مررتُ في حياتي بتحوّلين نفسيين مهمين تقريبًا. الأول: الانتقال من مُصاب باضطراب ثنائي القطب وميّال للانتحار إلى شخص فعّال (بدرجة مقبولة). أما الثاني، فكان خلال العام الماضي، حين اكتشفت ما يمكن تسميته حب الذات المستدام، أو الطمأنينة الذاتية، أو كما أحب أن أسميه، الرضا التام Deep Okayness.
لا يعني الرضا التام شعورًا بالخفّة طوال الوقت، بل الاستشفاء التام من كراهية الذات. عبر تثبيط “ذاك الجزء” من عقلي المعتاد على مهاجمة نفسه. الرضا التام معناه عزل الذات عن كونها ساحة حرب؛ عبر إدراك أنني لست سوى “منفذ” يعبر الكون من خلاله عن نفسه، فما الداعي لكرهه؟!
يقتضي الرضا التام معرفة أن قيمتي الجوهرية منفصلة عن أخطائي (مهما عظُمت)؛ فلا يمسسها ضرّ، ولم أُدّنس، إنما أظلّ شخصًا طيبًا.
لم أشعر أنني أفضل كشعوري اليوم. وأدركت للتو كم أهدرتُ وقتي في احتقار نفسي، حتى في أوج عطائي. ويا له من وقتٍ طويل! وبالمناسبة، لا علاقة لحالة الطمأنينة التامة التي وصلت إليها بما يحدث عادةً في عيادة المعالج النفسي. وهذا يُقلقني.
يجب أن يكون الرضا التام أمرًا شائعًا، علينا نشره بين أكبر عدد ممكن من الناس. لقد عثرتُ -مصادفةً- على هذه القدرة وسعيتُ إليها عشوائيًا، وإن كنت أجده أمرًا رائعًا، لكنه ببساطة ليس كافيًا!
فلو حصل الجميع على ذات الإمكانية، لعنى ذلك تقدمًا كبيرًا في المشروع الإنساني. وربما أعتبرناه بمثابة نظيرٍ لتوفر البنسلين (إنما في الصحة النفسية).
لماذا رؤيتنا الحالية للصحة النفسية .. معطوبة؟

النموذج السائد، على حد علمي، أنك إما مريض أو على ما يُرام، لتقتصر مهمتنا على تصنيف الإصابات:
- فإن كنتَ في حالة نفسية مُزرية ومكتئب، فستخضع للعلاج، ثم تتناول مثبطات استرجاع السيروتونين الانتقائية SSRI، محاولًا عدم قتل نفسك؛ والهدف “المفترض” الحفاظ على توازنك الداخلي.
- أما إن كنتَ طبيعيًا، فأنت ترى الحياة مُرهقة، لكنك تعلم ما لا تعرفه. ثم، في ذروة سعادتك، تعتبر نفسك محظوظًا. أحيانًا، تُصاب بأعراض (مثل اضطراب الهلع أو الاكتئاب السريري) لا يُمكن شفاؤها، وتظل في حالة ثبات طوال حياتك.
أود استبدال النموذج المهترئ السابق بالآتي: هناك طيف من الحالات النفسية الخلفية، من “الانتحار/الانفصال/الذعر” إلى “السلام الدائم والسعادة والطاقة” ويمكن لأيٍ كان اعتلاء هذا الطيف. بل يستطيع الجميع تقريبًا اختبار تشافٍ عميق، وذاك حقهم الطبيعي أصلًا.
بمقدورنا الوصول إلى مستوى النضج هذا والبقاء فيه، عبر بعض التقنيات النفسية المختلفة. تُعرّف التقنية النفسية بكونها أي شيء يغيّر علاقتك بنفسك، بدءًا من العلاج النفسي التقليدي، مرورًا بجميع أنواع التأمل، وصولًا إلى أشكال العلاج الحديثة مثل العلاج بالترددات المنخفضة (IFS)، وما إلى ذلك.
تختلف التقنيات النفسية باختلاف الشخص، وقد يُثبت بعضها فعاليته عند دمجها معًا.
لذا، ربما يبدأ (عالمٌ أفضل للصحة النفسية) بأبحاث نوعية مكتوبة بعناية حول كيفية وصول مختلف الشخصيات إلى حالة من الرضا التام، بحيث يتوفر فهمٌ قصصيٌّ شاملٌ لمختلف الوحوش التي يميل الناس إلى مواجهتها في زنزاناتهم المليئة بكراهية الذات، وكيف يُمكن القضاء عليها. في عالم كهذا، يُجمع هذا البحث في نوعٍ من دليلٍ شاملٍ للوحوش، يستخدمه أي شخصٍ يبحث عن السلام الداخلي لنفسه أو للآخرين.
قد لا يكون النهج الذي سأقترحه صحيحًا!
لكن يتوجب علينا اختبار شيء مختلف؛ وضع معارف الصحة النفسية الحالي غير مقبول إطلاقًا. من الصعب، بناءً على أدلة تجريبية شاملة، تحديد ما إذا كان العلاج المعرفي السلوكي أجدى من التحليل النفسي، ما ينفي إبهارهما.
نعم، ربما كانا أفضل من لا شيء، وقد نتقبلهما كخطوة أولى، لكنهما لا يُحدِثان نقلة نوعية، بل على العكس: بالنسبة لبعض الاضطرابات، قد يكون لهما نتائج عكسية! ومع ذلك، فهما ركيزتا علم النفس السريري الرئيسيتان. لينتهي العلاج، بالنسبة لمعظم الناس، ببعض اليقظة الذهنيّة العابرة (إن كانوا محظوظين طبعًا)، أو بمذكرَات امتنان gratitude journal.
في المقابل، يُوثّق المتصوفون من مختلف الثقافات أمثلةً رائعةً على التحوّل العاطفي لآلاف السنين. ويبدو أن بعض المعالجين والمعلمين الروحانيين والكهنة وكذلك المدربين يُحدثون شفاءً حقيقيًا يُغيّر الحياة.
ما المختلف في أفعالهم؟ وماذا يحدث بحق الله؟ لا يمكننا الاستسهال والامتثال لما يُسمى “قواعد الصحة النفسية” مع قلّة فعاليتها مقارنةً بأديان تعود لآلاف السنين؛ بالتأكيد يُمكننا تجميع أفضل المعارف والتوصل إلى مستويات جديدة من الفهم.
أعلم أنني أطلت في المقدمة!
ولذا، سأبدأ فورًا بسرد رحلتي الشخصية، وبعض الاستنتاجات التي توصلتُ إليها حول بعض التقنيات النفسية التي استخدمتها. إنما لا تعتبرها توصيةً “متشددة” بتطبيق كل ما طبقته (أو حتى تطبيق أي شيءٍ محدد). بل اعتبروها مجرد مثال وإثبات لما قد تُحققه حتى مع بحثك المتعثر عن السلام الداخلي.

مع ذلك، لديّ نصيحة عامة..
ابحث عن طرائق لتُدخل نفسك -أكثر فأكثر- في وعيٍ مُحبّ، تقبّل كل تفصيلة من كيانك، سواء ما يُعجبك وما لا يُعجبك. بل وخاصةً تلك الأخيرة، وتحديدًا الأجزاء التي تُثير غثيانك!
أنت تعلم معنى الوعي المُحب (حتى لو لم تسمع به من قبل) : هو تلك اللحظات من التواصل الرَحب والهادئ والعميق مع أي جزءٍ من الوجود تختبره حاليًا، حيث لا يُتحدّى شيءٌ أو يُتصوّر، بل يُسمح له بالظهور، في نقاءٍ مُشرق، دون مقاومة أو خوف.
حاول رؤية نفسك بهذه الطريقة، وراقب كيف يفعله آخرون. جرّب الأمر. لا جبرًا، بل برفق واهتمام. ابدأ بدمج كل شيء في هذا التصور، في اندماجك الكامل مع ذاتك. دع نفسك تُفاجأ، وأحبب -قدر الإمكان- هذا الشيء المُفاجئ. ثم لاحظ إلى أين سيقودك ذلك الحب.
والآن، سأروي لك بعض التجارب الغريبة؛ ينطوي التحول النفسي -أحيانًا- على تجارب غريبة. وبما أنني أدين لك بالحقيقة، فلا أمانع أن أبدو أمامك غريب الأطوار!
دعنا نستزيد عن ماهيّة الرضا التام
- شعور عميق بالانغماس في العالم، وإحساس بجمال الوجود المتسامي.
- مودة أكبر للآخرين، مرتبطة بتدنيّ القلق حول آرائهم بالشخص.
- شخصنة أقل حيال عدم إنجاز الأشياء، واهتمام أكبر بإنجازها.
- شعور أضعف بالذنب، ومهارة أكبر بتصحيح أخطاء الماضي.
- سهولة الوصول إلى حالات التأمل العميق؛ نتيجة الانخفاض الهائل في الصراع الداخلي.
- إحساس بزيادة المتعة في كل شيء.
نفي المزايا المغلوطة للرضا التام
- ما أزال على دراية بالمعاناة في العالم، ولا زلت أحزن، إنما بات حزني أقل “شخصية”، وأقل تهديدًا.
- لا تعني قلة انتقادي لذاتي تغاضيّ عن معرفة مكمن مصلحتي الذاتية.
- بخلاف ما قد تتوقعه، لا يمنعني انغماسي في ذاتي، أقل اهتمامًا بجودة حياة الآخرين (سواء كانوا أقرباء أو غرباء).
- السلبية Passivity. أشعر بأنني أكثر حزمًا من أي وقت مضى، ولكن بطرق مختلفة

خطواتي المتعثرة نحو الرضا التام
الخطوة الأولى: تسليط الضوء على جوانب نفسي المظلمة من خلال إدماج الظل
أترى تلك الجوانب منك التي ترفضها، وتتجاهلها، وتكرهها، وتحاول التبرؤ منها. ربما تكون كومة من رغباتك السرية التي تستاء منها، أو لحظات المتعة المخزية التي تحصل عليها من “إدمانك الصغير الذي لا تستطيع التخلص منه”؟ يمكننا تسمية هذه الكتلة من الذات المرفوضة “الظل The shadow“.
ينبع معظم الألم في حياتك -وكثير من سلوكياتك السيئة- من صراعك مع الظل، والانخراط بقوة أكبر في هذا الصراع، كر\ّ فعل غريزي، عكس ما تحتاجه تمامًا.
فإذا أردت التقدم في حياتك، فعليك التواصل مع ظلك والاندماج معه، وإلا ستعيش في صراع داخلي يائس.
كيف تندمج مع “ظلّك”؟ يمكنك ذلك من خلال الفن، والعلاج بالكلام Psychotherapy، وتدوين اليوميات، والمشي لمسافات طويلة في الطبيعة، وما إلى ذلك.
أما أنا، ففعلت ذلك من خلال كتاب “Existential Kink”، والذي أهدتني إياه مستشارتي النفسية، وهكذا بدأتُ رحلتي بالصدفة.
كنتُ في مرحلةٍ غريبةٍ عندما بدأتُ!
ظاهريًا، كنتُ أعيش حياةً ممتازةً للغاية (استقرار نفسي، ودخلٌ ثابت، وزواجٌ، ومنزلٌ، وأصدقاء).
أما داخليًا، عانيت من صراعاتٍ كثيرة، لكنني تقبّلتُ مستوىً مُعينًا من الألم المُتغلغل في الخلفية كأمرٍ طبيعي. لم أكن أفهم إمكانيةَ وجود بديل. جربتُ على مرّ السنين تقنياتِ التأمل، مما أظهر لي وجودَ حالاتٍ ذهنيةٍ مُتغيرةٍ مثيرةٍ للاهتمام، لكنني لم أشعر بأنّ تحسينَ عقلي أمرٌ مُمكنٌ!

كتاب “الانحراف الوجودي Existential Kink” كتابٌ مؤثرٌ للغاية. وإن وجدته -أيضًا- منفرًا. كُتب بلغةٍ عاميةٍ أصفها بالروحانية الأنثوية الغريبة، وهو أمرٌ جيد، ولكنه ليس من اهتماماتي الشخصية، ويحتوي على العديد من الافتراضات الغريبة التي قد أختلف معها.
مع ذلك، فإن الكاتبة، كارولين إليوت، بارعةٌ بلا شك، وقد ابتكرت أسلوبًا فريدًا من نوعه لدمج الظلال، وقد نال إعجابي حقًا، على الرغم من أن طريقة العرض جعلتني أتشكك. (لا أقول هذا إلا لمصادفتي أشخاصًا بدأوا بقراءته، ووجدوا جمالياته مزعجة، فتوقفوا قبل استيعاب أفكار الكتاب، وهو ما أعتبره خطيئة كبرى).
أفضل طريقة لشرح الأمر هي تحليل عنوان “الانحراف الوجودي” قليلًا؛ تعني الكاتبة بـ”الانحراف” ما يشبه [الجنس العنيف BDSM].
لنفكر في المازوخيين للحظة. هل يعشق المازوخيون الألم؟ على ما يبدو، فهم يُجبرون الآخرين على إيذائهم بطرق معقدة ومعقدة، بتكلفة باهظة. لكن قطعًا لا يُشبه التعرّض للجَلد الحصول على تدليك لطيف. بل على الأرجح، يستمتع المازوخيون بالألم فعلًا. فدراما الألم وشدته مُرضِية، والإندورفين المصاحب له مُثير، وهناك شعور بالراحة والتخلي الذي تشعر به عندما تغرق في شعور مُشتت. إنهم يُقدّرون بعض صفات التعرض للأذى، حتى لو كان مؤلمًا بالفعل.
مثلك تمامًا، أليس كذلك؟ اعترف! أنت تحب حياتك البائسة، وألمك الداخلي! تحب المشاكل الصغيرة التي تُوقع نفسك فيها! تحب الفشل بنفس الطرق مرارًا وتكرارًا! ليس ظاهريًا، ولا مباشرًا، بل إن الطرق التي تُخرب بها نفسك تُغذي رغبات تخشى الاعتراف بها، مثل الرغبة في السيطرة. إذا آذيت نفسك بشدة، فلن يستطيع أحدٌ غيرك فعل ذلك بنفس السوء، أليس كذلك؟

هذا جوهر تنبؤ كارولين إليوت للكثير منّا. وتقول إن الخلاص منه بسيط: القبول. توقف عن محاولة خداع نفسك، وتشرّب حقيقة أن أفعالك السيئة تُشبع رغباتك المظلمة. بحسب مقولة الكتاب الرئيسية: “التملّك دليل نقص”. فقط افهم لماذا صممتَ يأسك، وقدّر هذا التصميم. وبعد ذلك، كما لو كان سحرًا، ستتغير أنت!
إذا بدا هذا مُربكًا أو غير مُحتمل أو سخيفًا، فلا بأس. وإذا بدا بغيضًا، فلا بأس أيضًا؛ ليس أكثر من إطار سردي. ومع ذلك، وبصفته إطارًا سرديًا، فهو مؤثّر. ولإثبات ذلك، سأشاركك تفاصيل تجربتي مع الكتاب.
يتمحور الكتاب حول تمرين تأمل، وهذا أفضل ما فيه. إذا كنت ترغب في ممارسة التمرين، أنصحك بقراءة الكتاب كاملاً، لما فيه من معلومات أساسية مفيدة. قد لا يعجبك، لكنك بالتأكيد لن تجده مملاً. مع ذلك، سأشرح لك الأساسيات.
أولاً، يطلب منك الكتاب تأمل موقف متكرر تبغضه في حياتك. في حالتي، كان الآتي: كل خمس دقائق لعينة، كنت أتقدم بجرأة نحو العالم، لأنسحب -بعد ذلك مباشرةً، خجلاً. كنت أمرّ بنوبات ذهول أكتب فيها كثيرًا، وأغرّد كثيرًا، وأكوّن صداقات جديدة، وأتواجد بشكل عام في العالم، ثم، عند أدنى بادرة سوء فهم/عدم تقدير/تجاهل، كنت أتوقف، وأتراجع، وأوبخ نفسي على غبائي الذي أزعج العالم بوجودي، وأشعر بالسوء تجاه نفسي.
بمجرد استقرار دراماك الشخصية في ذهنك، يطلب منك الكتاب تذكر الأحاسيس المرتبطة بالموقف، ثم محاولة الاستمتاع بها وتقديرها. وهكذا فعلت. تذكرت كم شعرتُ بالإحباط والوحدة، وكم كنتُ قذرًا ومرعبًا، في تلك اللحظة التي انتقلتُ فيها من ظني أنني بارعٌ بشكلٍ لا يُوصف إلى ظني أنني لا أستحق الأكسجين. شعرتُ بالغثيان، والوحدة، والحيرة. وفكرتُ، يا إلهي، كم كان ذلك ممتعًا!
كان من الرائع حقًا ابتكار طريقةً لإشباع رغبتي في التأكيد، وفي الوقت نفسه، لأبقى آمنًا. ويا لها من عبقرية طريقة تقمّصي دور الفنان الذي يُساء فهمه. أذهلتني قدرتي على أن أبقى هكذا إلى الأبد: مجهولًا، وعديم النفع، ومنفصلًا عن الواقع، ولكن -مع ذلك- مميزًا، ومُشادًا به، ومُلفتًا للنظر!
كانت النتائج مذهلة للغاية. حتى أنني كتبتُ عنها في مذكراتي (التي قد أنشرها صوتيًا ذات يوم):
في البداية، كان التمرين لطيفًا وغير مُرهِق. لكن بعد دقائق قليلة، بدأت أشعر بغرابة. بما يُشبه الوخز في جميع أنحاء جسدي. ليس قليلًا، بل كثيرًا. كان الأمر أشبه بغمر نفسي بشحنة كهربائية ساكنة. ثم تسلل إليّ شعورٌ داخلي، وشعرتُ بسعادة غامرة وسكينة بالغة في آنٍ واحد. سبق وتناولتُ مضادات اكتئاب، لكن شعوري الجديد أنقى وأوضح وأجمل.
ثم حدث أغرب شيء على الإطلاق: شعرتُ بزوال بعض جوانب تصوري لذاتي. كأن أفكاري المعتادة حلقات في سلسلة، ثم أمسكت قوة خفية بزوج من قواطع البراغي السماوية وبدأت بتقطيع السلسلة إربًا. شعرتُ بخفة وصفاء ووضوح أكبر. أخيرًا، تُهتُ في فضاء لا نهائي، غير متأكد من إحداثياتي المكانية، للحظات. ثم، ببطء، عدتُ إلى الأرض.
في اليوم التالي، وجدت نفسي في عالمٍ مختلف. شعرتُ بسعادةٍ أكبر، واسترخاءٍ أكبر، وحضورٍ أعمق. كما بدا العالم أفضل؛ كأنّ محيطي بدا أكثر جمالاً، وإشراقاً، ووضوحاً. وكما وعدتني رؤية عالم الظل، فبمجرد أن اعتنقتُ ظلي، قلّ شعوري بأنني مُستهلك. يوماً بعد يوم، شعرتُ بحاجة أقلّ لتؤكيد مستمر، وخوفٍ أقلّ من أن أُرى. سيطر “سوء فهمي كفنانٍ” على حياتي بشكلٍ أقلّ. لم تكن تلك الدوافع قد تلاشت تمامًا، بل خفّت أهميتها فحسب، وهذا أمرٌ جيد. وعندما شعرتُ بعودة تلك الدوافع، كنتُ أكرّر التمرين، وهكذا تُنزع أسلحتها تدريجياً، إلى حدٍّ ما.
كان هذا رائعًا ومُحيرًا في آنٍ واحد.

كيف يُحسّن تمرين تأمل وعيي؟
آنذاك، توصّلت لتفسير ولا زلت متمسكًا به: لا نختلف على قدرة السردية ومفهوم الذات في التأثير على خصائص تجربتك الحسية، كبيرة كانت أم صغيرة. يعيش المصابون بالاكتئاب عالمًا أبطأ وأميَل لأحادية اللون. وعندما تقع في الحب، يغدو العالم أكثر حيوية. يبدو أن الأشخاص الذين تحترمهم يتمتعون بجاذبية جسدية.. وهكذا دواليك.
إذا تولّد انفصال كبير بين “ذاتك و “ظلك” فهذا دليل على امتلاكك تصورًا ذاتيًا هشًا! هناك جوانب كثيرة من نفسك تتجنبها باستمرار، وحوادث عدة لا يُفترض أن تحدث لك. هذا يتطلب يقظة. عليك تصفية وعيك ومحوه وحذفه، بل وتعديله عمومًا باستخدام الفوتوشوب باستمرار لجعل كل شيء مقبولًا في نظرك.
قد يكون لهذا التصفية بعض التأثيرات على التجربة عمومًا. ربما إذا كان عقلك يفرض إطارًا سرديًا صارمًا، فإن بعض الخصائص الجمالية للحياة تمر مرور الكرام. وربما يصعب إدراك تعقيدات الآخرين خلف جدار المفاهيم التي تضعها أمامهم. لو استطعت إزالة هذا التصفية، لربما بدا العالم مختلفًا، وشعرت أن وجودك أكثر سلاسةً وبديهيةً وأقل تشتتًا.
لو كانت هذه نهاية رحلتي النفسية، لتقبّلت الأمر. فقد كان رائعًا بالفعل. ولكن لم أكن لأقف عند هذا الحد. لقد أظهر لي كتاب (الانحراف الوجودي) أنني لم أفهم قدرات عقلي. لم يكن هناك ما يدعو للاعتقاد بأن هذا آخر تطور عقلي ممكن.
لا أعتقد أن معظم الناس سيحصلون على نتائج دراماتيكية وفورية من خلال العمل الظلي كما حدث معي. كانت لدي علاقة غير عادية مع صورتي الذاتية. فأنا -كما لاحظت بالطبع- أتناول إلى حد كبير بعض عيوبي منذ سنوات. لذا، نظريًا، كنتُ شديد الوعي بذاتي. ومع ذلك، في الحقيقة، لم أبحث أبدًا في الأشياء التي كنتُ أشعر بالخجل منها حقًا، وإنما أمضيت وقتي في التنقيب عن نوع العيوب التي يمكنني استخدامها كوقود للترفيه عن السخرية من الذات.
لقد بنيتُ مستوى مجنونًا من أسطورة الذات، ثم حطمتُ معظمها على الفور. ربما يفعل الجميع هذا على أي حال. من المرجح أن تختلف نتائجك.

الخطوة الثانية: تعلمت تقنيات الاستبطان التي مكّنتني من التفاعل مع “ذاتي المرفوضة”
بعد بضعة أيام، تناولتُ العشاء مع صديق قديم، والذي أُطلق عليه أصدقائنا لقب “ساحر العقول”؛ يمتلك مجموعةً واسعةً من تقنيات العلاج الذاتي الفريدة، والتي يُطلق عليها مُجتمعةً اسم “التأمل الذاتي”. يشمل عمله تحسين القدرة العقلية لعملائه من خلال منحهم إمكانية الوصول إلى بعض هذه الأدوات.
عندما تناولتُ البيتزا معه، لم أكن أعلم أن هذه وظيفته. كنتُ أعلم أنه يعمل في مجالٍ متعلقٍ بعلم النفس، ولكن ليس أكثر من ذلك. ولكن عندما أخبرتُه عن تجاربي مع تكامل الظل، أخبرني شيئًا أدهشني حقًا. قال إن هذا النوع من التكامل ليس غريبًا في عمله؛ فكثيرًا ما يكون لحل الصراع الداخلي آثارٌ مفاجئة. لم يكن يُقنعني بشيءٍ حقًا، لكنني خرجتُ من حديثنا وأنا أفكر في العمل معه.
بعد أسبوعين، التقينا في منزلي، وعقد جلسة معي. ما علمني إياه لا يختلف كثيرًا عما قد تتعلمه من علاجات العقل الباطن الأخرى، وهذا أمر أودّ توضيحه: حسنًا، لسنا “شخصًا واحدًا” فقط، أليس كذلك؟ جميعنا ندرك بديهيًا أننا مُكوّنون من أجزاء مختلفة. فكّر في عبارات مثل: “جزء مني يشعر بأن عليّ مسامحته، لكنني أعتقد أيضًا أنه شخص سيء”. بعضنا يريد جسدًا صحيًا، وجزء آخر يريد شطيرة برجر بالجبن، وهكذا.
فلماذا لا تُدخل هذه العقلية في العلاج؟ يشعر جزء منك بأنك ستظل دائمًا غير كفؤ. ولن تكون أبدًا بذكاء الأطفال الأذكياء، و لا بجمال الأطفال الجميلين، لذا فأنت ببساطة لا قيمة لك، وستبقى وحيدًا إلى الأبد!
وكم حاولتَ محاربة هذه الأفكار لسنوات. لكن هذا لم يُفلح أبدًا؛ بل إن محاربة هذه الأفكار غالبًا ما تُقويها. بدلًا من ذلك، يمكنك اتباع أسلوب بديل: تعامل مع هذا الجزء منك كعقل لا مركزي، كشخصية في مسرح ذاتك، وتواصل معه. استبدل الصراع الداخلي بنقاش داخلي قد يُصبح في النهاية تعاونًا داخليًا.
بالنسبة لي، كان هذا تحولاً جذرياً. لا أعلم إن كان عقلي يتكون من شخصيات صغيرة ذات أجندات مختلفة، صحيحاً تماماً. لكنني استفدت كثيراً من تبني هذا كعدسة. فبدلاً من التماهي مع أفكاري/مشاعري غير السارة (أنا فاشل = أكرهه) أو محاربتها (هذا ليس أنا = أرفضه)، أحاول الآن فهمها على أنها انبثاقات من أجزاء مني، أتفاعل معها بروح من الفضول المنفتح.
إليك ما حدث في جلستي الأولى مع صديقي.
طلب مني انتقاء موقف مزعج في حياتي، كبيرًا كان أم صغيرًا. لسببٍ ما، انصبّ تفكيري على أمرٍ تافه. بدا مكتبي بائسًا، بعد أربعة أشهر من العيش في منزلنا الجديد. عرضت عليّ زوجتي أن تأخذني للتسوق لشراء بعض الأشياء الجميلة التي تجعل مكتبي مكانًا أكثر بهجة. حتى أنها عرضت عليّ أن تُهديني قطعة أثرية أعجبتني، لأعلقها أمام مكتبي. جعلتني هذه العروض اللطيفة أشعر بالغرابة. كان هناك شيءٌ ما في فكرة قضاء الوقت في جعل مساحة عملي مريحة، مُقززًا ومحزنًا بعض الشيء بالنسبة لي.
طلب مني إغماض عينيّ، والتفكير في فوضى مكتبي المجنونة، ثم إخباره بما يخالجني من مشاعر.
وبذا، عندما أغمضت عينيّ وفكرت في تحسين مساحة عملي، شعرت بشيء ما في معدتي، كوجود كتلة صغيرة زيتية مشدودة تتلوى. كان شعورًا خفيفًا، لكنه حقيقي. طلب مني صديقي فتح قناة تواصل مع الجزء الذي يشعّ بهذا الشعور، وإخباره -أي ذاك الجزء- أنني أصغي إليه بكل اهتمام. (بدا طلبه غريبًا، لكنني رضخت له). وبمجرد أن فعلت، وبعد لحظات من التأمل الهادئ، بدأ يتحدث: بالأحرى، بدأ “يتقيأ” الذكريات.

تذكرت كيف عانيت من قلة النظافة في طفولتي، كرهت آنذاك جسدي والنظر إلى نفسي. وتذكرت شعوري بالقبح والوسخ. تذكرت تعرضي للانتقاد بسبب قلة نظافتي، بل وحتى التندّر على شكلي، والذي كان يعني أن مصيبة على وشك الحدوث. وهنا، اتجهت لأكثر تصرفات العلاج النفسي شيوعًا: عانقت ذلك الطفل القذر وطمأنته.
عمليًا، شعرتُ بالتوتر يخفّ؛ خُلقت مساحة داخلية صحية بيني وبين ذلك الطفل القذر في ذهني. لم يكن ذلك الشخص مطابقًا لي، ولست “أنا” مَن “كنت عليه”. في ذات الوقت، لم أكن مضطرًا لرفضه أيضًا. هذا القبول حفّز استرخاءً جسديًا كاملًا. كان التمرين أشبَه بفتح عدسة؛ يسمح إرخاؤها بدخول ضوء أكثر إلى الآلة.
مجددًا. هل اضطرابي العصبي الغريب نابعٌ من تعلم عاطفي غير سويّ من طفولتي؟ لا أدري. لكن أعلم أنني كنتُ مترددًا بعض الشيء في معاملة نفسي بلطف، وأن إعادة النظر في تاريخ خجلي من جسدي بدد هذا التردد، لسببٍ ما. بعد أن انتهينا من التمرين، شعرتُ براحةٍ وتحسن. أخبرني صديقي المزيد عن كيفية إدخال التأمل الذاتي في حياتي اليومية بنفسي، ثم غادر، ورتبتُ مكتبي بلطف، مندهشًا من هذا التحول السريع!
وهكذا واصلت حياتي.
وكلما شعرت بتوتر داخلي غريب -وذاك يتكرر كثيرًا- أحاول التأمل، والتحدث إلى جوانب مختلفة من نفسي، وأسعى للوصول إلى انسجام أعمق، وأتقبل أي أجزاء متعارضة من الوعي كنت أرفضها عادةً. كل ليلة، قبل النوم، كنت أجلس في سريري وأجري جردًا ذهنيًا صغيرًا للمشاعر التي اختبرتها خلال اليوم، وأجري تأملًا داخليًا مناسبًا.
على سبيل المثال، كنتُ أفكر -ذات يوم- في انزعاجي غير المبرر من أحدهم على الإنترنت، وانتبهت كيف أنه ذكّرني بأسوأ صفاتي، فتوقفت لأتعمق في ذلك الجانب الصغير من شكوكي بنفسي، ومنحته بعض اللطف والتفهم.
ربما لم تُفضِ أيٌّ من لحظات التأمل هذه إلى أي شيء يُضاهي القفزة النوعية التي حققتها جلسة التخلص من السموم الأولى، لكنني أشعر -شيئًا فشيئًا- أنني أبدأ في فهم نفسي بحب، وأشعر وكأنني أستخدم مصدر طاقة أنظف.