أنا مهندس برمجيات، ولطالما استمتعت بمجادلة الناس حول الصوابية التقنية “Technical correctness”، خلال مراجعات الشِفرة، واجتماعات التصميم، والنقاشات على القوائم البريدية، وحتى على موائد العشاء. حرصت على إفحام الشخص. كنت أتصيّد الحجج المضادة كما التعديلات؛ مؤمنًا أنني لو شرحت المنطق بوضوح كافٍ، فلن يكون أمام خصمي خيار سوى الاقتناع. سينتصر الحق في النهاية.
لكن نادراً ما نجح الأمر بهذه الطريقة.
فإن انتصرت بالنقاش، خسرت الشخص. وفي الغالب، لم أفُز بشيء على الإطلاق: بل كنتُ أرى الطرف الآخر يزداد يقينًا بما دحضته للتو، بينما ينحاز الجميع في الغرفة بهدوء إلى صفّه. كنتُ أغادر وأنا على حق -نظريًا- وحيدًا تمامًا.
بمرور السنين، توقفت تدريجيًا عن الجدال. لا لزُهدي بالحقيقة، بل لأنني فهمت -أخيرًا- ماهيّة الجدال، وما يحققه وما يعجز عنه. وإليك ما غيّر رأيي.

ضريبة أن تكون مُحقًا
أول ما توجبّ التخلي عنه الاعتقاد بأن الصواب هو الخير دائمًا. الأمر الذي عَددته -بصفتي مهندسًا- بمثابة هرطقة؛ الصواب جوهر العمل، أليس كذلك؟
في الواقع، لا يُشترط أن يكون الصواب مُستحسنًا في لحظة معينة.
رأى لاو تزو “Lao Tzu” هذا قبل 2500 عام. في الفصل الثاني من كتاب تاو تي تشينغ:
يخلق الوجود والعدم بعضهما.
يُكمل الصعب السهل، وبالعكس
يعرّف الطول والقصر بعضهما.
يعتمد كل من الارتفاع والانخفاض على بعضهما.
يتناغم الصوت والصمت في وحدة متكاملة.
لا وجود لأي شيء إلا في علاقته بنقيضه. لا صواب بدون خطأ يبرره، ولحظة إصرارك على اعتلاء تلّة (= التمسّك برأيك)، تكون قد خلقت منحدرًا يجب على غيرك أن يتراجع إليه. وإن كان الانتصار في الجدال يصنع خاسرًا، فالظهور بمظهر المُحِقّ يؤسس لموقف المُخطئ.
إذن، ليس الصواب خيرًا مطلقًا، بل توأم، ويجرّ معه توأمه النقيض. وبمجرد تراجعي عن اعتبار الصواب قيمة مطلقة، بطُلت حاجتي إلى الانتصار بالجدال.

تتمحور معظم الجدالات حول الأنا، لا الأفكار
عندما تجادل شخصًا ما، تعتقد أنك تناقش فكرة ما. في حين أن ذلك مجانب للحقيقة أغلب الأحيان؛ أنت تتحدى إحساسه بذاته.
كثيرون مدفوعون بالأنا Ego. فلا تعود آراؤهم مجرد مواقف يتبنونها، بل تتماهى ذواتهم مع تلك الآراء. وبالتالي، يغدو دحض فكرة مساويًا لمهاجمة الشخص (عوض كونه تصحيح معلومة فحسب). ربما الآن تفهم لمَ حين يدافع الناس عن أفكارهم، يدافعون كما يدرئ المرء عن نفسه: لا بالمنطق، بل بالصمود. وكلما كانت حجتك أقوى، ازدادوا تمسكًا وتماسكًا.
ولا يمكنك كسب جدال كهذا؛ طالما لم يكن جدالًا أصلًا، بل صراعًا بهدف الحفاظ على الكبرياء. حتى عندما “تفوز”، فأنت خاسر، لأن كل ما فزت به -عمليًا- عدوًا أكثر اقتناعًا.
لذا، وضعتُ حدًا فاصلًا.
لا أناقش الإيجابيات والسلبيات إلا مع الأذكياء، ولا أجادل في الصواب والخطأ مع المتكبرين. مع النوع الأول، يكون الاختلاف بحثًا مشتركًا عن الحل الأمثل، ونخرج كلانا أوعى. أما مع النوع الثاني، فلا أحد يبحث عن حل، بل مجرد دفاع عن الذات. معرفة نوع الحوار الذي تخوضه نصف الحل، والقدرة على الانسحاب من الحوار الثاني نصفه الآخر.
لسنا عقلانيين!
نودّ الاعتقاد بكون البشر كائنات عقلانية تحرّكها مشاعرها أحيانًا. في حين العكس هو الصحيح: نحن كائنات عاطفية تفكر أحيانًا.
لا يصل معظم الناس إلى استنتاجاتهم بالمنطق ثم يحددون مشاعرهم بناءً عليه. بل يستشعرون أولًا، ثم يبررون شعورهم بالمنطق. إنهم يتبعون السائد، ويخلطون بين الثقة والصواب، ويتبنون معتقدات الآخرين. التفكير المستقل نادر، بل أندر بكثير مما نعترف به.
بمجرد قبولك لهذا، يبدأ الجدال بالمنطق في الظهور بمظهرٍ عبثي. أنت تقدم دليلاً على شعور. لكن الدليل قاطع لا تشوبه شائبة. في حين الشعور لا يُبرر.

نادرًا ما يفيد تصحيح الأخطاء
قد يقول قائل:
“لكن غايتي نبيلة، فأنا لا أهاجم أحداً. وإنما أشير فقط إلى خطأ حتى لا يتأذوا”.
آمنت بهذا لفترة. وفعلًا يبدو الأمر نبيلًا. ومع ذلك، لا يُجدي تصويب الآراء نفعًا، وهنا مربط الفرس: لا تفعلها على أي حال.
لا يرى الناس دوافعك، وإنما يرون الانتقادات. ونادرًا ما يفهمون سبب عناءك، ونادرًا ما يُقدّرون ذلك. والأسوأ؟ لا يتعلم معظم الناس من النصائح، بل من العواقب. عليهم أن يتحملوا عواقب أفعالهم بأنفسهم. الكلمات لا تُجدي نفعًا، والألم يبقى.
قد يبدو كلامي قاسيًا، وهو كذلك. ولكنه -للأسف- صحيح. أكثر ما يعبّر عن احترامنا للآخرين تركهم يتحملون عواقب أفعالهم، فهذا المعلّم الوحيد الذي يُصغون إليه فعلًا.
الاستثناء الوحيد..
هناك استثناء واضح لكل هذا، وهو يقلب المنطق برمته.
ساعد الناس عندما يطلبون المساعدة صراحةً.
تنعكس الآية عندما يطلب أحدهم المساعدة؛ لم تعد تفرض رأيك على شخص لم يرغب به. طلبه هو السبب، ومساعدتك هي النتيجة. الآن، هناك فرصة حقيقية، لأنهم قرروا أنهم مستعدون لسماعها. يتواضعون، وتتلاشى دفاعاتهم، وتؤثر النصيحة فيهم.
لذا لم أعد أقدم أي شيء. أصبحت أنتظر أن يُفتح الباب من الداخل. وعندما يُفتح، أُعطي كل ما أملك.
لا تكسب الجدال، بل استفد من الاختلاف
إذا بدا التخلي عن الجدال كخسارة خالصة، فإليك إعادة صياغة تحوّله إلى مكسب.
عندما تختلف رؤيتك للعالم مع رؤية الآخر، أمامك خياران. يمكنك أن تُهدر طاقتك في محاولة إقناعه بصحة رأيك، وهو أمر، كما اتضح آنفًا، نادرًا ما ينجح. أو يمكنك أن تعتبر هذا الاختلاف ميزةً وتستثمرها.
إذا كنت تؤمن حقًا بشيء لا يؤمن به الآخرون، فليس هذا نقاشًا تسعى للفوز به، بل هو ميزة. السوق يُجزي الصواب بطريقة يعجز أمامها أي جدال. عوض محاولة إقناع المتشكك، روّج لما يعتقد أنه خطأ، ودع الواقع يحسم الأمر. اختلافهم معك ليس عائقًا، بل هو حصنك المنيع. لو كان الجميع متفقين معك، لما بقيت أي فرصة.
يصدق هذا القول خاصةً إذا كنتَ بصدد تأسيس شركتك الخاصة. فالتميز جوهر الأعمال التجارية لا مجرد مزيّة. تنبثق الشركات الناشئة أصلًا لأن مؤسسيها يؤمنون بشيء لم يتقبله العالم بعد. لو استطعتَ إقناع الآخرين بهذه الفكرة في اجتماع، لما استحق تأسيس شركة خاصة كل هذا العناء. تكمن القيمة الحقيقية في الفجوة بين ما تراه أنت وما يرفضه الآخرون.
لذا توقفتُ عن محاولة سدّ تلك الفجوة بالكلام، وبدأتُ أسعى للاستفادة منها بالبناء. دع الناس يختلفون، ففي اختلافهم يكمن المال والمعنى.

لا يمكنك تغيير سوى نفسك
استغرق مني هذا الجزء أطول وقت لأتقبله.
في هذا العالم، لا يمكنك تغيير أي شخص. لا زوجتك (أو زوجكِ)، ولا أصدقاؤك، ولا أطفالك، وبالطبع لا الغرباء على الإنترنت. نفسك فقط من تستطيع تغييرها.
ليس هذا تشاؤماً، ولا استسلاماً للناس. بل على العكس تماماً. إنه توجيه طاقتك حيث يمكنها أن تُحدث فرقاً حقيقياً. كل ساعة تُقضى في محاولة تغيير شخص لم يطلب ذلك هي ساعة مسروقة من الشخص الوحيد (نفسك) الذي يمكنك تغييره.
يكفي أن تُغيّر نفسك. لستَ بحاجةٍ لتغيير الآخرين لتعيش حياةً طيبة. عندما تُصبح أكثر وضوحًا، وهدوءًا، ومهارةً، وصدقًا، سيتغير العالم من حولك من تلقاء نفسه، ليس لأنك أجبرتَ أحدًا، بل لأن الناس يتفاعلون مع جوهرك الحقيقي. غيّر نفسك، وستُغيّر تجربتك الكاملة في العالم. هذا يكفي. لا حاجة لأكثر من ذلك.
تقبّل هذا، وسيحلّ سلامٌ غريب. ستتلاشى الجدالات، ويخفّ الإحباط. ستتوقف عن محاولة استمالة الناس، وتبدأ في تركهم على طبيعتهم.
لذا، اعكس السؤال.
إذا كان الشخص الوحيد الذي يمكنك تغييره هو نفسك، فالسؤال الأهم هو: كيف تتحسن فعلاً؟ ليس بالفوز في الجدال. تتحسن بطلبك آراء الآخرين مراراً وتكراراً، واستماعك إليها بإنصات. إنه نفس الطلب الذي وصفته سابقاً، الاستثناء الوحيد الواضح، ولكن هذه المرة موجه نحوي: أنا من يطلب المساعدة، حتى تصل النصيحة أخيراً. ولا يمكنك فعل ذلك مع وجود غرور يعيقك. الغرور الذي يجب أن ينتصر هو نفسه الغرور الذي لا يسمع. إنه ليس ضاراً فحسب، بل كارثة، على كل من حولك، وعليكِ أنتِ بالذات، لأنه يعزلك بهدوء عن الشيء الوحيد الذي من شأنه أن يحسنك.
لذا، دعه جانباً. حافظ على تواضعك. استمر في السؤال. هذا جوهر الانضباط.
توقفت عن الجدال لا لأني توقفت عن الاهتمام بأن أكون على صواب، بل لأني أردت أخيراً شيئاً أسمى من مجرد الصواب: أردت أن أستمر في التطور. والباب الوحيد لذلك هو الباب الذي يغلقه غروري باستمرار.
___
مصدر اكتشاف الأصل: تدوينة العرّاب الذي قد يهجرنا قريبًا.