توثيق لحظات الجلوس على الحافة

أودّ الاقتناع أنني أسعى للفت الأنظار إليّ. لكنني أعلم عدم جدوى ذلك. كتبت المقدمة السابقة بعد يوم من الجزء الأول، وكنت ثملًا بتعليقات الأصدقاء والصديقات (ندى أنيسبحر وآخرون راسلوني على واتسآب). وحين “استفقت” أدركت أنني أسعى -حقًا- للفت الأنظار؛ فما زالت فقرة القفز تراودني!

[استمع لهذه الأغنية]

لم أتقبل يومًا تسليم نفسي مُسكر، رغم ما تبدو عليه الفكرة من جاذبية؛ ربما أرفض مفهوم الهرب جملةً وتفصيلًا. وربما لهذا السبب تحديدًا أفضّل الإقدام على الموت عوض الهرب منه!

أثناء الكتابة، خطر والدي في بالي. بالأحرى، يستحوذ هذا الرجل على تفكيري بالكامل!
لاحظت تقاطعاتٍ بين تصرفاتي وتصرفاته، ومنها ربما “الهروب”؛ اعتاد والدي الجلوس في (الصالون المنعزل) الذي جهّزه بشاشة عرضٍ كبيرة، متصلة مع جهاز “فكّ تشفير القنوات الرياضية”. ولسنوات، فسّرت جلوسه وحده، وتجنّبه التحدث معنا: تهربًا من مسؤوليته كأبّ. لكنني أشكّ اليوم أنه عانى -وربما لا زال- من الاكتئاب!

ربما يكمن الفرق الجوهري بيننا أنه أتقَن هذا الهرب، وخلق لنفسه مجتمعاتٍ تقدّر ما يفعله؛ فبرز فيها. ينتمي كلينا إلى برج الأسد، وتعلمون قطعًا عشق أصحاب هذا البرج للأضواء. لكنني -على عكسه- شخص انطوائي؛ لذا أرتاح أكثر في البقاء بعيدًا عنها.

أكاد أجزم أن فكرة الانتحار لم تخطر في ذهنه يومًا. في حين لم تفارقني أصلًا.
في السابق، فكرت في الانتحار بصفته مهرَبًا من تحديات الحياة؛ حتى أن والدتي -حين تعلم بأن مشاعري مُضطربة- تطالبني بالبحث عن عمل إضافي (لا زالت غير مقتنع بجدوى العمل الحرّ).

وضعي مختلف اليوم، فأنا أبحث عن مهرَب من نفسي التي بين جنبي. بتّ أشعر أنني (ثقيل) على كل المحيطين بيّ، وذاك رغم كل التوكيدات على مجانبة إحساسي للصواب .. من المقرّبين أنفسهم. نعم، أنا أقدّر اليوم على الكتابة، بدليل نشري [أنا لم أنساكم: إحياء جائزة المحبوب (42)] و [كيف تميّز بين المُشتتات والفرص؟] و [نعم! يمكنك الوصول إلى الرضا التام عن نفسك]. منذ المرة السابقة، لكنني -في الوقت نفسه- أكتب “دون رغبة”.

أليس كتابتي -في حالتي هذه- عن كيف يصل المرء للرضا التام عن نفسه مثيرًا للسخرية؟

  • باءت محاولاتي بإقناع نفسي أن (الأمل بالغد) بفشلٍ ذريع؛ مشكلتي أصلًا ليست مع الظروف الحياتية، بحيث آمل أن يؤدي تحسّنها إلى تحسّن صحتي النفسية. مشكلتي -مجددًا- مع ذاتي التي افتقدت شعور المتعة بالكامل.
  • لا تحرّك “المقارنات مع الأسوأ حالًا” فيني ساكنًا؛ أعيش انفصالًا وجدانيًا عن الآخرين.
  • عجزت عن وصل علاقتي المقطوعة مع الإله (كما فعلت دانية تحديدًا)؛ لا أؤمن بوجود صِلة أصلًا.
  • تعجز المُلهيات والمُشتتات -كالأفلام والمسلسلات- عن إخراجي من مزاجي السيء؛ بسبب انفصالي عن الواقع الخارجي، فكلما شغّلت فِلمًا.. سرحت في أفكاري.
  • فشل الطب النفسي تمامًا؛ هل أخبرتك أنني تعاطيت كبسولات مضاد اكتئاب لبضعة أيام، فقرّبتني من الحافة أكثر؟

كما أخبرتك في البداية: أحاول لفت الأنظار إليّ. أحاول الوصول إلى شخص يفهم ما أمرّ به، وما أريده، دون مطالبتي بالتحدث أكثر.

هل أُطلعك على سرّ؟ كذبت حين قلت بأنني لست ثقيلًا على المقربين!

وأنا أعذر هذا الشخص تمامًا. إذ كيف تتعامل مع “مجنون” لا يتوقف عن التهديد بإنهاء حياته؟ وأتفهّم نفاد صبره مني. إنما وددت إخباره أنني معه في ذات القارب الغارق!

أنا يا عزيزي -وكلامي موجّه إليك أيها القارئ- في حالٍ مزرية، ولست أدرِ سبيًلا للخروج منها. إذًا، ربما لا أكتب التدوينة كـ”نداء استغاثة” بل -كما في العنوان- كـتوثيق.
فأنا كما قال محمود درويش:

لا شيءَ يُعْجبُني” يقول مسافرٌ في الباصِ – لا الراديو ولا صُحُفُ الصباح, ولا القلاعُ على التلال. أُريد أن أبكي

توثيق لحظات الجلوس على الحافة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى