بسم الأب والابن

باستلهام من حديث علياء سامي عن والدها.

ربما ما يفرّقني عنها هو وجود والدي على قيد الحياة، لكنه فقط بعيد. ماديًا ومعنويًا.
أنا أيضًا أحتاج إلى أبّ .. شخص لا يلومني إن أخطأت؛ لا زلت أذكر كيف كنّا نتوقع -عقب كل فعلٍ حرفيًا- لوم والدي. نادرًا ما نجونا من هذه المصيدة!

لم أستطع يومًا إرضاءه. لم أتمكن يومًا من نقاشه؛ اعتاد استغلال صورة الابن البارّ ضدي، واستغل خوفي منه -لا احترامي له- ليفرض آرائه عليّ.
أما أنا، فلم أكن ذاك الابن البِكر (بمعنييها)، فبحثت عن بديلٍ له بين الناس، وتحررت من السلطة الإلهية في طريقي نحو إثبات وجودي [مات الإله، ونحن من قتلناه!].

وكلما تفكّرت في صورة البطل التي رسمها في ناظري، اكتشفت مدى زيفها! لم أكن أريد بطلًا، كنت أريد أبًا. ولم أكن أريد حاكمًا بأمر الله، بل كنت أريد القرب من الله نفسه.

كثيرًا ما تمنيته ميّتًا، عليّ أُبرر عجزي عن الوصول إليه!


لو كان أبي موجودًا

لأخبرته أنني أحتاجه، وسأظلّ أحتاجه.

لشاركت معه تفاصيل أيامي، وسألته عن أخطاء حياته وإنجازاته أيضًا. لاتخذته خلًّا ورفيقًا، لكن الصديق لا “يخشى” صديقه.

أتفهّم أنه “بشر” .. تائهٌ مثلي .. وفقدَ كل شيء تقريبًا، لكن هذا لا يعني حتميّة فقدِنا نحن أبنائه. وإن بدت حياتي “بلا طعم”؛ فلأنك غائبٌ عنها. يحسدني الناس عليك، فيوغل إحساسي بالنقص.

أرأيتَ مَن يُصفّر (أو يُغنيّ!) عند دخوله غرفة مُظلمة أو منزلٍ مهجور؛ كنوعٍ من التجلّد وإقناع الذات أنّ كل شيء على ما يُرام؟ هذا ما أودّ فعله يا والدي: أن أتجلّد بوجودك حينما يغمرني اليأس.

لا أعلم إن غفرتُ لك. لكنني تقبّلت بشريّتك. ودعني هنا أُخبرك بما لن تتمكن من الردّ عليه؛ لأنك فضّلت دائمًا الصمت وسط فيضان المشاعر:

  • لم أُرِد أن أكون خيبة أملك. كنت أعيش حياتي فحسب.
  • تدور معظم أحاديثي مع كاترينا حولك، وتُخبرني أنك “الشرير في رواية أحدهم”، لكنني لا أصدّقها! صحيحٌ أنك تركتني أواجه مرضي دون دعم نفسي منك، لكنني ألتمس لك عذرًا بأنك أُصبت بالجمود؛ ربما لم تصدّق أنك قد تفقدني، فآثرتَ ترك مسافة بيننا.
  • أعلم أنك نشأتَ في بيئة قاسية، وصنعتَ مجدك بنفسك، وعِشت في “فقاعتك الهشّة” لأنك فقدت الثقة بالجميع. لكنني ابنك يا أبي. جزء منك ستعجز عن إنكاره ما حييَّنا.
  • احرصُ على كوني أبّ حقيقي، أفضل منك، وذاك يكلفني الكثير. ربما كنّا أسديّن. لكنني أعلم أن ابني لن يُزاحمني في مساحتي؛ على عكسك حيث ظننتني سأحاول إزاحتك.
  • حسنًا، أزحتك حقًا.. إنما في قلبي! أتذكر حين أصررت على وضع اسمك بعد اسمي على غلاف الرواية؟ شعرت أنك تحاول سرقة إنجازي، ثم تذكرت أنك لم تعترف به يومًا، ولم تقرأ الرواية حتى. ولو قرأتَ ما بين سطورها لعلمت بأنك كنتَ “الشرير في رواية ابنك”.
  • يملؤني هذا العالم رُعبًا. حتى أنني أضع هاتفي أسفل رأسي كل ليلة، خشية وصول خبر سيئ عنك. وتملؤني الوحدة -دونك- حتى أنني أفكر –فيما تخشاه عليّ– كل صباح.

دائمًا ما فكرت في كتاباتي باستخفاف، على عكس كتابات الآخرين؛ حيث التعظيم.
علمًا أنني كثيرًا ما تلقيت رسائل تأييد، أو مدح وثناء. لم أُصدّقها؛ إذ نشأت ضمن عائلة يستشري فيها الكذب، فأسقطّت هذه الخصلة البغيضة على جميع البشر!

بسم الأب والابن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى