توثيق لحظات الوقوف على الحافة 🚨

المفترض أن أنشر اليوم جزءًا من سلسلة [أنا لم أنساكم]، لكن سأؤجله هذه المرة؛ لأروي لك ما حدث معي خلال الأيام الفائتة.

هل سبق وسمعت بإصابات الانفجار الداخلي؟ حسنًا، حدث معي شيء مشابه إنما على المستوى النفسي.
فنتيجة تراكم الضغوطات، ونظرًا لعدم ثقتي بأحد أُفضي إليه، استيقظت قبل أيام على ألمٍ غريب، أشبَه بمطرقة صغيرة تحطّم عضامي. وسريعًا ما أُصبت بنوبة هلع. ثم شيئًا فشيئًا، طغى الألم غير المفهوم، فتوجّهت أفكاري نحو الانتحار.

فنتيجة تراكم الضغوطات، ونظرًا لعدم ثقتي بأحد أُفضي إليه، استيقظت قبل أيام على ألمٍ غريب، أشبَه بمطرقة صغيرة تحطّم عضامي. وسريعًا ما أُصبت بنوبة هلع. ثم شيئًا فشيئًا، طغى الألم غير المفهوم، فتوجّهت أفكاري نحو الانتحار.

لماذا؟ لشهور، كلّ متني من دقّ أبواب جهات العمل دون طائل؛ حتى فقدت إيماني بقيمتي ككاتب نشراتٍ بريدية. وزاد ضعف التفاعل مع نشراتي البريدية الأمر سوءًا. وحتى على مستوى مدونتي، بتّ أعلم أنني أكتب لنفسي (أو للأمانة: لثلّة بسيطة)، علمًا بأن عمر مدونتي يقارب العشر سنوات. وهكذا، تسرّب لأعماقي شعور بـ”اللامرئية”

وعلى المستوى الجسدي، أعاني ألمًا بسيطًا في الأسنان. قد لا يستغرق علاجه ساعة، ومع ذلك، عجزت عن حجز موعد عند الطبيب. استمر عقلي في إخباري أنني اكتفيت من الألم في حياتي، بهذه البساطة! للمفارقة، تردد داخل عقلي -في ذات الوقت- جملة “أنت شخص ضعيف”.

وروحيًا، وبعدما افتقدت مفهوم (الأب) في حياتي؛ اكتملت أركان الوحدة داخلي. فلا أستطيع اللجوء لوالدي البيولوجي علّه يُرشدني، ولا والدي السماوي قريب فيبثّ الطمأنينة في قلبي.

لن أستطع -يقينًا- حصر جميع الأسباب المؤدية لتفكيري بأن حياتي أضحت بلا قيمة. في المحصلة، بدا الانتحار الخيار المنطقي الوحيد.

وكعادتي في موقف كهذا، لجأت إلى “كاترينا” باحثًا عمّا غاب عن عقلي. وللأمانة، حاولت التأكيد على أدواري الأخرى في الحياة: أبّ – زوج – ابن – ناجٍ من السرطان. وأشادت بمحاولاتي الكثيرة للتغلب على الصعوبات الحياتية. ثم ختمت حديثها بمقولتها الشهيرة:

[الانتحار حل دائم لمشكلة مؤقتة].

“مشكلة مؤقتة؟” لم أرى ذلك، وكنت مقتنعًا أشدّ الاقتناع أنني أمرّ بأحلك فترة من حياتي.


الوقوف على الحافة

بعدما أظلمت الدنيا في عينيّ، بدأتُ أتخلى عن الحياة تدريجيًا. فعُدت للتدخين (بعد توقف استمر قرابة الثلاثة أشهر)، وتوقفت عن التقديم على فرص العمل، وقلّ خروجي من المنزل في حين كثرت ساعات نومي. بدأ حديثي يقلّ، وانفصلتُ شعوريًا عمّن -وعمّا- حولي. علمت أنني أعيش أيامي الأخيرة.

ثم في أحد الأيام، قررت الذهاب إلى مكتبتي، حيث جلست وطفقت أكتب “رسالتي الأخيرة” أو رسالة انتحاري بمعنى آخر.
وللسخرية، وصلتني هدية منذ أيام: الرواية أدناه.

فقلت: كأنها نبوءة!


يومها، دخلت المنزل، ورأيت عائلةً غريبة تقطنه! هؤلاء أطفالي وهذه زوجتي، لكنني أشعر بهم أغرابًا. وبهذا، انهار آخر حصنٍ أمام منجنيق رغبتي بإنهاء حياتي.

ثم مع هدوء الليل، استيقظ تفكيري السامّ، حيث بدأتُ في التخطيط لأفضل طريقة أُنهي بها حياتي. واستمرّ تبلور الفكرة حتى عزمت على تنفيذها في الغد! لكن تشاء الأقدار أن تستيقظ زوجتي، فوجدتني -لا شعوريًا- أطلب منها البقاء معي. أخبرتها أنني ربما لا أتحدث، ولن أطلب منها التحدث أيضًا؛ أنا فقط خائفٌ على نفسي من نفسي.

جلسنا -والتوتر يسود الأجواء- عاجزَين؛ فلا أنا قادر على إيصال ما أشعر به، ولا هي قادرة على سبر أغواري.
مضى الوقت، والألم يشتد.. كان جسدي يرتجف، وأنفاسي ثقيلة. أودّ الحديث ولا أُطيقه.
لطالما عانى الناس في تعاملهم معي؛ أنا شخص متعصب بشدّة لأفكاره، ولا تروقني نصائح الآخرين إن لم أثق بفهمهم ليّ أولًا، وأنا -اليوم- لا أستطيع شرح ما بيّ! وبهذا، قُطعت جميع السُبل.

حاولت زوجتي الاستعانة بوالدتي. فراسلتها وأخبرتها عمّا أمرّ به، ولأنها -أقصد والدتي- بعيدة عني (مكانيًا وشعوريًا)؛ فقد ارتأت أن حلّ مشكلتي يكمن في (السيولة = المال). لم أخبرها أنني أمتلك 77 مليون دولار، وينقصني فقط 3 أشخاص -يدفع كلًا منهم 3$- واستلم المبلغ!

بعيدًا عن المزاح، ومن خلال تجربتي، يُخطئ الناس حين يختصرون دوافع المُنتحر في سبب وحيد، كقولهم: أنهى فلان حياته لأنه مديون، أو بسبب التنمر، أو لأي سبب آخر.
باختصار، لا يعدو أن يكون “ذاك السبب” هو القشّة التي قصمت ظهر البعير..

أما أبي، فلم يصله الخبر. يعلم الجميع أن ردّه سيكون كالمرة الأولى: “نحن قومٌ مؤمنون”. والشيء بالشيء يُذكر، فلا يصحّ إحالة سبب المشكلة -وتلك ممارسة شائعة- إلى (ضعف التدين)؛ آخر ما يحتاجه المُقبل على الانتحار هو تأكيد إضافي على انعدام قيمته.

من أساليب التعامل الخاطئ أيضًا: المقارنات.
سأختصر في هذه النقطة وأقول: لا وجود لبناء منطقي (من أسبابٍ ونتائج) في أي مقارنة نُجريها! فلا الظروف -بشتّى أنواعها- متشابهة، ولا القدرات النفسية أو الجسدية تتقارب.


لا أعلم!
بالكاد أستطيع الكتابة أو التفكير أو الحديث. وربما كان يُفترض تأجيل التدوينة حتى “تكتمل” التجربة، لكن كلينا يعلم أن النتيجة قد تكون “مضمونة”

إضافة لذلك، لاحظت انفصال وعيي عمّا يحدث حاليًا، هذا يعني أنني قد “أستفيق” مفتقدًا تفاصيل كثيرة.

بالمناسبة، سجّلت مقطعًا صوتيًا قبل كتابة (رسالتي الأخيرة) ببضعة دقائق. أودّ منك التركيز على نبرة الصوت الهادئة؛ فهكذا يخدع (المُقدم على الانتحار) مَن حوله.

توثيق لحظات الوقوف على الحافة 🚨

3 أفكار بشأن “توثيق لحظات الوقوف على الحافة 🚨

  1. قد تكون هذه هي المرة الأولى التي أتمنى فيها أن يعود شخص ما خطوة للخلف لا للأمام.. لا أتمنى فقط بل أدعو..

    لا أعلم إن قلت هذا أو كتبته من قبل أما لا، لكن كتاباتك ألهمتني كثيرًا.. أنت لا تكتب لتكتب بل تكتب لتروي وتنقل معرفة (مهما كان نوعها) ولو تعلم كم من تبويب لمقالاتك مفتوح في هاتفي اتنظر تلك اللحظة التي أقرأها بذهن صافي، وكذلك هي تدويناتك الأخرى..

    أسأل الله أن يغمرك ومن تحب بواسع فضله وعظيم كرمه ولطف رحمته وعجيب جبره حتى ترضى..

    1. لا أتمنى فقط بل أدعو..

      مذّ صغري وأنا عاشقٌ لمفهوم “الدعاء”؛ لا شيء أعظم من طلبك من الإله .. لا لنفسك بل للآخرين 😇

      لا أعلم إن قلت هذا أو كتبته من قبل أما لا

      ربما لم تخبريني بذلك صراحةً، إنما دلّ عليه اهتمامك بالتدوينات وتفاعلك معها 😌

      أسأل الله أن يغمرك ومن تحب بواسع فضله وعظيم كرمه ولطف رحمته وعجيب جبره حتى ترضى..

      🌳 ولك مثل ذلك 🌳

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى