا تُختصر بوسائل التواصل الاجتماعي”. ومع ذلك، فالعقل شيء معقد!

خلال العام الجاري، تحدثتُ مع الفيلسوفة هيذر ويدوز (Heather Widdows) حول موضوع “التمييز الجمالي lookism”، أي تقبّلنا -على نحو غريب- الحُكم على الناس بناءً على مظهرهم. وعرّفتني ويدوز على “تأثير بوميرانغ Boomerang effect”: ظاهرة نفسية غريبة حيث يفعل الناس عكس ما يرونه واجبًا أو صوابًا. فمثلًا:

  • نعلم أن علينا تجنّب السعي بهيئاتنا لمثالية صور عارضي الأزياء -المعدّلة بالفوتوشوب- والتي نراها على إنستغرام، ومع ذلك نبذل قصارى جهدنا لتحقيق ذلك.
  • نوقن أن الحياة أكثر من مجرد استعراض بهيج للرقص والاستماع إلى البودكاست وجلسات الاستجمام، ورغم ذلك نلهث خلف تجسيد حياتنا على ذاك النحو!

عن سرديتك الكبرى

يتحدث الفلاسفة وعلماء النفس أحيانًا عن “السردية الكبرى Master narrative” وتمثّل نوعًا من السيناريوهات ترافق -تقريبًا- جميع أدوارنا الاجتماعية وسلوكياتنا. فيترافق كونك أبًا أو أمًا -مثلًا- سيناريو محدد لكيف تتصرف، وتتحدث، وحتى تشعر بطريقة معينة. بحيث يُعتبر الوالد الذي لا يدّعي “أطفالي جعلوني أسعد إنسان في العالم” عار على الأبوّة أو الأمومة!
والطالب، والنادل، والجندي، والقسيس، والصديق، والحبيب، جميعهم مشمولون بهذه السرديات وهناك ضغط هائل للامتثال لها.

تتفاقم المشكلة كلما وسّعنا الدائرة؛ فهناك أيضًا سردية كبرى عن كيفية عيش حياتنا بأكملها. بالنسبة لي، كأحد أفراد جيل التسعينات، تتمثل السردية في حياة الشهادات: شهادة التخرج، شهادة الخبرة، شهادة الزواج، شهادة ميلاد الطفل، شهادة الوفاة. قد يختلف “الترتيب” بيني وبينك، لكن يظلّ “الجوهر” كما هو!

تذكير: كيف تُفسد قصة حياتك فهمك للعالم؟

إذن، ما مصدر سردياتنا الكبرى؟ ومَن يكتب سيناريو حياتنا؟ لا ننكر أن وسائل التواصل الاجتماعي شريكة في العملية بالتأكيد. إذ تتغلغل في وجدانك، مُحددةً كيف “ينبغي” أن تعيش. لكن تلك الأيقونة الصغيرة على هاتفك مجرد جزءٌ من أحجيةٍ بالغة التعقيد.


الفلسفة وعلم النفس رفيقان مثاليان. وتتعاظم أهمية علم النفس عندما يُضاف إليه شيء من الفلسفة، كما تزداد الفلسفة شهرةً عندما تُعززها أبحاث علم النفس. لذا، فسؤال “من يكتب سرديتي الكبرى؟” وجيهٌ للطرفين.

في عام ١٩٧٩، أدّعى عالم النفس يوري برونفينبرينر “Urie Bronfenbrenner” أن سردياتنا الكبرى تُحددها “منظومات” متنوعة نعيش فيها جميعًا. قد تكون ضخمة، مثل روح العصر الثقافي في القرن الحادي والعشرين، أو ضيّقة، مثل المعايير الاجتماعية في بلدك.
لكن يرى أن أشدّها تأثيرًا هو “نظامك المصغر Microsystem”.

نظامك المصغر: مجموعة دقيقة من الأفراد المهمين بالنسبة لك. من والديك، وإخوتك، وأصدقاؤك المقربون، وحتى ذلك مُعلّمك المُلهم أيام الدراسة الذي حلُمت بإبهاره.

تُظهر لنا نظرية (برونفينبرينر) أننا وسط عالم يستطيع فيه مليارا شخص التواصل عبر تطبيق بسيط، نهتمّ برأي حوالي عشرة أشخاص فحسب.

قال الفيلسوف الرواقي إبكتيتوس ذات مرة: “إذا كان الرفيق قذرًا، فلا بد أن يتسخ أصدقاؤه أيضًا، مهما بدوا نظيفين في البداية”. فلو أمضينا أمسية نغتاب الناس، سنصبح حاقدين وقساة. وإذا لم يمتلك أصدقائنا طموحًا أو سخروا من الطموحين، فسنتعلم ألا نحلم أبدًا. وإذا احتفى أصدقاؤنا بالجهل، فلن نُقيم للتعليم أو التعلم وزنًا.

هيّا نغيّر سردياتنا الكبرى

القصص التي نحملها في أذهاننا بالغة الأهمية لأنها تُحدد توقعاتنا وتطلعاتنا. تُحفزنا هذه القصص -بدورها- على العمل، لكنها تُصيبنا أيضًا بالحزن والاكتئاب وخيبة الأمل عندما لا نحصّل ما نُريد. فعلى سبيل المثال لا الحصر: إذا كنتَ تطمح للحصول على ترقية، فستُصاب بالاكتئاب إذا حصل عليها شخص آخر.
يُحدد ما نحمله في دواخلنا -عمّا نُريده لمستقبلنا- كل شيء.

إذن، إليكم خطوتان عمليتان لجعل سيرديّتك الكبرى تعمل لصالحك:

  1. انفرد بنفسك، وحاول استبصار جوهر سرديتك الكبرى. كيف ترى “السعادة”؟ كيف تُعرّف “الحياة الطيبة”؟ ما الذي تطمح إليه من وظيفتك، أو علاقتك، أو عائلتك؟
    الأهمّ أن تصدُق نفسك قدر الإمكان. هل التمتّع بالجسد المثالي جزء من سرديتك؟ ماذا عن امتلاك سيارة معينة، أو منزل معين، أو عائلة معينة؟ لهذا، عليك إنجاز هذه المهمة بمفردك. فالأصدقاء -بل حتى أفضل أصدقائك- جزء من منظومة تُحدد جوهر سرديتك. وأنت وحدك من يستطيع تدقيقها بصدق.
  2. إما تتقبل روايتك وتعمل على تحقيقها، أو تغيّرها. إذا كان سعيك للثراء يُسعدك، فانشغل به. وإذا كنت ترضى بكونك ربّ أسرة يلازم منزله، فالزم ذلك. أما إذا كنت غير راضٍ عما تطمح إليه سرًا، فعليك تغيير ذلك. عليك أن تخلق سرديتك الخاصة. يمتلك بعض الناس قوة الشخصية لفعل ذلك ببساطة؛ فيتخيلون حياة جديدة، ويختارون مسارًا جديدًا، ويواصلون مسيرتهم. لكن سيحتاج معظمنا إلى تغيير منظوماته.

إذا عدنا إلى إبكتيتوس Epictetus، يُمكننا استعارة المزيد من حكمة الرواقية. الرواقية فلسفة تغيير الممكن وتقبّل غير الممكن. ثمّة منظومات لا يُمكننا تغييرها: لا يُمكننا تغيير العيش في القرن الحادي والعشرين. لا يُمكننا (بسهولة) تغيير الأعراف الاجتماعية أو روايات الآخرين الرئيسية. في المقابل، يُمكننا تغيير مدى اهتمامنا بسرديّات الآخرين الكبرى. كما يُمكننا حذف تيك توك، أو اختيار إلغاء متابعة شخص ما على إنستغرام.

والأهم من ذلك كله، أننا نستطيع تغيير أهم منظومة: نستطيع تغيير رفقتنا. إذا أحبطك أحدهم أو قلل من شأنك بأي شكل من الأشكال، فلديك خيار إزالته من حياتك. ليس بالضرورة أن تكون حياة صديقك ذاتها حياتك. ولا بالضرورة أن يتطابق مسارك مع مسار والديك.

لكلٍّ منا قصة واحدة يرويها وسرد فريد يكتبه. فأرجوك لا تُضيّعهما بمحاولة تقليد غيرك.

معظم الحياة مملة؛ فلن يحدث شيء حقًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى