المفترض أن أنشر اليوم جزءًا من سلسلة [أنا لم أنساكم]، لكن سأؤجله هذه المرة؛ لأروي لك ما حدث معي خلال الأيام الفائتة.
هل سبق وسمعت بإصابات الانفجار الداخلي؟ حسنًا، حدث معي شيء مشابه إنما على المستوى النفسي.
فنتيجة تراكم الضغوطات، ونظرًا لعدم ثقتي بأحد أُفضي إليه، استيقظت قبل أيام على ألمٍ غريب، أشبَه بمطرقة صغيرة تحطّم عضامي. وسريعًا ما أُصبت بنوبة هلع. ثم شيئًا فشيئًا، طغى الألم غير المفهوم، فتوجّهت أفكاري نحو الانتحار.

لماذا؟ لشهور، كلّ متني من دقّ أبواب جهات العمل دون طائل؛ حتى فقدت إيماني بقيمتي ككاتب نشراتٍ بريدية. وزاد ضعف التفاعل مع نشراتي البريدية الأمر سوءًا. وحتى على مستوى مدونتي، بتّ أعلم أنني أكتب لنفسي (أو للأمانة: لثلّة بسيطة)، علمًا بأن عمر مدونتي يقارب العشر سنوات. وهكذا، تسرّب لأعماقي شعور بـ”اللامرئية”
وعلى المستوى الجسدي، أعاني ألمًا بسيطًا في الأسنان. قد لا يستغرق علاجه ساعة، ومع ذلك، عجزت عن حجز موعد عند الطبيب. استمر عقلي في إخباري أنني اكتفيت من الألم في حياتي، بهذه البساطة! للمفارقة، تردد داخل عقلي -في ذات الوقت- جملة “أنت شخص ضعيف”.
وروحيًا، وبعدما افتقدت مفهوم (الأب) في حياتي؛ اكتملت أركان الوحدة داخلي. فلا أستطيع اللجوء لوالدي البيولوجي علّه يُرشدني، ولا والدي السماوي قريب فيبثّ الطمأنينة في قلبي.
لن أستطع -يقينًا- حصر جميع الأسباب المؤدية لتفكيري بأن حياتي أضحت بلا قيمة. في المحصلة، بدا الانتحار الخيار المنطقي الوحيد.
وكعادتي في موقف كهذا، لجأت إلى “كاترينا” باحثًا عمّا غاب عن عقلي. وللأمانة، حاولت التأكيد على أدواري الأخرى في الحياة: أبّ – زوج – ابن – ناجٍ من السرطان. وأشادت بمحاولاتي الكثيرة للتغلب على الصعوبات الحياتية. ثم ختمت حديثها بمقولتها الشهيرة:
[الانتحار حل دائم لمشكلة مؤقتة].
“مشكلة مؤقتة؟” لم أرى ذلك، وكنت مقتنعًا أشدّ الاقتناع أنني أمرّ بأحلك فترة من حياتي.
الوقوف على الحافة
بعدما أظلمت الدنيا في عينيّ، بدأتُ أتخلى عن الحياة تدريجيًا. فعُدت للتدخين (بعد توقف استمر قرابة الثلاثة أشهر)، وتوقفت عن التقديم على فرص العمل، وقلّ خروجي من المنزل في حين كثرت ساعات نومي. بدأ حديثي يقلّ، وانفصلتُ شعوريًا عمّن -وعمّا- حولي. علمت أنني أعيش أيامي الأخيرة.
ثم في أحد الأيام، قررت الذهاب إلى مكتبتي، حيث جلست وطفقت أكتب “رسالتي الأخيرة” أو رسالة انتحاري بمعنى آخر.
وللسخرية، وصلتني هدية منذ أيام: الرواية أدناه.

فقلت: كأنها نبوءة!
يومها، دخلت المنزل، ورأيت عائلةً غريبة تقطنه! هؤلاء أطفالي وهذه زوجتي، لكنني أشعر بهم أغرابًا. وبهذا، انهار آخر حصنٍ أمام منجنيق رغبتي بإنهاء حياتي.
ثم مع هدوء الليل، استيقظ تفكيري السامّ، حيث بدأتُ في التخطيط لأفضل طريقة أُنهي بها حياتي. واستمرّ تبلور الفكرة حتى عزمت على تنفيذها في الغد! لكن تشاء الأقدار أن تستيقظ زوجتي، فوجدتني -لا شعوريًا- أطلب منها البقاء معي. أخبرتها أنني ربما لا أتحدث، ولن أطلب منها التحدث أيضًا؛ أنا فقط خائفٌ على نفسي من نفسي.
جلسنا -والتوتر يسود الأجواء- عاجزَين؛ فلا أنا قادر على إيصال ما أشعر به، ولا هي قادرة على سبر أغواري.
مضى الوقت، والألم يشتد.. كان جسدي يرتجف، وأنفاسي ثقيلة. أودّ الحديث ولا أُطيقه.
لطالما عانى الناس في تعاملهم معي؛ أنا شخص متعصب بشدّة لأفكاره، ولا تروقني نصائح الآخرين إن لم أثق بفهمهم ليّ أولًا، وأنا -اليوم- لا أستطيع شرح ما بيّ! وبهذا، قُطعت جميع السُبل.
حاولت زوجتي الاستعانة بوالدتي. فراسلتها وأخبرتها عمّا أمرّ به، ولأنها -أقصد والدتي- بعيدة عني (مكانيًا وشعوريًا)؛ فقد ارتأت أن حلّ مشكلتي يكمن في (السيولة = المال). لم أخبرها أنني أمتلك 77 مليون دولار، وينقصني فقط 3 أشخاص -يدفع كلًا منهم 3$- واستلم المبلغ!

بعيدًا عن المزاح، ومن خلال تجربتي، يُخطئ الناس حين يختصرون دوافع المُنتحر في سبب وحيد، كقولهم: أنهى فلان حياته لأنه مديون، أو بسبب التنمر، أو لأي سبب آخر.
باختصار، لا يعدو أن يكون “ذاك السبب” هو القشّة التي قصمت ظهر البعير..
أما أبي، فلم يصله الخبر. يعلم الجميع أن ردّه سيكون كالمرة الأولى: “نحن قومٌ مؤمنون”. والشيء بالشيء يُذكر، فلا يصحّ إحالة سبب المشكلة -وتلك ممارسة شائعة- إلى (ضعف التدين)؛ آخر ما يحتاجه المُقبل على الانتحار هو تأكيد إضافي على انعدام قيمته.
من أساليب التعامل الخاطئ أيضًا: المقارنات.
سأختصر في هذه النقطة وأقول: لا وجود لبناء منطقي (من أسبابٍ ونتائج) في أي مقارنة نُجريها! فلا الظروف -بشتّى أنواعها- متشابهة، ولا القدرات النفسية أو الجسدية تتقارب.
ماذا الآن؟
لا أعلم!
بالكاد أستطيع الكتابة أو التفكير أو الحديث. وربما كان يُفترض تأجيل التدوينة حتى “تكتمل” التجربة، لكن كلينا يعلم أن النتيجة قد تكون “مضمونة”

إضافة لذلك، لاحظت انفصال وعيي عمّا يحدث حاليًا، هذا يعني أنني قد “أستفيق” مفتقدًا تفاصيل كثيرة.
بالمناسبة، سجّلت مقطعًا صوتيًا قبل كتابة (رسالتي الأخيرة) ببضعة دقائق. أودّ منك التركيز على نبرة الصوت الهادئة؛ فهكذا يخدع (المُقدم على الانتحار) مَن حوله.
جميل
قد تكون هذه هي المرة الأولى التي أتمنى فيها أن يعود شخص ما خطوة للخلف لا للأمام.. لا أتمنى فقط بل أدعو..
لا أعلم إن قلت هذا أو كتبته من قبل أما لا، لكن كتاباتك ألهمتني كثيرًا.. أنت لا تكتب لتكتب بل تكتب لتروي وتنقل معرفة (مهما كان نوعها) ولو تعلم كم من تبويب لمقالاتك مفتوح في هاتفي اتنظر تلك اللحظة التي أقرأها بذهن صافي، وكذلك هي تدويناتك الأخرى..
أسأل الله أن يغمرك ومن تحب بواسع فضله وعظيم كرمه ولطف رحمته وعجيب جبره حتى ترضى..
مذّ صغري وأنا عاشقٌ لمفهوم “الدعاء”؛ لا شيء أعظم من طلبك من الإله .. لا لنفسك بل للآخرين 😇
ربما لم تخبريني بذلك صراحةً، إنما دلّ عليه اهتمامك بالتدوينات وتفاعلك معها 😌
🌳 ولك مثل ذلك 🌳
عندي أخ يصغرني سنا عندما تضيق به الدنيا (ليس من الناحية المالية طبعا)، لان البعض يظن أن المال هو حل لكل المشاكل لكنه في الحقيقة هو حل لجزء منها، ينهار ويضعف وذلك من قلة لجوّه الى الله، وكنا دائما نذكره ان له عائلة تحبه وتحتاج اليه خاصة الأولاد، فهم يحتاجونا الى عمود البيت حتى ولو انهار كل ما حوله يبقى صامد وشامخ يستندون عليه.
من منظوري كرجل، يمكنني تخيّل ردّة فعل أخوك: “أنتم تتحدثون عن الجميع إلا عنيّ” – في حين يحتاج -كلانا- إلى من يُخبره عن تقبّل الآخرين له في كل حالاته.
أدعوكِ لمشاهدة هذا الفيديو، علّه يشرح الفكرة أفضل مني.
أشكرك أختي الكريمة لمشاركتي هذه التفاصيل.
العزيز محمد طارق، بدايةً.. الحمدلله أننا نسمعك ونقرأ كلماتك يومًا بعد يوم، لي يومين أفكر بتدوينتك هذه.. لا أعتقد أنك تحتاج سماع أسبابٍ للتمسك بهذه الحياة، أو عن أهمية وجودك في حياة من حولك.. بل ما أود قوله ربما، بعيدًا عن الأدوار التي تحمل المسؤوليات والتوقعات.. أو الإنجازات السابق منها واللاحق.. وجودك قيّم في ذاته بدون أدوار أو منجزات أو أي سبب، ويؤلمني أن يصير هذا الوجود ثقلًا عليك.. لذلك ما أرجوه من كل قلبي هو أن ينزاح هذا الألم عن عاتقك لئلا يصير الوجود عبئًا في ذاته، لأن حتى لحظات الوقوف على الحافة تحمل ألمًا عنيفًا.. فكل ما أرجوه، هو أن يُزاح هذا الألم.. وأن تنعم بلحظاتٍ من السكون، وكل شيء آخر ثانوي..
وأنا أيضًا أتمنى لو ينزاح هذا الجبل عن صدري.
يستحق تعليقك إشادة خاصةً، وفي أعماقي أقدّره جدًا.. إنما يعجز لساني عن التعبير
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته..
الاخ الكريم. المهندس طارق..
ارجو ان تجدك كلماتي هذه و انت احسن حالا.
نحن كبشر نعاني من حمل اثقال لا يمكن تخيلها فقط لنعيش وفق اطار يفرضه الوهم الاجتماعي في تعريفه للسعادة و النجاح و الطموح و المثالية.. هذا الاطار يفتقر للاحساس.. الاحساس بقيمتك الفردية النابعة من وجودك فقط.. الاحساس بالحرية.. الاحساس بالراحة و الاسترخاء.. الاحساس بانتمائك العميق لله و تواصلك الحقيقي معه بوعي و حضور.. الحياة صعبة و كما ذكرت لا يوجد من تستطيع ان تثق فيه تماما اتفق معك.. مائة بالمئة.. لذا مساحة الشحن و التعبئة و الصيانة تجدها في تواصلك مع الله.. بثه ما يعتمل في صدرك و ما تمور به نفسك.. ابك بين يديه سبحانه و صب ما يهمك و يؤرقك على مكان سجودك.. ادعوه بطريقتك و استشعر قربه منك.. اجتهد ما استطعت في ارضائه ولو بأقل القليل و داوم عليه. اجعل لك مسبحة و استغفر او سبح او اذكر الله بلا اله الا الله، او صل على النبي.. اذكر كثيرا.. ثلاث ساعات مثلا متفࢪقه او مجتمعه و ان استطعت اكثر فافعل.. استمر.. لا تتوقع شيء.. تحرر من همومك و اثقالك.. و ضع قلبك بين بين يدي مولاك و ادعه كثيرا ان يصلح لك شآنك..
هذه البذرة ادفنها في تربة الرجاء و اسقها بماء الاستمرار و اليقين و اجعل فوقها يقينا و ثقة بالله و. دعوات.. و اتركها لله تعالى..
اكتب و سجل ما تقوم به و اكتب ما تشعر به.. اشك لله و اسإله ما تريد..
استمر اربعين يوما قسمها لاربع مراحل.. كل مرحلة عشرة ايام..
افعل و راقب نفسك و مشاعرك.. اكتب عن ذلك.. عن فضاءات الحرية التي تمتليء نسيما عليلا و سماء زرقاء و بساط اخضر لا نهاية له
. عش تجربتك و راقب نفسك.. ربما كانت هذه المعاناة التي تعيشها نقطة انطلاق جديدة في فضاءات بداخلك لم تكتشفها بعد.. دعواتي لك بالتوفيق..
خالص الاحترام و التقدير
وعليكم السلام والرحمة والإكرام
أشكر لك سعيك لتقديم إجابة وافية للاسئلة داخلي، إنما أفترض أنك لم تنتبه إلى كوني “لادينيًا”؛ ما يجعل معظم ما تفضلت به بعيدًا عن مقصدي.
لكن ذلك لا يُنكر تقديري الشديد لما كتبته.
طابت أوقاتك بكل السلام
صراحة لم اعرف ذلك.. عفوا..
اتمنى ان تجد طريقك الى السلام..
خالص تقديري
لا ألومك أخي الكريم.
شكرًا لأمنياتك
أخي طارق، لم أقل أستاذي كما أعتدت، ربما لأني قد مرت عليا أوقات كهذه بسبب كثرة الألم، أو غيرها، ولكني أُعيذ قلبك بالله من كل همٍ وغم وسوء الحال، ربما عليك بالإستعانة بمختص نفسي، لا أحد سيفهمك ويجيبك بعد الله سبحانه وتعالى سوى الطبيب النفسي، وأسأل الله لك النجاة من هم وغم
نعم، لاحظت كلمة “أخي”
وفضلٌ كبيرٌ منكِ كل هذا الدعاء. حتى أن كلمة شكرًا لن تفيّ حقك.