ماذا يقول الطب النفسي عن أقسى صوت في رأسي؟

الناقد الداخلي مقابل الثرثرة

مع حلول الغسق، كنتُ ما أزال “أُنطط juggling” كرة القدم، وأعدّ: 40، 41، 42. ثمّ اصطدمت الكرة بحذائي إلى الشُجيرات؛ حان وقت البدء من جديد.
كان بإمكاني الدخول إلى المنزل وإنهاء هذه “اللعبة”. لكنني لم أفعل؛ قرّر صوتٌ في رأسي أنّ 42 ليس رقمًا يتوقف عنده اللاعب الحقيقي، وحذّرني من كون التوقف الآن أول علائم الفشل.

ربما كنت في الرابع عشرة من عمري.

طيلة سنوات دراستي الثانوية والجامعية، دار هذا الحوار الداخلي في حلقة مفرغة: أصعب، أسرع، أفضل، أكثر. سواءً تعلّق الأمر بكرة القدم، أو الدراسة، أو التمارين الرياضية، لم يكن هناك حدٌّ أقصى يُمكنني الالتزام به. “الوقت في صالة الرياضة غير كافٍ. الدرجات الممتازة غير كافية”، كنتُ أُصيب الهدف. فإذ به يتغير!

بدا الأمر ناجحًا. لقد فتح الصوت الأبواب، لذا لم أشكك فيه أبدًا. أنت لا تراجع ما ينجح. ولأنني نسبتُ كل نتيجة جيدة إلى ذلك الصوت المثالي، فقد كان يستحق الإشادة في كل مرة، سواءً أدى عملًا فعليًا أم لا.

وهذا سؤال لم أستطع الإجابة عليه لفترة طويلة: هل تحقق الإنجاز بفضل الناقد الداخلي، أو رغم وجوده؟

النسخة المفيدة اسم الصوت الداخلي

الصوت الداخلي 🆚 الصوت الثرثار

يدير إيثان كروس “Ethan Kross” مختبر العاطفة والتحكم الذاتي في جامعة ميشيغان، وقد أمضى جزءًا كبيرًا من حياته المهنية في دراسة “الشيء الذي يتحدث في رأسك”. ويطلق كروس، بصفته عالم نفس وأعصاب، على النسخة المفيدة منه اسم الصوت الداخلي، والذي يهمس بالأفكار:

  • يُمكّنك صوتك الداخلي من التدرب على محادثة صعبة قبل خوضها.
  • يُبقي رقم هاتف حاضرًا في ذهنك بينما تبحث عن قلم.
  • ونعم.. هو ذاك الصوت الذي يحذّرك من إرسال رسالة “كارثية” قبل نصف ثانية من ضغط إبهامك الزرّ!

ولدينا، في المقابل، النسخة الأقل فائدة وصحة. ويدعوها كروس الصوت الثرثار: الأفكار والمشاعر السلبية المتكررة التي يقلب قدرتنا الفريدة على التأمل الذاتي من نعمة إلى نقمة قد يخلق هذا النوع من الحديث السلبي مع الذات توترًا في علاقاتك لأنه يدفعك لاجترار مشاكلك عوض الاستماع للآخرين، ما قد يؤدي إلى زيادة عصبيتك أو توجيه عدوانيتك نحوهم.

وربما انعكس التوتر الناتج عن الثرثرة -أيضاً- سلبًا على صحتك الجسمانية. يقول كروس:

“ما يجعل التوتر سامًا هو بقائه مرتفعًا مع مرور الوقت. وهذا تحديدًا ما يفعله الصوت الثرثار. إذ نمرّ بموقف مُجهد في حياتنا، ثم ينتهي، لكن يُبقيه الصوت الثرثار في أذهاننا حيًا، فنستمر في التفكير في ذلك الحدث مرارًا. وهكذا تظلّ استجابة التوتر نشطة بطرق قد تؤدي لأمراض القلب والأوعية الدموية، والالتهابات المزمنة، وحتى السرطان”

الصوت الثرثار، كما تلاحظ، أقرب مما تتخيل! تعمل وظائفك العقلية الأكثر حدة (التركيز، والتخطيط، وتنظيم مشاعرك) على قدر محدود من الانتباه. عندما يتسلل الصوت الثرثار، ينتهي بك المطاف إلى أداء أمرين في وقت واحد: المهمة التي أمامك والتعامل مع التعليق المستمر للصوت المتألم الذي يرويها. يصف كروس ذلك بأنه إثقال وظائفك التنفيذية بـ”مهمة مزدوجة”. إنها ذات الآلية التي…تُسبب للرياضيين حالة الوخز العصبي “The yips”

يحلّ الصوت الداخلي الفعال مشكلتك ثم يتركك تُغلق الحلقة. أما الثرثار، من ناحية أخرى، فلا يدع الحلقة تُغلق أبدًا. لذا، فالصوت الذي يُكثر الهمس واللوم، لكنه لا يكتفي أبدًا، هو دافعٌ أفلت من عقاله.

خلال المرحلة الثانوية، ولاحقًا في الجامعة، ظننتُ -خطأً- أن التكرار المستمر لعبارة “قدّم أفضل وأكثر، وافعل ذلك الآن” هو مصدر أخلاقياتي في العمل. لكن إنجازاتي جاءت من العمل، لا من التوبيخ. كانت حيلة الصوت الثرثار كامنة في دمج الاثنين بإحكام شديد لدرجة أنني لم أستطع التمييز بينهما، حتى أن فكرة التخلي عن التوبيخ بدت وكأنها التخلي عن الإنجاز. تخلّص من القسوة = تتخلص من النتائج. كان هذا التهديد الضمني. وكان أيضًا أكذوبة!


لا يمكنك دحض الثرثرة من الداخل، فأنت تقف على مقربة شديدة منه. وتتلخص العديد من الأدوات في “مجموعة أدوات كروس للثرثرة” في: التراجع مسافة كافية لرؤية الصوت “مجرد صوت” عوض اعتباره (الصوت الوحيد) الذي ينطق بحقيقة لا مراء فيها.

لقد كتبت قبل أيام عن هذه الأداة: التحدث إلى نفسك باسمك، بصيغة المخاطب، كما لو كنت تحادث صديقًا يُرهق نفسه حتى الموت. وصحيحٌ أنها قد تبدو طريقة ساذجة، لكن لن تصدّق كيف يخفف تغيير المنظور من “أنا أعاني” إلى “شخص آخر يعاني” من حدة الموقف ويخلق قدر موضوعية كافيًا لرؤية الموقف بعين ناقدة.

ما سبق هو مجرد تكتيك، أما الاستراتيجية طويلة المدى فهي تقويض القصة الكامنة وراءه.
“بجهد أكبر، وبسرعة أعلى، وبجودة أفضل” كانت عبارة استوعبتها في مرحلة ما، ولم أشكك قط في صحتها. ربطتُ دون وعي إحساسي بقيمتي الذاتية بإنجازاتي، وتطلب الأمر مني جهدًا كبيرًا لأتعلم وأؤمن أنني لست مضطرًا لإرهاق نفسي بشدة لأداء عمل جيد وجاد ومتقن. ولستُ مضطرًا لإطاعة ذلك الصوت الذي يصوّرني كـسيزيف، ويطالبني بدحرجة الصخرة إلى أعلى التل مرة أخرى لأثبت جدارتي.

ليتني أستطيع إخبارك أن الصوت الثرثار قد اختفى من حياتي. أتمنى ذلك حقًا. لكن الثرثرة لا تزال تظهر في حياتي، عادةً قبل حدث مهم. يأتي الصوت هامسًا بعبارته القديمة عن أنني أعيش اللحظة التي تكشف حقيقتي كمتخاذل! الفرق أنني الآن أستطيع سماعه بوضوح، وأستطيع تسميته. ها هو ذا مرة أخرى. لحظة الإدراك القصيرة تلك جوهر المهارة. فهي تمنح مسافة كافية لملاحظة الصوت الثرثار ورفض الاستماع إلى حديثه المتواصل. وكما قالت إليزابيث جيلبرت في كتابها السحر الكبير:

أيها الصوت الثرثار، يُسمح لك أن تكون راكباً في سفينة حياتي، ولكن “قبل كل شيء، يا صديقي القديم العزيز، يُمنع عليك تماماً القيادة”.

ما زلتُ أقضي بعض الليالي أعدّ مرّات “التنطيط”. الفرق الآن أنني أستطيع سماع العدّ على حقيقته. وفي بعض الليالي -ليس كلها، ولكن بعضها- أسمح لنفسي بالتوقف عند 42.


هذا ما نشره موقع Big Think

ماذا يقول الطب النفسي عن أقسى صوت في رأسي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى