عليّ الاعتراف: أحب (جو بوليتزي Joe Pulizzi) وجميع ما يكتبه في نشرته البريدية، وأتمنى لو بمقدوري ترجمة نتاجه كله (لكنني أحتاج إلى 20$ ثمن شاحن جديد لحاسوبي!).

ذهبت مع زوجتي ووالدي لمشاهدة فلِم “أسياد الكون Masters of the Universe” هذا الأسبوع. ووجدته ممتعًا للغاية. وبالحديث عن والدي، فهو شخصٌ ودودٌ ولطيف، ويطرح عليّ نفس الأسئلة مرارًا وتكرارًا. ولطالما بدأ بسؤالي: “ماذا تفعل طوال اليوم يا جو؟”
لسنوات، أخبرته عن عملي ببساطة:
“أدوّن عن التسويق. وأُدير نشرة بريدية أسبوعية، علاوة على بودكاست، وما زلتُ أُلقي محاضرات حول العالم، كما نشرتُ كتابًا مؤخرًا”
وكان يردّ “أحسنتَ صنعًا!”
أما الآن، فأبذل جهدي لأُجيب إجابات مختلفة كل مرة. لأُخفف جديّة الموقف من جهة. ولأُسلّي نفسي من جهة أخرى. ولأن ذلك -من جهة ثالثة- يُحررني ببساطة.
ومن بين إجاباتي هذا الأسبوع:
- “حسنًا، أستيقظ، وأُحضّر قهوتي، وأتأمل في الحياة لمدة ساعة. ثم أتريّض، وأتأمل في الحياة أثناء الركض. ثم أؤدي بعض التمارين السريعة، وأتأمل في الحياة أكثر”
- أستيقظ وأبحث عما تحتاجه زوجتي، ثم أبدأ بخدمتها. وذاك مُرهِق.
- “سأشتري بعض الأغنام وأعتني بها. ” تحية لفيلم “غود ويل هانتينغ Good Will Hunting“.
يُعجبني في والدي إدراكه متى أمزح، لذلك نضحك كثيرًا. وبعض إجاباتي أضحكته من أعماق قلبه؛ ما يُسعدني دائمًا.
لكن لأكون صادقًا. ظلّ سؤال عمّا أفعله طوال اليوم يُلازمني.

بعد حديثي مع أشخاص من مختلف المجالات، اكتشفت افتقاد معظمهم “إجابة شافية” لهذا السؤال. عادةً ما يُجيب الشخص: بمشروعه الحالي. أو بشيء عن عائلته. أو بمشكلة يُواجهها حاليًا.
وقد تظهر الحيرة على وجوه بعضهم الآخر؛ كما لو كان يسأل نفسه: “ماذا أفعل حقًا طوال اليوم؟”
وقطعًا، لا تعكس إجابات الناس عن وظائفهم وصحتهم ومعتقداتهم وعلاقاتهم وما إلى ذلك -بالضرورة- ما يفعلونه طوال اليوم.
لماذا لا يمكنك تسلّق الجبل بسرعة؟
في اليوم التالي، التقيتُ بصديقي “ستيف” لتناول القهوة والدردشة. أخبرني عن تسلقه الأخير لجبل كليمنجارو.
لفت انتباهي أثناء استماعي للقصة -التي كانت مذهلة حقًا- أمرٌ محدد: لا يمكنك الصعود بسرعة إلى الجبل. فبسبب تغير الارتفاع Altitude Change، يحتاج جسمك إلى وقت للتكيف معه. وقد ينهار جسدك إن صعدتَ بسرعة كبيرة.
لذا، ظلّ مرشدو ستيف يرددون: “Pole, pole“، وهي كلمة سواحيلية تعني “ببطء، ببطء”.
في البداية، رأيتها مجرد قصة رائعة عن تسلق الجبال: بالطبع لا يمكنك اعتلاء كليمنجارو بسرعة. وبلا شكّ يحتاج جسمك إلى وقت للتكيف، وقطعًا هناك أماكن لا تُعد فيها السرعة استراتيجية بل خطرًا.
ثم تفكّرت في سؤال والدي مجددًا.
ماذا تفعل طوال اليوم؟
قد لا تكون “الوظيفة” الإجابة. ولا البودكاست أو النشرة البريدية، أو الاجتماعات، أو التمارين الرياضية، أو رسائل البريد الإلكتروني، أو الالتزامات. ربما تكمن الإجابة الحقيقية في “الوتيرة” التي نختارها بوعيّ. ربما ما نفعله طوال اليوم هو تدريب أنفسنا إما على عيش اللحظة أو العيش “في مكان آخر”.
ألحظ ذلك باستمرار، ولا استثني نفسي للأسف. أتوجّه مع زوجتي لحضور مسرحية موسيقية، وقبل بدء العرض، يكون الجميع -تقريبًا- منشغلين بهواتفهم. وخلال الاستراحة، تظهر الهواتف فجأة. وكذلك مع انتهاء النوتة الأخيرة وإضاءة الأنوار!
ظاهريًا، لا شيء يدعو لإخفاء ما نفعله. الجميع يتفقد الرسائل النصية، أو نتائج المباريات، أو رسائل البريد الإلكتروني، أو العناوين الرئيسية على شبكات التواصل الاجتماعي.. إلخ. يبدو الأمر برمته غير مؤذٍ. لكنني أتساءل دائمًا عمّا نعودّ أنفسنا عليه.
لاحظ أننا دفعنا ثمن هذه التجربة، وقُدنا السيارة إلى هناك.. ثم ركنّاها في مكانٍ ما (بعد عناء). وبعدها، نجلس في هذا المسرح العريق الجميل، بأضوائه وسقفه وصوته، ويعتليه أشخاصٍ تدربوا لسنواتٍ ليقفوا على خشبته. ومع ذلك، ما إن تسنح فرصة حتى نهرب منه!

تلك ليست مشكلة هاتف، ربما مشكلة “وتيرة”.
نتنّقل بين مستويات مختلفة طوال اليوم. من البريد الإلكتروني إلى الرسائل النصية إلى الأخبار إلى العمل إلى التواصل الاجتماعي إلى العائلة إلى أي شيءٍ عابرٍ قاله أحدهم في دردشة جماعية. صعودًا وهبوطًا.. وباستمرار. لا عجب من نسيان ما نفعله في أغلب الأحيان. ولا غرابة في إحساسنا ببذل جهد عظيم دون أن نعيش حقًا.
ببطء ورويّة رجاءً
يسألني والدي عما أفعله طوال اليوم، وربما أجيبه إجابة طريفة. يمكنني قول أنني أتأمل في الحياة، أو أرعى الأغنام.
لكن السؤال الأهم: ماذا يفعل يومي بيّ؟
هل يجعلني أكثر صبرًا؟ أكثر سخاءً؟ أكثر فائدة؟ أكثر إبداعًا؟ أكثر حضورًا؟ أم يجعلني أسرع في مغادرة اللحظة؟
لا أدعّي أن الغاية إبطاء كل شيء؛ يستحيل ذلك في الحياة الواقعية. لدينا مسؤوليات، وأشخاص يحتاجون إلينا، ومشاريع نبنيها، وفواتير ندفعها.
لكن ثمّة جوانب في الحياة تستلزم التمهّل حقًا، ومحادثات لا يمكنك التعجل فيها، وأشخاصًا لا يمكنك “عَصر الفائدة المثلى” منهم! تحتاج بعض الأفكار إلى وقت لتنضج، ونهايات يتوجّب المثول أمامها بخشوع. والأهم: تحديات ستعاقبك على التظاهر بأنك أقوى مما أنت عليه.
تحدثتُ إلى صديقٍ قبل أسابيع قليلة، يعيش ويتنفس تطورات الذكاء الصُنعي كل دقيقة من يومه. سألته: ما الذي يحتاجه حقًا؟ فأجاب:
“أحتاج أسبوعًا أختلي فيه بنفسي لاستيعاب الأمور”
لذا، ربما يتوجب علينا في المرة القادمة التي يسألنا فيها أحدهم: “ماذا تفعل طوال اليوم؟” أن نقاوم رغبتنا في الإجابة بسيرتنا الذاتية؛ قد يكون الجواب أبسط 👇
أحاول السير بوتيرة تتيح التأمل في حياتي.