ما المانع من تسويف بعض الأمور؟

كثيرًا ما نخدع أنفسنا برؤية التسويف بصفته أمرًا اعتياديًا، في حين أنه ليس كذلك؛ فإذا ماطلت اليوم، ستستيقظ غدًا وأنت ذات الشخص طبعًا، ولكن بوقت أقل، وضغط أكبر، وخيارات أقل. هذا ما أسميّه “ضريبة التسويف”.

لهذا، لنتحدث عمّا يلي:

  • لماذا يؤدي تأجيل مهام اليوم إلى الضغط النفسي غدًا.
  • الأسباب الخفية والمفاجئة التي تدفعك إلى التسويف وكيف تحاصرك.
  • الأكاذيب التي تبرر بها لنفسك، ولماذا هي خطيرة.
  • كيف يُلحق التسويف الضرر بسمعتك ونجاحك سرًا.
  • استراتيجيات بسيطة لكسر حلقة التسويف واستعادة مستقبلك.

ولنبدأ بالسؤال الأهم: ماذا يحدث عندما تقول “غدًا سأفعل كذا”؟

ما المانع من تسويف بعض الأمور؟

لكل قرار يتعلق بكيفية قضاء وقتك ثمن: فعندما تتصفح وسائل التواصل الاجتماعي “لبضع دقائق فقط”، لا تضيع وقتك فحسب، وإنما تضحي بالأكثر أهمية (قد يكون -ذاك الأخير- العرض التقديمي للعميل الذي كنت تنوي العمل عليه، أو تلك الاستراتيجية التسويقية التي يمكنها الارتقاء بشركتك).

فكر في الأمر: كل ساعة تقضيها في المشتتات = ساعة لا تقضيها في عملك.

هذه التكلفة الحقيقية، إذ لا يمكنك فعل الأمرين معاً. فإذا قررت التركيز على وسائل التواصل الاجتماعي، فستنتظر مهام عملك، تنتظر لكنها لن تختفي، بل ستتراكم، وقبل أن تدرك حتى، ستكون مدفوناً تحت الأنقاض!

ألم ترد على رسائلك الإلكترونية اليوم؟ حسنًا، ستبقى في الغد .. علاوة على جميع الرسائل الجديدة. باختصار، لقد زدتَ عبء العمل غدًا فحسب.

وما يزيد الأمر سوءًا، أن تأخير المهام ليس مجرد مشكلة عابرة، بل يخلق حلقة مفرغة؛ يؤدي التأخير اليوم إلى ضغوطات الغد، والتي بدورها تؤدي إلى ضياع المواعيد النهائية، مما يزيد الضغط. إنه تأثير تراكمي يحوّل عبء العمل المعقول إلى كابوس!

مثال آخر:

تستمر في تأجيل كتابة تدوينة. أدرجتها في قائمة مهامك، لكن مهامًا أخرى “تظهر” باستمرار. وإذ تجد نفسك أمام الموعد النهائي؛ بدلًا من الكتابة بتأنٍ، تتسرّع الآن للخروج بأي فكرة.. “أي محتوى” معناه تدوينة رديئة لا تُنصف خبرتك.

أترى؟ لا يكلفك التسويف الوقت فقط، بل تدفع ضريبته من جودة عملك وسمعتك وراحة بالك. باختصار، في كل مرة تُماطل، تُخيّر بين السهل الآن والمهم لاحقًا. لكن المهم لا يختفي ببساطة، بل يبقى معلقًا، ويزداد إلحاحًا وإرهاقًا لك.


لا يسوّف المرء بسبب “كسله” أو “عجزه عن تنظيم مهامه” فحسب، المسألة أعمق و”أخبث” من ذلك. ما رأيك في رحلة داخل عقولنا لنفهم سبب تسويفنا الأمور في المقام الأول؟

لنفترض أنك أُلهمت فكرة رائعة لمنتج أو خدمة جديدة، ثم منعتك احتمالية فشلها من المضي قدمًا. لذا عوض إطلاقها واختبارها، ستبدأ بالتعديل والمراجعة والتأجيل. لا يمكننا وصف حالتك بالتردد؛ ذاك تسويف متجذر في الخوف.

والخوف من الفشل مدمر. ففي ظنّك أن عدم فعل أي شيء أسلّم من المخاطرة بفشله، لكنه مجرد شعور زائف بالأمان. إذ بينما قد تتجنب الفشل، تتجنب النجاح أيضًا؛ إذًا، بعدم المحاولة، تفشل تلقائيًا.

وجد عالم النفس بيرس ستيل “Piers Steel” في جامعة كالجاري أن انخفاض الكفاءة الذاتية، أو انعدام الثقة في قدراتك، يؤدي إلى التسويف.

عندما تبدو المهمة مملة أو عديمة الجدوى، يسهل تأجيلها إلى أسفل قائمة مهامك. قد تقنع نفسك بأنها ليست عاجلة، أو بإنجازك لها لاحقًا.

لكن لنكن صريحين: هذا مجرد عذر. فإذا بدت مملة، فربما لأنها غير مرتبطة بأهدافك أو قيمك الجوهرية. وعندما تفتقد الشغف بأمر، يصعب إيجاد الدافع لإنجازه. صحيح؟ يرتبط هذا بمفهوم يسمى تدنّي قيمة المهمة “Low task value”.

هل شعرت يومًا بشللٍ تام عند مواجهة مشروع ضخم؟ ربما نتحدث هنا عن إطلاق موقع ويب جديد، أو إنشاء خطة عمل، أو كتابة الكتاب الذي تُخبر الجميع عنه منذ شهور.

قد تجعلك ضخامة المهمة تتجمد في مكانك. كما لو وقفت عند سفح جبل، ونظرت إلى قمته وأنت تفكّر:

“لا يمكنني -بأي حال من الأحوال- تسلق ذلك!”

لكنك لن “تطير” نحو القمة. وكلما طالت مدة وقوفك في السفح، ازداد احتمال تسلقه صعوبةً ورعبًا.

وعندها يبدأ المرء بالانخراط في…

تقنع نفسك بأن الغد “مختلف”، حيث ستكون أكثر تحفيزًا، أو تتخيل الانتظار يسهّل المهمة بطريقة ما. لكنها مجرد “افتراضات” تضعها لتُحسّن حالتك النفسية آنذاك.

لذا، إليك بعض الأعذار الشائعة التي يتمسك بها الناس (وربما استخدمتَها سابقًا):

الحافز متقلب، وانتظاره فخ نسقط به جميعًا. بل نادرًا ما يظهر عندما نكون في أمس الحاجة إليه.

يشرح الطبيب النفسي ديفيد بيرنز “David Burns” كيف أن الشروع بالمهمة، بغض النظر عن مدى انعدام حافزك، كفيل بخلق الحافز الذي تنتظره.

تُقنع نفسك بحاجتك إلى إجراء أبحاث أعمق، أو جمع معلومات أكثر، أو مجرد إمعان التفكير في الأمر لفترة أطول قليلًا.

لكن في الحقيقة، لن تمتلك -أبدًا- كل المعلومات. ولا شيء يُدعى “الظروف المثالية”؛ لذا حريٌ بك البدء بما لديك والتعلّم أثناء العمل الفعلي.

حقاً؟ أم أنك تقول ذلك فقط لأنك معتاد على اندفاع الأدرينالين الناتج عن الذعر في اللحظة الأخيرة؟

يدّعي الكثيرون أنهم “يُبدعون” تحت الضغط، لكن غالباً ما يؤدي العمل بهذه الطريقة إلى التوتر والأخطاء.

لنستمع إلى نصيحة مدير مجموعة أبحاث التسويف في كلية كارلتون، د. تيم بيتشيل “Tim Pychyl”:

“في الدراسات التجريبية، وجدنا الأشخاص الذين يعملون تحت الضغط يرتكبون المزيد من أخطاء الإغفال والفعل. لذا، نود تصديق أننا نعمل أفضل تحت الضغط، في حين الحقيقة أننا (نعمل تحت ضغط) فحسب”

إن لم يكن الآن، فمتى؟ غدًا؟ الأسبوع القادم؟ كما أخبرتك في البداية، سيقلّ وقتك كثيرًا غداً إذا استمريت في تأجيل الأمور.
الوقت لا يتجلى فجأة بل ينجلي. وقولك أنك مشغول عن فعل شيء ما يعني -ببساطة- أنه ليس من أولوياتك. لذا ربما تبدأ اليوم بخطوة صغيرة اليوم، حتى لو لخمس دقائق فقط.

قد تمنحك كتابة قائمة مهام مفصّلة وهم الإنتاجية؛ فأنت تنظم مهامك وتخطط ليومك، والذي يبدو عملًا في نهاية المطاف، أليس كذلك؟

لنكن صريحين، غالبًا ما يكون شكلًا من أشكال التسويف فحسب. وإذا لم تبدأ فعليًا بالمهام، فلن تعود القائمة عن كونها مجرد “مُشتت”. أو وسيلة تخدعك لتعتقد بأنك منتج بينما أنت في الحقيقة تماطل.

إليك ما قاله الرئيس التنفيذي لشركة Elements Behavioral Health، الدكتور ديفيد ساك “David Sack”:

“في مرحلة ما، وما لم سنرضى في نهاية حياتنا سوى النوايا الحسنة، فعلينا التوقّف عن التخطيط والبدء في التنفيذ”

لا تكتفِ بوضع خطة، ونفذّها. وإلا، انتهى بك الأمر إلى دفع..

تظن أنك تؤجل لفترة قصيرة، لكن في الحقيقة، أنت تقترض الوقت من نفسك في المستقبل. وبفائدة مرتفعة على هذا القرض!

توجد دفعات قصيرة الأجل ودفعات طويلة الأجل، لنلقِ نظرة عليها:

  • التوتر. تخيل أن لديك عرضًا تقديميًا مهمًا قريبًا. بدلًا من التحضير مبكرًا، تؤجله. ومع اقتراب الموعد النهائي، يزداد الضغط، ويتحول الأمر إلى حالة من الهلع في اللحظات الأخيرة.
  • فقدان الزخم. عندما تُؤجل العمل على مشروع ما، تفقد الحماس والدافع الأوليين. تتلاشى طاقتك التي كانت في البداية، مما يجعل من الصعب استئناف العمل من حيث توقفت.
  • تضييع الفرص. لنفترض أنك ترغب في التواصل مع عميل أو شريك محتمل، لكنك تؤجل الأمر باستمرار. وبحلول الوقت الذي تُقدم فيه على ذلك أخيرًا، يكون شخص آخر قد انتهز الفرصة.
  • الإضرار بسمعتك. إذا كنت تتأخر باستمرار في الرد على العملاء أو تتجاوز المواعيد النهائية، فسينتشر الخبر. وستظهر بمظهر غير جدير بالثقة. وقد يصعب تغيير تصور كهذا في أذهان الناس.
  • تخلخل مسيرتك المهنية. كلما أجّلت تعلم مهارة جديدة، تخلفت عن الركب أكثر. وعندما تبقى على حالك، تفوتك فرص الترقية أو تنمية أعمالك.
  • انهيار علاقاتك. ربما يؤدي تجنب المحادثات الصعبة مع شريكك -لأنها تبدو غير مريحة -إلى مشاكل عالقة وبرود عاطفي متزايد.
  • تضرر وضعك المالي. قد يؤدي تأخير سداد الفواتير إلى عواقب وخيمة. فالأمر لا يقتصر على غرامات التأخير فحسب، بل يشمل أيضاً التأثير السلبي على التصنيف الائتماني في حال عدم السداد.
  • تدهور صحتك. قد يبدو -للوهلة الأولى- تأجيل مواعيد الطبيب، أو اعتمادك الطعام الجاهز، أو التغيب عن النادي الرياضي أمرًا عاديًا. لكن بتكرار ذلك، تخاطر بفقدان أثمن ما تملك: جسدك.

ربما آن أوان تعلّم..

لستَ بحاجة إلى تعزيز قوة إرادتك. كل ما عليك فعله تحسين إدارة وقتك وعاداتك. لنتعرف سويّة على كيفية مواجهة التسويف واستعادة السيطرة على حياتك وسعادتك وإنتاجيتك.

أولًا، اعترف أنك تماطل، لكن لا تتوقف عند هذا الحد. بل اسأل نفسك:

  • لماذا أؤجل هذه المهمة؟
  • هل بسبب شعوري بالإرهاق؟
  • هل أخشى الفشل؟
  • أو ربما بدت المهمة مملة أو غير مهمة؟

حدد السبب الجذري لأنك لا تستطيع إصلاح ما لا تفهمه.

هل تتذكر السبب الثاني الذي يدفع الناس إلى التسويف؟ شعورهم بالملل. هنا من المهم تذكير نفسك بأهمية إنجاز المهمة المعينة. ربما تعلّق الأمر بأحد الغايات الكبرى: كالهروب من دوامة الحياة، أو بناء مشروعك التجاري، أو توفير احتياجات عائلتك.

أيًّا كانت الغاي، اربط مهامك اليومية بها؛ بمجرد أن تشعر بأهمية عملك، يفقد التسويف سيطرته.

تؤدي الأهداف الكبيرة والطموحة إلى أسباب التسويف #1 و #3: الخوف والاستنزاف.
لذا قسّم أهدافك إلى مهمات أصغر يسهل تحقيقها. أو كما يقول عالم النفس الشهير جوردان بيترسون:

“ينبغي تقسيم الرؤية الأكبر إلى أهداف أصغر. أضمن لكم أن جدولة المهام وإنشاء الروتينات سيساعدكم على تحقيق حتى أصعب أهدافكم”

عندما تنجز مهمة صغيرة، يحصل دماغك على جرعة من الدوبامين. وهذا لا يُسعدك فحسب، بل يحفزك أيضاً على القيام بالمهمة التالية.
على سبيل المثال، إذا طُلب منك كتابة تقرير من 5000 كلمة، فابدأ بمخطط من 500 كلمة؛ مجرد وضع القلم على الورق (أو الأصابع على لوحة المفاتيح) سيمنحك الزخم الذي تحتاجه للاستمرار. كل مهمة، مهما بدت شاقة، يمكن إنجازها خطوة بخطوة.

المشتتات عدوك اللدود. وهي موجودة في كل مكان. — على هاتفك، وفي بريدك الوارد، وحتى في مكان عملك. لذا، للحفاظ على التركيز:

  • أوقف الإشعارات على هاتفك. هذه التنبيهات تشتت انتباهك عن المهم.
  • خصص وقتاً لتفقد بريدك الإلكتروني. ولا تدعه يتحكم في يومك.
  • اعمل في مكان خالٍ من الفوضى. فالبيئة الفوضوية تعني عقلًا فوضويًا.

يُعدّ تعدد المهام -أيضًا- شكلًا من أشكال التسويف. فأنت تخدع نفسك لتظن أنك تعمل على مهام متعددة في الوقت نفسه، في حين أنك -ببساطة- تؤديها جميعها بشكل سيء.

عوض ذلك، جرب “التسيير الفردي”.

يقول ستيف بافلينا “Steve Pavlina”، مؤلف كتاب “How to discover your life purpose in about 20 minutes”:

“تُهدر الأوقات في تبديل المهام لأنه يتعين عليك إعادة تحديد السياق لكل مهمة جديدة. بينما يقلل التسيير الفردي من الوقت الضائع في تبديل المهام”

ركز على مهمة واحدة، وأنجزها بالكامل، ثم انتقل إلى المهمة التالية.



لا يأتي النجاح من لحظات فردية ملحمية كما في الأفلام. في العالم الحقيقي، ننجح من خلال أفعال صغيرة ومتسقة.

لست متأكدًا من كيفية البدء؟ اقرأ هذه الكتب:

حدد لنفسك روتينًا يوميًا مع تخصيص وقت لمهامك الجوهرية. واجعله غير قابلة للتنازل (تمامًا كتنظيف أسنانك أو شرب قهوة الصباح).

لن تكون مثالياً كل يوم. قد تمر بلحظات ضعف، وهفوات، وانتكاسات. فلا بأس، لا تلم نفسك.

ذكرت للتو جيمس كلير، لذا إليكم رأيه في الموضوع:

لو أدركت عدم تأثير الإخفاقات الفردية على نجاحك طويل الأمد، فسيسهُل عليك التعافي من الإخفاقات والنكسات. فالاستمرارية لا تعني الكمال.

الحياة مليئة بالمفاجآت، وأحياناً ستحتاج إلى تعديل خططك. المهم عودتك إلى المسار الصحيح دون شعورٍ بالذنب أو الإحباط.


كلمة الختام

في كل مرة تقول فيها “غدًا”، فأنت تدفع ضريبة التسويف، ضريبة تسلبك الفرص وتزيد من التوتر. والثمن؟ الحياة التي بإمكانك عيشها.

لكن إليك بشرى:

يمكنك البدء في إلغاء تلك الضريبة الآن. ابدأ بخطوات صغيرة، ولكن ابدأ اليوم. كان أفضل وقت للتحرك هو الأمس؛ وثاني أفضل وقت هو الآن.

فلا تدع التسويف يسرق المزيد من مستقبلك.

ما المانع من تسويف بعض الأمور؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى