لسنوات، ظلّت هذه المقالة رهينة الإشارات المرجعية في متصفحي. كنت مؤمنًا بالقيمة التي أقدّمها، لكنك تعلم ما حدث؛ وكما يقول المَثل الشعبي “التاجر المُفلِس، يُراجع دفاتر ديونه القديمة“

لا أحد يُنكر ذهابه إلى العمل سعيًا للمال، وربما كنّا نستمتع برفقة زملائنا هناك. لكن هذا لا ينفي بحثنا عن شيء آخر، وإن لم نكن ندركه أحيانًا، ألا وهو إحساسنا بالمعنى.
عندما نتحدث عن جدوى -أو عدم جدوى- الوظائف، نتساءل -في جوهر الأمر- عمّا إذا كان عملنا يُسهم في تحسين حياة أي شخص، وما إن كان سببًا في زيادة سعادة الآخرين أو تخفيف معاناتهم. وخلافًا لما يُمليه علينا علم الاقتصاد التقليدي، نتوق بشدة إلى تقديم مساهمة فعّالة في الخير. قد تنعدم سعادة المرء في عمله إن لم يشعر بأنه يُساعد الآخرين.
متى يبدو عملنا عديم المعنى؟
يظهر القلق من افتقار العمل للمعنى بإحدى المسالك الرئيسية الخمس التالية:
🔇 “أرى وظيفتي بلا معنى لتفاهة المنتجات”
لا بأس في روتين عملي اليومي، ومن المثير للاهتمام إدارة فريق كبير. لكننا نصنع مشابك ورق فحسب في النهاية.. لا غضاضة في ذلك.. بل نحن نتقن عملنا، وقد يُدهشك حجم السوق.
لكن على الصعيد الشخصي، أشعر أن وظيفتي تافهة بعض الشيء؛ ففي أفضل الأحوال، سأكون قد ساعدت أحدهم في تنظيم أوراقه! أمضيتُ هنا خمس سنوات، وأتساءل أحيانًا إن كنت أضيع حياتي.
🔇 “أعتبر وظيفتي بلا قيمة، لست أكثر من مجرد ترس صغير في آلة ضخمة”
لا أقصد التشكيّ، فأنا سعيدٌ بوجود وظيفة. نحن نعمل في مجال التكنولوجيا الحيوية، وربما يكون الأمر برمته ذا قيمة كبيرة بالنسبة للمسؤولين والباحثين. لكنني لستُ أحدهم، إذ تقتصر وظيفتي على التعامل مع مواعيد صرف الرواتب ومواعيد إجازات الموظفين. كما عليّ التأكد من وجود حبر كافٍ في طابعات الطابق التاسع، وقد دُرّبنا على إجراءات الإخلاء في حالة الحريق وفقًا للوائح.
يُحزنني التفكير في كل الإنجازات الرائعة التي تُحققها الشركة دون كوني جزءًا منها حقًا.>
🔇 “كيف سأرى وظيفتي ذات معنى ولستُ أحترم عملائي؟!”
أعمل في قسم الاستقبال في مطعم راقٍ للغاية، وتُعجبني جوانب عديدة في عملي. لكن -بصراحة- أشمئز من بعض زبائننا. وأراه أمرًا مُحبطًا أحيانًا: فهم لئيمون، وغالبًا ما يعتقدون أنك خدعتهم، ولا يعرفون كلمة “شكرًا” أبدًا. وهناك أولئك الأزواج الذين يتناولون وجبة كبيرة ويبدون بغيضين ومدللين للغاية!
🔇 “أكره وظيفتي، كما أكره رؤسائي”.
قد تبدو الاستشارات الإدارية -نظريًا- مجالًا مشوقًا. لكنني أعتقد (وأرجو ألا تخبروا أحداً بهذا) أن مَن أعمل معهم متشائمون للغاية. قد يتصرفون بلطفٍ مصطنع مع كبار العملاء، ولكن يصبحون -مع عودتهم إلى المكتب- قساة كالصخر. ودائمًا لا يتحدثون إلا عن الربح النهائي، وعائد رأس المال.
🔇 “أيّ معنى لوظيفتي إن كان أي تغيير نتركه يحدث ببطء شديد؟”
أشغل وظيفة في إحدى كبرى الشركات في العالم، نحن متواجدون حرفيًا في كل قارة. قد يظنني البعض أُبالغ، لكنني أؤمن أننا نُدير بالفعل مشروعًا في القطب الجنوبي، رغم جهلي بتفاصيله!
حجم المشاريع هائل، لكن وتيرة العمل بطيئة بشكل ساحق. أحيانًا نعمل على تطوير المشروع لعشر سنوات (كعملي في مشروع الطاقة الحرارية الأرضية لخط أنابيب مقترح)، لكن العمل اليومي مملٌّ للغاية. لا أشعر بأي تغيير أو تحسن. من الصعب التطلع إلى عام 2031. هل سأكون حيًّا حينها؟
ربما بعض الوظائف بلا معنى حقًا
مثل التسويق لعلاجات وهمية لأمراض بسيطة أو تطوير منتجات تفيد البائع أكثر من المشتري.
إنما “يبدو” بعضها الآخر أقل أهمية ظاهريًا فقط. فيُسهم العمل فعلاً في خير البشرية، لكن لا يراه المرء ذا معنى. وحديثي الآتي موجّه لأصحاب تلك الوظائف والأعمال.

حلول للشعور بانعدام جدوى العمل
المسلك #1:: “أرى وظيفتي بلا معنى لتفاهة المنتجات”
المخرَج: تأثير فيرمير “Vermeerification”
نرى غيرنا يصنّعون مكونات صواريخ متجهة إلى المريخ، بينما نحن هنا منهمكون في تحسين الوضع الضريبي (بشكل طفيف) لشركة مشابك الورق. في نظرتنا للعالم، ثمة شيء آخر يتمتع بالبريق، بينما عملنا يفتقر إليه.
لكن البريق صفة متباينة بصورة ملحوظة.

تعدّ لوحة [ساقية الحليب] إحدى كنوز متحف ريكز في أمستردام. ولو عُرضت للبيع، فسيكون سعرها باهظًا للغاية. يتزاحم نحو خمسة ملايين شخص سنويًا للحصول على مكان أمامها، مؤمنين أنهم يُعجبون بإحدى روائع الفن الغربي.
بالنسبة ليّ، اعتبرها تمرينًا على إعادة تعريف مفهوم البريق. عندما رسمها يوهانس فيرمير (على الأرجح حوالي عام 1958)، ولم تحظى مهنة صبّ الحليب بتقدير كبير آنذاك. لكنه رأى الأمور بمنظور مختلف. تُظهر اللوحة الكرامة والشرف اللذين ميّزا هذه المهمة البسيطة في نظره. ولم يعدّ هذا العمل، كما وصفه الرسام، وضيعًا أو تافهًا.
في عمل آخر بعنوان “الشارع الصغير The Little Street“، يُعمّق فيرمير الفكرة نفسها. فالأنشطة التي تبدو بسيطة (كفَرك البلاط، وترقيع الجوارب، وكنس المزراب في الفناء) هي وسائل لإنجاز أمور بالغة الأهمية. تُضفي هذه الأعمال النظام والجمال على البيئة المحيطة.
إذًا، لدينا احتياجات كثيرة، منها نظافة الأرضية، وترتيب الأوراق. ولا شكّ من تطلّب الحياة اهتمامًا كبيرًا لجوانب عديدة لتسير الأمور على ما يرام، وكل منها مرتبط بمشاريع الوجود الكبرى.

تحتاج بعض الشركات إلى الإبداع والابتكار، لتحفيز موظفيها على تقدير القيمة الحقيقية -وبالتالي المعنى الحقيقي- لوظائفهم. فيرمير نفسه صوت من الماضي، يقول شيئًا مهمًا بعبارات كانت الأكثر منطقية في عصره. نحتاج إلى بعض رواد الأعمال الذين يجسدون روح فيرمير، ليُحدِثوا ويحدّثوا الرسالة، ربما بالتركيز -في البداية- على مشابك الورق عوض أباريق الحليب.
المسلك #2:: “أعتبر وظيفتي بلا قيمة، لست أكثر من مجرد ترس صغير في آلة ضخمة”
المخرَج: رسم السردية
ظهرت بعض العوامل التي تُعيق إدراك “المعنى” نتيجةً حجم الشركات الهائل في ظل الرأسمالية الحديثة. تُنسق الشركات جهود عشرات، بل مئات الآلاف من الأشخاص، وترفع الإنتاجية بشكلٍ هائل. لكن التخصص المفرط والانتشار العالمي قد يُقللان -بشكلٍ كبير- إحساس أي موظف بالمعنى.
قد لا يمتلك مشرف التعبئة والتغليف في مالمو “Malmö” فكرة واضحة عن كيفية ارتباط عمله بأنشطة عالم جيولوجيا كيميائية في غانا يُقارن الألومينا المُنشطة مع اللاتريت والبوكسيت المحليين كمواد ماصة محتملة لإزالة الفلورايد من مياه الشرب، أو بمخاوف خبير قانوني -يُقيم حاليًا في فندق ألفيار في بوينس آيرس- ويُقدم تقريرًا إلى لجنة توجيهية في نيويورك حول تداعيات التعديلات المُقترحة على المادة 14 من قانون التعدين الأرجنتيني. ومع ذلك، قد يعمل كل هؤلاء على ذات القضية النبيلة (دون أن يتذكر أي منهم -يوميًا- ماهيّة القضية الحقيقية).
تبدو محاولة جعلنا نرى موقعنا في الصورة الكاملة -وبالتالي الإحساس بأهمية عملنا- مهمّة مستحيلة. لكننا نمتلك -في الواقع- خبرة ثقافية واسعة في معالجة مشكلة مماثلة.
فمنذ منتصف القرن التاسع عشر، جرّب الروائيون فكرة دمج عدة خطوط سردية معًا. وقد بلغ هذا الأمر ذروته في أواخر سبعينيات القرن العشرين في أدب الجاسوسية.
اليوم، على سبيل المثال، قد يبدأ فصل من رواية تدور حول شركة ما بوصف شخص يدخل إلى حساب مصرفي في سالزبورغ. ثم ننتقل فجأة إلى مطعم في منطقة وان تشاي بهونغ كونغ، حيث تُعقد مفاوضات بشأن نقل صناديق التعبئة والتغليف إلى دبي. بعد ذلك، ينصب التركيز على اجتماع يُعقد في قبو في وايتهول لمناقشة لوائح السلع الاستهلاكية.
ولكن عوض كون الرواية مجرد فوضى عارمة، يبرز هدفها في الكشف عن كيفية ترابط كل هذه الأحداث التي تبدو عشوائية ترابطاً وثيقاً، وكيف تشير إلى غاية سامية. إنها جميعاً تجلّيات لنية واحدة: إنشاء نظام تكنولوجيا معلومات جديد لمكتب في ميونيخ، على سبيل المثال، أو زيادة معدل تدفق خط إنتاج مضخات في جنوب إسبانيا. بمجرد أن تُنسج الأحداث المتناثرة معاً في قصة متماسكة، تبدأ في اكتساب معنى عميق.
من الناحية المثالية، تحتاج كل شركة كبيرة إلى توظيف موارد السرد: فهي تحتاج إلى نسختها الخاصة من قصة التجسس لربط العناصر ببعضها البعض، وربما ينبغي أن تضمّ بعض الروائيين ضمن قائمة موظفيها!

المسلك #3:: “كيف سأرى وظيفتي ذات معنى ولستُ أحترم عملائي؟!”
المخرَج: رؤية القيمة المتأصلة
لعلّ الشخص الذي يُحضّر له الغداء بكل هذا التفاني زوجٌ متذمّرٌ وعبوس. أو ربما مراهقٌ مُحبطٌ يُفرّغ غضبه من ملازمة سرير المرض على الشخص الوحيد الذي يعتني به. أو ربما ربّ عملٍ ثريّ يتمتّع بإحساسٍ مُفرطٍ بالاستحقاق.

لكن في نظر جان شاردان “Jean Chardin”، لا يبدو أن أيّ من هذا مهم. فالمرأة لا تؤدي ما عليها لأجل الآخر فحسب، بل تقشر البيض المسلوق بعناية لأنها تحب إتقان العمل. وستشعر أنها مُقصّرة لو تبقى جزء صغير من القشرة. إنها تعشق الشكل المثالي اللامع، وهي منغمسة في عملها، وتركز على إنجاز كل شيء على أكمل وجه.
تعلمَت السيدة حيلة بالغة الأهمية. حتى لو لم يُقدّر الشخص الآخر -الزبون- ما تفعله، فهي تُدرك قيمته. لا تحتاج إلى موافقة أحدٍ لتُظهر احترامها لقيمها ورغبتها الشديدة في التمسك بها. تُحب أن تُنجز الأمور بطريقة مُحددة، ولا تحتاج إلى تشجيعٍ من الجمهور. ترى تجسيد قيمها أيضًا في فنجانها الصغير المصقول بعناية، ورغيف الخبز المُخبز بإتقان، ونظافة مئزرها.
يمكن الامتثال لهذه الميزة الشخصية في المواقف المهنية. قد يكون العملاء (سواءً كانوا شركة طيران أو فندقًا أو سلسلة متاجر ملابس أو منتجعًا صحيًا) صامتين، أو منشغلين، أو غير مبالين، أو حتى وقحين. ومع ذلك يجمعهم قاسم مشترك؛ مهما بدت تصرفاتهم غير مثالية، يدفَعون لقاء خدماتك.
يجب أن تعوض ثقافة العمل عن فظاظتهم. يمكن أن تتبنى هذه الثقافة منظورًا مشابهًا لمنظور شاردان، أي فصل قيمة النشاط عن ردود فعل العملاء. فيصبح احترام الذات المعيارَ الجوهري.
الإنسان عدو مَن يجهله.
ما أسهل كره الزبائن! فغالبًا ما يكون متلقي الخدمة أغنى من مقدّمها. لذا، قد يصعب على الشخص الذي يُرتب السرير، أو يُحضِر طبق الدوفينواز من المطبخ إلى المائدة، أو يجهّز حذاءً بقيمة أسبوعين من راتبه، أن يشعر بمساهمته في خير البشرية عند اهتمامه بهؤلاء “الأطفال المدللين”.
لكن الحقيقة تسكن في التفاصيل المخفية من حياة الآخرين. فالسائح الفظّ، الذي يبدو جاحدًا، في الفندق الفاخر، ربما يكون قد جمع ثروته من خلال تفانٍ لا يلين على مدى عقدين ونصف في توفير سيارات مستعملة بأفضل الأسعار لسكان الضواحي الجنوبية الغربية لمدينة مينيابوليس. قد يكون سيئًا في إظهار الامتنان لعاملة النظافة أو موظف الاستقبال، لكنه في الحقيقة ممتاز في جوانب أخرى كثيرة (وإن كانت غير ظاهرة حاليًا)، والتي ستدركها سريعًا لو قابلته في سياق آخر: يبحث عن سيارة دودج ستراتوس 2008 بحالة جيدة.
سواء كانت وظيفتك في فندق أو مطعم أو متجر أحذية، فلستَ ترى سوى جزء صغير من الشخص. قد لا يكون ما تراه حسنًا، ولكنه -في الواقع- لا يمثّل كامل الشخص.
المسلك #4:: “أكره وظيفتي، كما أكره رؤسائي”
المخرَج: الخيال الطموح
لا أسهل من كره المرء رئيسه في العمل. لكن التحدي الحقيقي، والذي قد يساعدك أيضاً على استعادة حافزك، محاولتك تخيل شعور أن تكون أنت ربّ العمل.
يرجع جزء من المشكلة إلى افتقار ثقافتنا إلى وصف واقعي ودقيق للرؤساء، ولمن يشغلون مناصب السلطة عمومًا. لكن تُعد رواية “الحرب والسلام” لتولستوي، التي نُشرت لأول مرة عام ١٨٦٩، استثناءً بارزًا.
كان تولستوي شديد الاهتمام بتجربة تولي المسؤولية. وفي الرواية، لا تتوقف الشخصيات الثانوية عن التذمر من غباء أصحاب السلطة، متداولين اتهامها بين بعضهم. ثم يأخذنا تولستوي إلى بعض المواقف الصعبة التي يواجهها أصحاب السلطة في اتخاذ القرارات.

في عام ١٨١٢، اجتاحت جيوش نابليون روسيا، وأصبحت على مرمى حجر من موسكو. من غير المعقول، بلا شك، أن يستولي العدو على تلك المدينة، قلب الأمة النابض. توجّب على قائد الجيش، كوتوزوف “Kutuzov”، المفاضلة بين الحفاظ على الجيش أو المدينة. اتخذ قرارًا سريعًا وحاسمًا وصائبًا تمامًا: إنقاذ الجيش. لم يكن كوتوزوف لطيفًا بالمنظور المعتاد. وحرصَ تولستوي على إظهار ذلك لنا. رغم ذلك يكتسب قدرًا من الكرامة، عندما ندرك مواجهته موقفًا مرعبًا، كما يفعل العديد من الرؤساء.
كثيرًا ما ينشأ الشعور بعدم جدوى العمل لدى شخص ما من سوء فهم دوافعه: لماذا تُراه سريع الغضب، ومتسرع، ومُشتت أو كئيب، ويصعب التعامل معه؟ تحتاج كل شركة “نُسختها من تولستوي”، قادرة على فهم الموظفين وفهم طريقة تفكير مديرهم، حتى لا يضيع الحافز بسبب عدم القدرة على استيعاب الحياة من منظور الآخرين.
المسلك #5:: “أيّ معنى لوظيفتي إن كان أي تغيير نتركه يحدث ببطء شديد؟”
المخرَج: دروس التاريخ
نودّ جميعًا لو نشعر أننا نُسهم في تقدّم العالم، وهذا أمرٌ مفهوم. ولكن في كثير من الأحيان، يُساهم ما نفعله في تحسين العالم حقًا.. إنما على المدى الطويل. صحيحٌ أننا، حين نقيس أفعالنا اليومية، لا نشعر بوجود فرق كبير، ومع ذلك، يحصل التقدم، شيئًا فشيئًا، وببطء شديد.
في عام ١٨٣٠، رسم الفنان الفرنسي يوجين ديلاكروا “Eugene Delacroix” لوحةً مذهلةً تجسد العمل الجذري: يندفع الأخيار إلى الأمام، ويُزاحم أعداء التقدم (ويموت بعضهم)، ويولد عالم جديد. تخترق أشعة الشمس الغيوم. هذه صورة متطرفة لفكرة سائدة حول معنى التغيير: ستشعر بالفرق فورًا.
لسوء الحظ، ورغم روعة اللوحة، إلا أنها تُعدّ دعاية عاطفية لرؤية مُضللة للغاية حول كيفية حدوث التغيير الإيجابي. إنها تجعلنا أكثر نفاد صبر مما ينبغي!

إذا نظرنا إلى العالم من منظور واسع، يتضح جلياً أنه يتغير، وغالباً ما يتحسن. لكن لا يظهر هذا إلا عند النظر إلى نطاق زمني مديد بما يكفي. فمع كل عام، تبدو الأمور جامدة، أو ربما تتراجع حتى. هذه المشكلة التي يواجهها السياسيون، والمجتمع الطبي، والعديد من الشركات أيضاً: فهم يبذلون جهوداً جيدة، لكن أولئك الذين يعتمدون عليهم لا يستطيعون رؤية هذا التغيير بالسرعة الكافية، وبالتالي لا يستطيعون إدراكه بشكل ملموس.

في عام ١٨٤٨، نشر المؤرخ توماس بابينغتون ماكولاي “Thomas Babington Macaulay” موسوعة “تاريخ إنجلترا منذ انضمام جيمس الثاني“، مستعرضًا أحداث القرن ونصف القرن السابقين. وخلص في نهاية المطاف إلى استنتاج مطمئن مفاده أن “تاريخ المملكة المتحدة خلال المئة والستين عامًا الماضية هو في جوهره تاريخ للتطور المادي والأخلاقي والفكري”.
لم يتجاهل (توماس) مطلقًا حقيقة وقوع ثورتين كبيرتين في تلك الفترة عامي ١٧١٥ و١٧٤٥، ونزاع كارثي (من وجهة نظر الإنجليز) مع الولايات المتحدة، وحرب طويلة ومروعة مع نابليون، واضطرابات دينية واسعة النطاق، وانتقال من اقتصاد زراعي إلى اقتصاد صناعي، وهو ما ترتب عليه خسائر بشرية فادحة. بل كان مقصده: على الرغم من وقوع تلك الأحداث الخطيرة، فقد حدث -في المقابل- تقدم حقيقي.
تلك نظرية للتنمية المستدامة تُعلّمنا درسًا هامًا في الصبر، وفي التراكم التدريجي أيضًا. فقد لا تتحقق المنافع الكبرى التي تعود على أمة (وبالتالي على شركة أو فرد) عبر حدث واحد ضخم (كاقتحام سجن الباستيل). ففي تاريخ إنجلترا، كان هناك تشريع هنا، وتحسّن في الإنتاجية هناك، وبُنيت مدرسة في تشيستر، وأُعيد رصف طريق في نورثمبرلاند، ومُدّت أنابيب لتحسين إمدادات المياه في بليموث: آلاف الأنشطة الصغيرة نسبيًا، التي تضافرت مع مرور الوقت، تراكمت تدريجيًا لتُحدث تحولًا هائلًا. ولكن على أرض الواقع، في أي لحظة معينة، ربما لم يكن ليُشعر المرء بإحراز تقدم حقيقي يُذكر.
ما فعله ماكولي هو تتبع فوائد التأثير التراكمي. إنها خطوة حاسمة ينبغي على جميع الشركات أن تتعلم منها (إذا أرادت الاحتفاظ بموظفيها الأكثر نفاد صبرٍ ورومانسية).

خاتمة
عادةً ما تنظر الإدارة إلى “معنى” أي وظيفة معينة من خلال مساهمتها في النجاح المالي العام للشركة. ففي نهاية المطاف، هذا مبرر وظيفتك الجوهري، وسبب توظيفك لشغلها. صحيح؟
لكن لا يمت هذا المنطق بصِلة إلى التجربة الإنسانية للمعنى. فقلما يجد أحدٌ عمله ذا معنى لمجرد أنه يحقق عائدًا على رأس المال للمساهمين أعلى بقليل مما يمكن الحصول عليه من استثمار منافس. صحيح أن تحقيق ذلك ضروري للشركات، وإلا ستفلس في نهاية المطاف، إلا أن النجاح المالي للشركة يبقى بعيدًا عن اهتمامات الموظف العادي، فهو يحدث في مكان بعيد جدًا.
بالطبع، يدرك الموظفون -نظريًا- أن عملهم يعتمد على السلامة الاقتصادية “The economic health” للشركة، لكن هذا ليس دافعًا شخصيًا قويًا. فالمعنى الحقيقي للعمل يكمن في التجربة اليومية، سواء أكان ذا معنى أم لا. وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن استشعار المعنى أحد العوامل التي تحدد أهم قضية على الإطلاق: مدى جدّية وكفاءة أداء الموظفين.
تهمّني قراءتك للتدوينات الآتية:
- نهاية موظف شجاع
- خطيئة الصمت في زمن الثرثرة 🤐
- 📩 إلى أرباب العمل: هل نعيش في رواية 1984؟
- لست مُضطرًا لامتلاك أهداف مهنية!
