على مدى عقدين تقريبًا، بنى المسوقون وصنّاع المحتوى الثقة بذات الطريقة:
- إيجاد نقطة تمايز Point of differentiation.
- اختيار منصة.
- المواظبة على النشر.
- في النهاية، يبدأ الجمهور في التعرف عليك، والإعجاب بمجهودك، وبالمحصلة تعزّز ثقته بك.
أتحدث عن هذا النموذج منذ عام 2007. وقد ساهم في بناء علامات شخصية وأخرى تجارية بأكملها. وهنا مربط الفرس: لا يزال النموذج مُجديًا. لكن -في المقابل- بدأت فرصة إنجاحه تقلّ.

كيف بُنيت الثقة عبر التاريخ
سواء كنت صانع محتوى أو منظمة عالمية، ستلاحظ اتخاذ بناء الثقة نمطًا مألوفًا:
- التركيز على جمهور محدد، ومشكلة دقيقة، ووجهة نظر واضحة.
- بعد ذلك، الالتزام بـالمنصة: مدونة، أو بودكاست، أو نشرة بريدية، أو سلسلة فيديوهات أو سلسلة كتب أو مجتمع رقمي.
- ثم يأتي الجزء الأصعب: الاستمرارية. لتتوطد الثقة ببطء. وفي معظم المجالات، يستغرق ظهور أثر ملموس من 12 إلى 24 شهرًا.
- وأخيراً، بمجرد تكوّن الثقة، تبدأ بتنوّيع جهودك. تبدأ بالتوزيع، وتتعاون مع صنّاع محتوى آخرين، وتتوسع في قنوات جديدة، وتحوّل الانتباه إلى فرصة.
نجح هذا النموذج بشكل استثنائي. ولا زال.. نظريًا على الأقل. وإذا قرأتَ آخر أعداد النشرة المنتشرة🌌، فستعلّم عمّا أتحدث هاهنا.

ليست المشكلة في النموذج، وإنما في ..
عمليًا، لم تتغير كيفية بناء الثقة، وإنما البيئة التي تصنع الثقة:
- لاحظ كيف لم يعد البحث مجرد قائمة روابط! فاليوم، تُلخّص الإجابات، ثم تولّف، ليرشّحها الذكاء الصُنعي في النهاية.
- وفي ذات الوقت، يتزايد المحتوى المعروض بوتيرة أسرع من أي وقت مضى في التاريخ.
منذ ظهور المطبعة، و المحتوى “الزائد” موجود. لكن اليوم، الأمر مختلف نوعًا ما؛ فالزيادة ليست “كميّة”. بل -ولأول مرة- لم يعد إنشاء المحتوى حكرًا على البشر.
“تضخّم” المحتوى الصُنعي
يرى الخبراء والباحثين اليوم أننا نتجّه -بسرعة البرق- نحو عالم ينشئ غالبية المحتوى عبر الإنترنت فيه بواسطة الآلات.
تشير بعض التوقعات إلى وصول 90% من محتوى الإنترنت ليكون “مصطنعًا” خلال بضع سنوات. بينما تذهب توقعات أخرى لأبعد من ذلك، متوقعة تشبعًا تامًا بحلول 2030.
تُظهر تحليلات أحدث أن النصوص وليدة الذكاء الصُنعي تُمثّل بالفعل غالبية محتوى الويب الجديد المنشور باللغة الإنجليزية. وسواءً بلغت النسبة 30% أو 50% أو أكثر من 90%، فذلك لا يُغيّر من حقيقة الأمر شيئًا:
الاتجاه واضح لا لبس فيه. يشكل المحتوى (البشري) نسبة متضائلة من المنظومة المعلوماتية الكليّة.

لماذا يؤدي هذا إلى ضغط زمن الثقة؟
ما يزال بناء الثقة قائمًا على الاستمرارية والتكرار والحميمية (كما ذكرنا ذات مرة)، ذاك ثابت. إنما طال التغيير وتيرةَ كل شيء حولها؛ تتراكم الثقة ببطء، في حين -على الطرف الآخر- تتطور أنظمة الاكتشاف بسرعة، بحيث تلخّص نماذج اللغة الكبيرة “LLM” الأفكار، وتدمج المصادر، وتمنح الموثوقية قبل اطلاع الجمهور على المحتوى الأصلي حتى!
أي أن الوقت -الذي اعتبرناه سابقًا ثمنًا للثقة- يدخل الآن سوق البورصة!
بالنسبة للعديدين، أصبحت محاولة بناء جمهور عبر علامة تجارية من الصفر -خلال السنوات القليلة المقبلة- رهانًا ذا احتمالية فوز منخفضة (أو بالأحرى، مقامرة خطيرة). لا أقول أنه مستحيل، لكنه يزداد صعوبة، مع تكلفة زمنية باهظة ونتائج غير مؤكدة.
المفارقة التي تواجهها فرق التسويق الآن
فرق التسويق والمحتوى عالقة في مأزق؛ فمن جهة أفضل ما يبني الثقة التركيز والاستمرارية، وتنويع المحتوى والمنصات -من جهة ثانية- ضروري للحد من المخاطرة.
لذا يعمد أغلبها إلى تكثيف إنتاج المحتوى عبر قنوات متعددة، لكن تأتي النتيجة على هيئة صوت “ضعيف” للعلامة التجارية، وجودة متباينة، وثقة حقيقية متواضعة.
يبدو أننا نحتاج إلى نموذج مختلف هذه المرة!

تقديم محفظة الصناديق الاستئمانية
بما أن بناء الثقة يحتاج وقتًا، والوقت محدود أمامك، فليس أمامك سوى: التنويع. لا تنويع قنوات التسويق، بل .. تنويع مصادر الثقة. أو ما أحبّ تسميته: معرض أعمال الثقات The Trust Portfolio
فعوض محاولتك جعل الشركة مصدرَ المحتوى الوحيد، تتحوّل شركتك إلى المنصة التي تُمكّن الأفراد الموثوق بهم. يُمثل كل فرد علامة ثقة مُحددة تتوافق مع هدف تسويقي مُحدد. وبهذا، أنت لا تُراهن برصيدك الكامل من الثقة، بل يمكننا القول أنك تُدير محفظة استثمارية.
هذه النقلة النوعية التي يُفترض بشركتك أن تبني الثقة عبرها: فلا يأتي المحتوى من علامتك التجارية نفسها، بل تدير علامتك التجارية الأفراد الذين يصنعون المحتوى.
ابدأ بتحديد جوانب الثقة
يبدأ كل معرض أعمال للثقات بنفس الأسئلة:
- بماذا نريد أن نُعرَف ونمتلك موثوقية فيه؟
- ما الخبرة التي تهم الشركة حقًا؟
فقط بعد الإجابة على تلك الأسئلة، يمكنك البحث عن الشخص المناسب. انتبه! ليس المسؤول التنفيذي الأعلى منصبًا، ولا المتحدث الرسمي، وإنما الشخص الذي يمتلك خبرة عملية، وفضولًا، واستعدادًا للظهور المستمر.
قد يكون هذا الشخص مهندسًا، أو مساعدًا إداريًا، أو حتى أحد أفراد فريق المحاسبة!
طابق الأشخاص -لا المسميات الوظيفية- مع أهداف بناء الثقة الجديدة
لا علاقة للنموذج الجديد بالتسلسل الهرمي داخل الشركة؛ فالبعض موهوبون في الكتابة بالفطرة. والبعض يسجّل أفكاره صوتيًا، وآخرون يأخذ وجودهم أمام الكاميرا بالألباب.
وهنا، يتحول دور التسويق من [التحكم في الرسالة] إلى [التمكين].
ونعم، قد تفشل بعض الجهود، هذا متوقع. إنما سيبررّ نجاح شخص أو اثنين الاستثمار في معرض أعمال الثقات بأكمله.

إنما ثمّة شرط..
نعم، الضوابط مهمة، الدقة والامتثال والارتباط بالعلامة التجارية أمور لا تقبل المساومة. لكن هناك قاعدة واحدة لا يمكن التنازل عنها: يجب أن تدع الناس يعبّرون عن إنسانيتهم.
وأقصد إظهار شخصياتهم، والتعبير عن فضولهم ووجهات نظرهم. سيفيدك إظهار موظفيك اختلافهم (قليلًا)؛ وإلا كان مصير شركتك الاختفاء.
في عالمٍ تُقرر فيه الآلات ما يظهر، يغدو النسيان قاتلًا!
لماذا تنجح محفظة الثقة عندما يكون المحتوى مصطنعًا
لا تثق أنظمة الذكاء الاصطناعي بالشعارات، بل تكتشف الأنماط:
- خبرة متكررة.
- أفكار متسقة.
- هوية واضحة.
لذا الأرجح أن تتفوق الشركة التي تضمّ عدة أشخاص ذوي مصداقية يتحدثون بوضوح واتساق على أخرى تعتمد قناة تسويقية “برّاقة”. لم يعد نشر محتوى أكثر مهمًا، بل خلق مؤشرات ثقة من عدة أشخاص في شركتك.
الخلاصة
لا يزال نموذج بناء الثقة الكلاسيكي فعالًا. لكن الوقت اللازم لبناء جمهور يعرفك ويحبك ويثق بك لم يعد يتناسب مع وتيرة التغيير. وعندما يصبح المحتوى لا نهائيًا -كحاله اليوم- تصبح الثقة نادرة.