رسالة إلى مدوّن شاب [2]

إلى جانب عملي، أكتب كثيرًا في مواضع أخرى عن مواضيع لا أكتب عنها عادةً.

لم يكن ذاك حالي قبل سنوات؛ انحصر كل ما كتبته -حتى في أكثر المنصات خصوصية!- فيما يخدم أهدافي التسويقية، وكنت أبتكر وأشارك وأعيد النشر مرارًا، ساعيًا دائمًا إلى بناء قاعدة جماهيرية؛ ففي نهاية المطاف كنت أحاول مسيرة مهنية في عالم الكتابة.

يملؤني الامتنان الآن أن لديّ الوقت الكافي للكتابة عن مواضيع أخرى. لستُ مُقيّدًا بساعات عمل محددة، ولا أشعر بأنني مُطالبٌ بتقديم أداءٍ مُتميز طوال الوقت. قد يتفهم بعضكم هذا، لكنه يظلّ صعبًا بالنسبة للمُسوّق بالمحتوى؛ حيث تتحوّل كل فكرة إلى “بذرة مقالة تسويقية”.

وبعد فترة من مشاركة أكبر قدر معلوماتٍ ممكن (وبشتى الطرائق والسُبل)، ينسى المرء هويته وكيفية تواصله مع العالم!

وها أنا ذا أكتب أفكاري، وآرائي، ورغباتي، وشهواتي. ومعظمها بلا غاية. ولا أدري -حتى- إن قرأها أحدهم يومًا.

راسلني أحد الزملاء قبل أيام، يسألني: “ما حال قلمك هذه الأيام؟”

أجبته: “لا زلت أكتب، غالبًا على سبيل التشافي بالكتابة. لكن لا أعلم إن كانت كتاباتي مفيدة”

استوقفني ردّه وأثّر فيّ بشدّة: “كونها مفيدة -بالنسبة لك على الأقل- يجعلها تستحق جهدك”.

قضيت معظم مسيرتي المهنية أفكر في جدوى ما أكتبه؛ ولكنني ركزت على جدواه بالنسبة للآخرين. ولا أظنني فكرت يومًا ما إن كان النصّ ذا قيمة لمجرد أنه يُرضيني أنا.


اكتشفت خلال السنوات الماضية كائنًا ملائكيًا يُدعى ريك روبين Rick Rubin [أعلم أنني أُبالغ في وصفي]. ولاحظت كيف تحدّث في العديد من مقابلاته وفيديوهاته، عن كون الفنان يُبدع لنفسه أولاً. الفكرة أنك عندما تُبدع بُغية الإبداع في ذاته، تتخلص من جميع الضغوطات الخارجية. ماذا سيقول الناس؟ هل تُراه جيد؟ هل سيُعجِب الناس؟ هل سيوصلني إلى عميل محتمل؟ تختفي جميع هذه الاسئلة فجأة.

يرى ريك ضرورة إرضاء أنفسنا أولًا. وحينها، قد نُظهر للجميع أفضل أعمالنا. باختصار، اصنع/اكتب ما تحبه وتجاهَل الباقي.

لذا، ولأول مرة في حياتي، أراني أكتب لنفسي. وفي صنف الكتابة هذا، يحلّ الجمهور في المرتبة الأخيرة.

نعم، أدرك المفارقة في كلامي هذا؛ حيث دوّنت عشرات التدوينات أنصح الناس بالتفكير في جمهورهم، وفهمه، ومعرفة مشاكله، واكتشاف ما يُقلقه، وتقديم محتوى قيّم له. وبالمناسبة، لا أزال أؤمن بكل ذلك.

لكنني بدأت أتساءل عما إذا كنا، كُتّابًا ومُبدعين، نحتاج إلى منفذ لا يُمنح فيه الجمهور أي رأي. ربما يلزمنا خلو جزء من حياتنا الإبداعية من الاستراتيجيات والتحليلات وجداول النشر، حيث لا نتوقع فيه أن ما نصنعه ذو قيمة.

وربما كان الإبداع في الخفاء ما يجعل الإبداع في العلن أفضل بالفعل.

عندما يكون لكل ما تصنعه وظيفة، يحدث شيء غريب: تبدأ في الحكم على الفكرة حتى قبل إنهائها!

هل سينقر الناس على هذا؟ هل يتناسب هذا مع علامتك الشخصية؟ هل يُناسب هذا الموضوع نشرتي البريدية؟ هل يمكنني تحويله إلى منشور على لينكدإن؟ هل سيهتم به أحد؟ هل سيجلب لي منفعة مادية؟

لا أقول أنها أسئلة سيئة. بل إذا كنت تسعى لبناء قاعدة جماهيرية أو مسيرة مهنية، فتلك الأسئلة ضرورية. لطالما طرحتها على نفسي وسأستمر أتسائلها.

تكمن المشكلة في بقائها مطروحة باستمرار.

عندما تكتب شيئًا لذاتك، فقد تصل إلى فقرة لا تُناسب السياق. وربما ناقضت نفسك في موضع أو اثنين، وكثيرًا ما تسعى خلف فكرة -لثلاث ساعات- لتكتشف في نهاية المطاف أنك لم تصل إلى خلاصة.

لا مشكلة عزيزي.. لستَ مضطرًا للدفاع عن الفكرة، ولا لتبرير ضرورة الاهتمام بها. يحقّ لكَ تُكوّين رأيك الخاص.

بدأتُ أؤمن باحتمالية كون الإبداع الفردي مختبرًا للإبداع الجماعي؛ يمنحك مساحةً للتجربة دون عواقب. يمكنك أن تفشل في الخفاء، بل وتُغيّر رأيك إن تطلّب الأمر. بمقدورك اكتشاف شيء عن نفسك قبل الإقرار ما إذا كان الاكتشاف يستحق أن يُصبح محتوىً.

وكما اتفقنا: أحيانًا، قد يصبح ما لم تنتوي نشره أفضل شيء كتبته على الإطلاق.


لا يقتصر الأمر على الكتابة فقط

كلما تعمّقت في ردّ صديقي، أدركتُ أن فكرته متجذّرة في شتى نواحي الحياة.

نعيش في عالمٍ يُمكن فيه تحويل كل شيء تقريبًا إلى (أداء). نركض ونسجّل المسافات المقطوعة. نسافر وننشر الصور السعيدة. نقرأ كتابًا ونضيفه إلى قائمة قراءاتنا الغزيرة. نذهب لتناول العشاء خارجًا ونلتقط صورةً للأطباق العامرة. نُسدي معروفًا لشخص ونخبر الناس عنه. نخوض تجربةً -وقبل نهايتها- يبدأ عقلنا في تخيّل كيفية مشاركتها.

مجددًا، لا أقصد الانتقاد. فقد توثّق مشاركة بعض جوانب حياتنا علاقتنا بالآخرين. وكثيرًا ما يؤدي “البناء علنًا” إلى شقّ مسارات مهنية، وتأسيس أعمالٍ تجارية، وتشبيك للعلاقات.

لكن ماذا يحدث عندما يتطلب كل نصّ “جمهورًا”؟ وماذا لو، بعد فترة، لم نعد نعرف ما إن كنّا نستمتع بالكتابة لأن رد فعل الآخرين وتعليقاتهم أصبحا جزءًا من التجربة؟

ربما يبرر ذلك سبب تأثري الشديد بمقولة صديقي “كونها مفيدة -بالنسبة لك على الأقل- يجعلها تستحق جهدك”

ربما نحتاج إلى المزيد مما لا يستفيد منه غيرنا.


تجربة بلا جمهور

إليكم شيئًا سأجربه، وربما عليك تجربته أيضًا.

اختر هذا الأسبوع شيئًا اعتدتَ إظهاره، واحرص على إبقائه سرًا: اكتب شيئًا ولا تنشره. تمشَّ ولا توثّق على انستغرام. تناول عشاءً شهيًا ولا تُصوِّره (حتى من باب الذكرى). ساعد شخصًا ولا تُخبر أحدًا. اصنع شيئًا لا تنوي بيعه إطلاقًا.

ثم ركّز فيما حدث.

  • هل غيّر غياب الجمهور التجربة؟
  • هل شعرت بحريّة أكبر؟
  • هل استمتعتَ أكثر؟
  • أتتخذ خيارات مختلفة لأن لا أحد غيرك يُدلي بصوته؟

والأهم من ذلك كله، اسأل نفسك: هل سأكرر التجربة وإن لم يعلم عنها أحد؟

أجزم بكشف الإجابات الكثير عما نُقدّره حقًا. وقد تساعدنا على التمييز بين ما نحبّه وما “تعلّمنا تمثيله” أمام الآخرين.

سعيتُ طوال حياتي إلى تقديم أشياء مفيدة للآخرين. وكُلّي فخر بذلك، وآمل أن يستمر شغفي للأبد.

لكنني بدأت أعتقد بعدم حتمية تحويّل كل ما نصنعه إلى “منتج”. لا ضرورة لنشر كل شيء، أو قياسه، أو مشاركته، أو تحويله إلى فرصة. بعض الأشياء يمكن أن توجد ببساطة لأن صنعها قد أثّر فينا.

كان صديقي محقًا. إذا كان ينفعني شيء ما، فهذا أكثر من كافٍ.

Donate Crypto on Plisio
رسالة إلى مدوّن شاب [2]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى