ربما لا أشعر أنني على ما يُرام، لكن هذا لا ينفي قدرتي على التشافي بالكتابة (والترجمة تحديدًا). وكلما تعمقت في قصص الطرف الآخر من العالم، اكتشفتُ كمّ التشابه الشديد بين البشر.
وإليك مثالًا واقعيًا جدًا. وربما تجد نفسك في تفاصيله.
1. ما لا يقتلك .. يقويّك
عندما بلغتُ الحادية والثلاثين من عمري، تركني زوجي الذي أحببته أكثر من نفسي -فجأةً ودون سابق إنذار- بعد زواج دام أربع سنوات. عشنا قصة حب رائعة، وانجذبنا لبعضنا بشكل مدهش، لنتزوج في موعدنا الثالث، ونقضي سنواتٍ لاحقة نتقارب أكثر فأكثر. ربما كانت تلك المشكلة، إنما لا أستطيع الجزم؛ لم يقدم ليّ تفسيرًا مُقنعًا. في يومٍ، كنتُ بطلة قصة حب تُضاهي قصص الحكايات، وبعدها بـ 48 ساعة، رحل!
منذ التقينا، لم أتخيل قطّ العيشَ بدونه، ولم أرغب بذلك. تمنيتُ الموت لفترة طويلة، سنتين على الأقل. ولكن بينما كنتُ أتعلم -ببطء- كيف أتجاهل أفكاره والمشاعر التي تثيرها، اقتنعتُ بوجود جانب إيجابي:
ستجعلني التجربة منيعة. فإن نجوتُ منها، فسأتيقن من قدرتي على النجاة من أي شيء، ولن يتمكن أي شيء من إيذائي مجددًا.
استغرقت ما يقارب عقدًا من الزمن وعلاقة أخرى غيّرت هويتي جذريًا، مع الرجل الذي أصبح زوجي الثاني، لأدرك أنني جانبتُ الصواب تمامًا: فالانغلاق يعني تجنب أكثر جوانب الحياة واقعية. وليس من قبيل الصدفة أن يكون السهم رمزًا للحب.
لا تجعلنا الكوارث التي تكاد تودي بحياتنا أقوى دائمًا. قد تمنحنا النجاة من محنة واحدة دليلًا على إمكانية تجاوزنا تحديات أخرى، وهو ما قد نحسبه اكتسابًا للقوة. لكن في الواقع، غالبًا ما تجعلنا هذه التحديات هشين، وتدفعنا إلى الانعزال والهروب من المواقف التي تُذكرنا بأننا “قد نُكسَر”.
2. ستعرف عندما تعرف
نشر ماريو غابرييل Mario Gabriele، مقالًا نقطيًا رائعًا قبل بضعة أشهر، ووجدت نفسي أؤيد غالبية ما فيه. الاستثناء الأبرز كان الفكرة #33:
“الحب سهل. الفيصل بين علاقة سيئة ولقاء شريك الحياة في التوافق؛ أمرٌ لا يمكن تجاهله ولا يتطلب جهدًا”
آمنت بذلك تمامًا في الماضي. لكنني أدركت -مع الوقت- أنّ ما لا يُمكن تجاهله، ولا يتطلب جهدًا حقًا، هو الكيمياء Chemistry. والتي قد تكون قوية حدّ تغيير مجرى حياتك، لكنها ليست مرادفة للتوافق. يُقاس التوافق على مدى سنوات وعقود؛ فهو ليس شعورًا عابرًا، بل وصف لما يحدث خلال مسار طويل من التغيير. هل تنضجان معًا، أم تتفاوتان؟ وهل تقرّبك العلاقة من تجسيد الشخص الذي تطمح أن تكونه؟
كنتُ متأكدة تمامًا من انسجامي مع زوجي الأول. على عكس مع زوجي الثاني. لكن بعد أربع سنوات، انقلبت الأمور رأسًا على عقب!

3. لو كانت فكرة جيدة، لبدأ أحدهم تنفيذها بالفعل!
ثمّة اعتقاد شائع، خاصةً بين المهووسين بالتفاصيل، بأنك لن تصادف أوراقًا نقدية من فئة 20$ مرمية على الرصيف، فلو كانت الفرصة حقيقية، لكان أحدهم قد انتهزها بالفعل. قد يبدو هذا الكلام حكيمًا وواقعيًا، ولكنها -في الحقيقة- آلية دفاعية؛ تفترض أن الطريقة الحالية هي الأفضل، وأن كل ما يستحق العناء، فُعل وانتهى الأمر.
تبيّنت من تجربتي أن ذاك غير صحيح. عندما بدأت لعب البوكر، اكتشفت أن لغة جسد الخصم مجال واسع للتحليل، رغم اعتقاد معظم المحترفين أنه موضوع مُستهلك. إذا آمنت أنك ترى فرصة فاتت الآخرين، فعليك تقديم تفسيرٍ لسبب تفويتهم لها، ولا بدّ من سؤال الآخرين للتأكد من صحة تفسيرك. إنما، وبفرض لم يُقدمَ لك سببٌ مقنع، فلا تفترض وجوده؛ فقد يكون أحياناً (التردد أو الخوف) .. ببساطة.
4. إذا كان الأمر مُثريًا، فيستحق أدائه على أكمل وجه
لا أكاد أجد ما يستحق الأداء “بإتقان”. يمكن -بل ينبغي- إنجاز العديد من المهام وفقًا لمعايير جودة دنيا، لأن أي شيء يتجاوز ذلك يُعدّ إهدارًا للجهد الذي يمكن توجيهه بشكل أفضل. الاستثناءات ليست فيما ينبغي فعله “بإتقان”، بل فيما التي ينبغي فعله وفقًا لمعايير عالية للغاية، وربما أعلى بكثير مما تراه في نماذج من حولك.
ليس هذا مجرد جدل بيزنطي؛ فمعظم الناس في الواقع “يفعلون كل شيء كما يفعلون أي شيء”، سواء بجهد بسيط أو عظيم. لكن الهدف من التراخي في أمورٍ شتى هو توفير طاقتك لتوجيهها نحو تلك الأمور المهمة حقًا، والتي تُعدّ على أصابع اليد الواحدة … ثم استثمارها بفعالية.
دعني أقدّم لك مثالًا شخصيًا:
قررتُ رواية سلسلة “You Can Just Do Things” صوتيًا بنفسي. وعندما طلبت من أحد الأصدقاء العاملين في المجال ترشيح مدرب إلقاء كفؤ، أخبرني أن الاستعانة بمدرب ليس ضروريًا؛ لأن دار النشر ستُقرر بناءً على عينة أُرسلها ما إذا كنتُ أجيد القراءة بما يكفي، وحينها، ستُعيّن لي شخصًا للعمل معه في نفس اليوم.
لكن ما يهمني حقًا أن يكون الكتاب الصوتي جيدًا حدّ ألّا يفكر أحد في إرجاعه بسبب عاديّة الأداء، لذا لم أهتم بالحل التقليدي الذي يُعتبر “جيدًا”، بل بالذي يجعلني الخيار الأول عندما يُطرح عليّ هذا السؤال. في هذه الحالة، سيتعيّن عليّ الاستعانة بعدة مدربين والتدرب لأشهر.

5. إذا أحببتَ وظيفتك، فعليك مراجعة نفسك!
في الماضي، عندما كنتُ أشدّ انفصالاً عن مشاعري، كنتُ أفكر في العمل على النحو التالي: لدينا طاقةٌ مُحددةٌ، والهدف تحويلها بكفاءةٍ إلى تأثيرٍ ملموس. تُحدد النشاط الذي يُحقق أعلى تأثيرٍ لكل وحدة طاقة، ثم تُكرر هذا النشاط لأكبر عددٍ ممكن من ساعات استيقاظك. والآن، أليس من الطبيعي أن أكون مجهدةً دائماً؟!
غاب عنيّ أن الطاقة ليست ثابتة، بل تتأثر بشدّة بالأنشطة التي نختارها؛ فبعضها يزيد طاقتنا مع مرور الوقت، بينما يستنزفها البعض الآخر. يبدو هذا شديد البداهة الآن، لدرجة أنني أتحرج من ذكره هاهنا، لكنني أعرف الكثيرين ممن لا يزالون يستهلكون أنفسهم. يؤثر استمتاعك بما تفعله على قدرتك على الاستمرار فيه عامًا بعد عام، ولا ينفي وصفُ الأمر بـ”الأنانية” صحته.
6. “كل الناس مجانين. سيفعلون أي شيء في أي وقت، وليُعن الله كل من يستجدي الأسباب”
لخّص هذا السطر، من رواية كورت فونيغوت “Kurt Vonnegut”، بدقة طريقة فهمي للآخرين؛ أي لم أكن أفهمهم على الإطلاق. بَدت لي محاولة فهم دوافعهم، أو تخيل ما سيفعلونه لاحقًا، مضيعة للوقت. كنتُ أُصدر أحكامًا مسبقة على الآخرين أيضًا: فقد افترضتُ أن المشكلة ليست فيّ، بل في الجميع.
لم أتجاوز هذا الاعتقاد جذرياً إلا في السنوات الأخيرة، عندما تعرفت على نظام التصميم البشري [Human Design]. أتصور وجود أنظمة أخرى لتصنيف الشخصيات تُقدم شيئاً مشابهاً، لكن نظام نظام التصميم البشري كان أشبَه بالسحر؛ كشف لي حقيقة أن الناس قد يمتلكون أنظمة تحفيزية مختلفة تمامًا عن نظامي، ومع ذلك تظل متماسكة داخليًا وتُنتج أشياءً إيجابية في العالم.
بدا سلوك الناس في السابق غير مفهوم -بالنسبة لي- لإسقاطي عليهم دوافعي الخاصة، محاولةً فهم ما يدفعني للتصرف كما يتصرفون (أي أنني كنت أستنتج أن تصرفاتهم لا معنى لها في ضوء أهدافي). لكن الناس يمتلكون تنوعًا هائلًا في دوافعهم العاطفية، وهذا ما يحدد المنطقي بالنسبة لهم. وشخصيتي تحديدًا (المستقلة، والملتزمة بالأخلاق، والمنهجية، والباحثة عن التحديات، والتنافسية) غير مألوفة، لذا لم أكن في وضع يسمح لي بتقييم الآخرين بمعياري الشخصي.
كان لهذا التحول في المنظور أثرٌ إيجابيٌّ كبيرٌ عليّ وعلى علاقاتي مع الآخرين. فقد مكّنني من رؤية منظومة علم النفس كنوعٍ من المعجزة – يا للعجب، إنها حقاً تضمّ جميع الأنواع – بدلاً من أن تكون نذيراً لرعبٍ كونيّ. ومنحني ثقةً بأنه إذا استثمرتُ في فهم الناس بشكلٍ أعمق، فسيتوقفون في نهاية المطاف عن كونهم ألغازاً غامضة، وعرضةً لسلوكياتٍ غريبةٍ وغير منطقية. على حدّ علمي، هذا هو الجانب الأفضل من الذكاء العاطفي.

7. لا يشتري المال السعادة
الوجه الإيجابي لهذه النصيحة: ستظل بحاجة إلى السعي لتحقيق السعادة، حتى لو كنت ثريًا. فلن يحقق لك المال في حسابك البنكي السعادة، وتأتي الثروة مع مشاكلها الخاصة، مثل السعي الدائم وراء المكانة الاجتماعية. لكن الفكرة الشائعة -بفقدان المال أهميته بعد حدّ معين- خاطئة في جوهرها.
ربما سمعتَ عن بحثٍ يخلُص إلى أن المال لا يشتري السعادة. وقد لاقى هذا البحث رواجًا واسعًا لأنه يُخالف الحدس، إذ يُخالف الاعتقاد السائد بأن المزيد من المال يعني المزيد من الحرية، والمزيد من الخيارات، والمزيد من القدرة على مساعدة من تُحب.
اتضح لاحقًا أنه كان مليئًا بالمشاكل المنهجية. فقد وجدت دراسةٌ أحدث أجراها ماثيو كيلينجسورث “Matthew Killingsworth” (الذي يُؤمن بالحتمية الاسمية)، باستخدام دراساتٍ واسعة النطاق استطلعت آراء المشاركين حول سعادتهم في أوقاتٍ عشوائية، تحسنًا مطردًا في مستوى الرفاهية مع ارتفاع الدخل، دون أي مؤشر على وجود حدٍّ أقصى.
تستمر هذه الخرافة لأنها تُؤدي وظيفةً نفسية: فهي تُساعد من لا يملكون المال على الشعور بتحسنٍ تجاه وضعهم، وتُساعد الأثرياء على التقليل من شأن مزاياهم. لكن هذا ليس صحيحًا.
8. الحدس زائف والعقلانية تحل كل شيء.
كنتُ في السابق أُصدر أحكامًا قاسية على الأشخاص الذين يتخذون قراراتهم بناءً على حدسهم، “أفعل ما أشعر أنه صحيح”. ثم لاحظتُ أنه كلما تجاهلتُ حدسي، اتخذتُ قرارات سيئة. وظفتُ الأشخاص الخطأ، وبدأتُ مشاريع مع الأشخاص الخطأ، وواعدتُ الأشخاص الخطأ، وتناولتُ طعامًا جعلني أشعر بالسوء، ومارستُ أنواعًا من التمارين الرياضية وجدتها غير ممتعة ومؤذية.
ليس لديّ تفسير مُقنع لهذا، لكنني أعرف ما يحدث:
عندما أنتقل من الحدس العاطفي إلى التفكير المنطقي في قرار ما، يصبح من السهل جدًا أن ينقاد تفكيري لتوجيهات تبدو معقولة لكنها في الواقع بلا معنى.
استغرقني تعلّم هذا وقتًا طويلًا، وقد يكون لذلك علاقة بتدريبي في القانون ولعبة البوكر. إن تفضيل التفكير المنطقي على الحدس أمرٌ منطقي في السياقات التي تُكافئ العقلانية المنهجية، حيث ستخسر أموالك إذا اعتمدت على حدسك. لكن معظم جوانب الحياة ليست نظامًا مغلقًا بقواعد محددة ونتائج واضحة. إذا حاولتَ تحديد جميع العوامل التي تجعل شخصًا ما صديقًا جيدًا أو شريكًا مؤسسًا جيدًا، فقد تتوصل إلى بعض المؤشرات الجيدة، لكن خريطتك الأولية ستُضللك أيضًا بشأن طبيعة الأمور.
ولهذا السبب فإن “الحكمة هي المعرفة التي لا يمكن نقلها”. فالحكماء يمتلكون مهارة التوجيه، لا قائمة طويلة من القواعد.