قبل بضعة أيام، أدرت مع صديقي محادثة قد تُحدث تغيرًا جذريًا في مسيرته المهنية. وأقصد ذاك النوع من المحادثات التي تدور حول فكرة “لا أستطيع الاستمرار على ما أنا عليه، إنما لستُ واثقًا من الخطوة التالية”. صديقي ذكي وموهوب وذو خبرة، وقادر على فعل أشياء كثيرة، وهذا -في الواقع- جزء من المشكلة.
عندما تتحلى بمهاراتٍ عدّة، يغدو اختيار الشيء الصحيح .. شبه مستحيل.
تحدثنا عن وظيفته الحالية وعما ينقصها. تحدثنا عن الطاقة والغاية والمال والعائلة والمخاطرة والذكاء الصُنعي وسوق العمل.. وكل الفوضى المحيطة بنا. وفجأة، أدركت أننا كنا نتحدث عمّا شغلني لسنوات.

المَيل The Tilt
صادفت المصطلح -لأول مرة- في نشرة The Tilt البريدية، لكن لم أفهمه إلا مؤخرًا. باختصار، المَيل سبب اختلاف البشر الجوهري عن بعضهم.
ليس اختلافاً طفيفًا، كاختلاف “هوية شركتي البصرية أفضل قليلًا”، ولا “استسهل الكتابة أكثر منك” مثلًا.
وإنما نتحدث عن نقطة التقاء ما يلي:
- قدراتك ومواهبك.
- ما يشغلك بما يكفي لتستمر فيه [كما عرّفنا معنى الاستمرارية طبعًا]
- مَن يحتاج خدماتك (عملائك الذين يدفعون لك ما تستحقه حقًا)
- والأهم: لماذا سيختاروك عملائك تحديدًا من بين الجميع.
ورغم كُرهي الاعتراف بذلك، لكن الجزء الأخير (المال) أهم مما نتصور!
هل لاحظتَ كيف تتمحور معظم نصائح تغيير المسار المهني حول الشغف؟ ما الذي تحبه؟ ما الذي يُشعل حماسك؟ ماذا ستفعل حتى لو مجانًا؟
لا بأس بهذا، ولست ضد الشغف. لكن الشغف وحده لا يبني مشروعًا، ولا حتى الاهتمام وإتقان شيء ما يجعله عملًا تجاريًا.
في مرحلة ما، لا بد من [عميل].
للتطوع زمان ومكان مختلفين.
نعم، أريد السعادة لصديقي. وأريده -أيضًا- أن يهجر عملًا لا يُرضيه على المدى الطويل. وبالطبع، لا أودّ رؤيته يصحو كل يوم ليكون أول ما يفكر فيه: “ها نحن ذا في الجحيم نفسه!“.
على الجانب الآخر، لدينا عائلات، وعلينا أقساط ومشتريات والتزامات.
لذا، لا يعود السؤال عمّا تريد فعله، بل عمّا يمكنك تقديمه بتميّز كافٍ، لفئة محددة من الجمهور، بحيث يدفعون لك مقابله.
هنا يظهر المَيل.
ابدأ بمواردك الأساسية.
- ماذا تُجيد؟
- ما الذي يطلب الناس مساعدتك فيه؟
- ما الخبرة التي تمتلكها ويفتقر إليها معظم الناس؟
- ما الذي تعلمته من خلال التكرار، والتجارب، والهواجس الغريبة، والإخفاقات السابقة، والعمل الفعلي؟
ثم أضف الطاقة.
- أيّ نشاط يمكنك الاستمرار فيه أطول من الآخرين؟
- أي موضوع يجذبك كلما صادَفته؟ وما المشكلة التي تلاحظها دومًا، وإن لم يُسلّط الضوء عليها؟
احذر التوقّف عند هذا الحد؛ هنّا يكمن الفخ. يضع الكثيرون قائمة بما يودّون فعله، ثم يتوقفون آملين أن ينبثق مشروعهم من أحد بنودها. والأمر ليس بهذه البساطة.

مَن يحتاج ما تقدمه، ومَن قادر على الدفع؟
السوق ثاني جزء من تحديد المَيل.
- من يحتاج ما تقدمه؟
- من يعلم أنه يحتاجه؟ (تحديد المحتاجين أسهل من إقناع العميل).
- من يواجه مشكلة ملحة تدفعه للبحث عن حل؟
- وربما الأهم، من يملك المال الكافي لدفع ثمن الحل؟
هنا شجّعت صديقي قليلًا.
إذا كنت تستهدف الأفراد، فلا بأس بذلك. فالمستهلكون أسواق رائعة. لكن ثمة فرق شاسع بين استهداف الأفراد الميسورين وغير الميسورين. قد يبدو هذا بديهياً، لكن الكثيرين يتجاهلونه لأنهم ينجذبون للفكرة نفسها بدلاً من الجانب الاقتصادي.
إذا كان هدفك تعويضُ الدخل وبناء شيء مستدام، فلا بد من طرح مسألة التمويل مبكراً. ليس بعد تصميم الشعار أو الموقع الإلكتروني، وليس بعد ستة أشهر من النشر على شبكات التواصل الاجتماعي.
حينها يمكنك الانتقال إلى مستوى أعلى: الشركات.

تستثمر الشركات بالفعل في حلول مشاكلها. فتستعين بمستشارين، وتدفع لوكالات متخصصة. إنهم يُسندون مشاكلهم إلى جهات خارجية. لديهم ميزانيات، وأقسام، وموردون، وخطط سنوية، ومشاكل داخلية، ومدراء يقولون عبارات مثل: “علينا إيجاد حل لهذه المشكلة قبل نهاية الربع”.
هل أُفضّل البيع لفرد أم لشركة؟ في معظم الحالات، أُفضّل البيع لشركة.
هل أُفضّل البيع لشركة صغيرة أم كبيرة؟ الأمر نسبي، لكن الشركات الكبيرة عادةً ما تمتلك موارد أكثر وتواجه مشاكل أكثر تكلفة.
أحيانًا يكون من الأسهل بيع خدماتنا لشركة أو شركتين كبيرتين بدلًا من عشر شركات صغيرة.
انطلق!
ليس المَيل مجرد شعار تسويقي ذكي، ولا تمرين لبناء علامتك الشخصية، وقطعًا ليس “سرًّا” تخفيه في الفقرة الثالثة من صفحة “نبذة عنا”.
مَيلك جوهر عملك. هو ما يميزك عن الآخرين، ويقول للعملاء المناسبين: “هذا يناسبكم”.
وبمجرد أن تجده، عليك أن تُركز عليه أكثر من اهتمامك بالحلول السهلة المريحة، قد يعني ذلك: اختيار جمهور أصغر، أو التوجه نحو مصادر دخل جديدة، أو رفض مشاريع تُدرّ عليك ربحًا ماديًا لكنها تُبعدك عن هدفك الأساسي. قد يعني أن تكون أكثر تميزًا، وأكثر دقة، وأكثر تحديدًا، وأقل قبولًا لدى من لم يكونوا ليشتروا منك أصلًا.
هذا صعب، ومعظم الناس لن يفعلوه.
سيظلون متفرقين، وسيتبعون الصيحات الرائجة “التريندات”، وسيقلدون من سبقوهم، وسيدعون الذكاء الصُنعي يُسرّع من إنتاج نفس المحتوى الذي ينتجه الجميع.
لكن الفرصة لا تزال متاحة لمن يرغبون في بذل الجهد.
ابحث عما يمكنك فعله. ابحث عن من يحتاج إليه. ابحث عن من يستطيع الدفع. ابحث عن الأثر الذي يجعلهم يهتمون.
ثم انطلق..

