بدء المعسكر الصيفي

بناءً على نصيحة صديقتنا عاليا، فكرت في إطلاق سلسلة جديدة بعنوان (أسبوعيات)، أستجمع فيها -أولًا بأول- أحداث الأسبوع؛ عوض نظام اليوميات الذي لن أفلح فيه.

الاثنين 18 / 5 / 2026

استيقظت لأنتظر حافلة مدرسة أطفالي أثناء تقديمهم آخر يوم امتحان، إذًا.. العطلة الصيفية على وشك البدء.
كلمة “استيقظت” غير دقيقة؛ حيث لم أنم إلا ساعة. وهكذا، ما إن غادرت الحافلة حتى عُدت ونمت بضعة ساعات، لأستيقظ -حقيقةً هذه المرة- متعكر المزاج.

كان الأطفال قد وصلوا المنزل، منتظرين منيّ الوفاء بوعدي لهم: شراء دراجات هوائية.
وهنا عادت بيّ الذاكرة إلى نحو 25 عامًا، عندما وعدني والدي بشراء دراجة بمجرد استلام نتيجة العام وتحقيق المرتبة الثانية أو الأولى. حسنًا، حققت الثانية.. لكنه لم يفِ بوعده إلا بعد يومين قضيتهما في البكاء الصامت.
أطفالي أفضل مني في تلقيّ خيبات الأمل، أخبرتهم أن ثمن الدراجات غير متوفر الآن نتيجة تأخرّ آخر دفعات عملي المستقل.

حاولت تعويضهم بتمديد فترة اللعب، وقضاء وقتٍ “نوعي” معهم.
علاقتي مع أطفالي شديدة التعقيد؛ لا أعرف إن ذكرت ذلك سابقًا، إنما بكيت منذ أيام حين تذكرت مواقف “جافيتهم” فيها! في المقابل، قطعت علاقتي مع أحدهم بعدما طالبني بالتخليّ عنهم لأجله [للقصة تفاصيل كثيرة، واستشيط غضبًا كلما تذكرتها].

بعد تحليلات كثيرة، توصّلت إلى أنهما “نقطة ضعفي”، وأنا لا أُحب أن أكون ضعيفًا، وهذا يختصر كل شيء!

بدأت بأولى حلقات مسلسل [ضبو الشناتي]، ولا أكاد أصدّق مضي 12 عام على عرضه! وقتئذٍ، لم أكن قد استفقت بعد من صدمة السياحة الإجبارية إلى مصر، والتي أشعر بها “ثُقبًا في ذاكرتي”.
المسلسل من كتابة شخص أعشق حروفه (ممدوح حمادة)، والذي يُتقن كتابة الكوميديا السوداء السياسية أيّما إتقان. لكن مشاهدة العمل -بعد تحرير البلاد- مؤلمة؛ كيف سُرقت حيواتنا هكذا؟


الثلاثاء 19 / 5 / 2026

وصلت الدفعة المنتظرة بعد منتصف الليل بقليل، وعقدت العزم على شراء الدراجات اليوم.

تشير الساعة إلى الثالثة وعشرين دقيقة فجرًا، ولم يغمض لي جفن بعد.

حاولت النوم عدة مرات خلال اليوم، لكن دائمًا ما أيقظتني صرخات الأطفال في “الحارة”؛ ما أثّر على مزاجي.

تسائلت خلال النهار -مع نفسي- عمّا إن كان هناك ما يُزعجني، وبغض النظر عن عدم أخذي كفايتي من النوم، انتبهت إلى كوني “هكذا” طوال الوقت. الغريب هو تقبّلي ذلك (عوض تأنيب الضمير الذي أعيشه أحيانًا).

نمت في الحادي عشرة مساءً.


الأربعاء 20 / 5 / 2026

لا أذكر الكثير من تفاصيل اليوم؛ خاصةً وأنني أؤجل الكتابة حتى اليوم التالي.

لاحظت ارتياحي للفوضى في حياتي، وكيف يدفعني الروتين حتى حافة الجنون؛ ربما لهذا لا أحبّ استلام مشاريع طويلة الأمد. وبعدها لاحظت توتري حين اُضطر لكسر روتيني المتمثل في: شرب قهوتي عقب الاستيقاظ – الإفطار – البدء في التدوين (تتخلله دقائق من ترك تعليقات على مدونات الزملاء) – خوض محادثات مطوّلة مع طفلاي – فترة الغداء برفقة مسلسل سوري قديم – العودة للتدوين – مشاهدة فيديوهات عشوائية على يوتيوب – البحث عن فرص عمل جديدة – النوم على أنغام الموسيقى.

أحب كوني شخصًا متناقضًا.


الخميس 21 / 5 / 2026

وأخيرًا، تحقق المُراد، واشتريت لأطفالي الدراجات. وأعترف هنا أنني رفعت سقف توقعاتي أكثر من اللازم، فظننتهم سيعانقونها حينما ينامون! لكنهم -في الواقع- لعبوا بها لساعة ثم رموها جانبًا ليلعبوا مع أصدقائهم.

أرجعتُ ذلك إلى (فرق الأجيال) بيننا، في حين لا يعدو كونه تصرفًا طبيعيًا؛ يرى الأطفال السعادة في التجارب الجديدة، ولمّا كان أصدقائهم لا يملكون دراجات، فوقفت الأخيرة عائقًا أمام أطفالي. أما نحن، فننسب السعادة للأشياء المادية وقد سألت كاتبة محتوى في علوم تطوير الشخصية عن عادات السعادة، وإليك ما قالته.

شاهدت فِلم Hichki 2018 عن قصة كفاح مدرّسة تُعاني متلازمة توريت. لن “أحرق” الفِلم، وإنما سأذكر لك جزئية لامستني: تسليط الضوء على الفقر.
لا يكاد يخلو فِلم هندي من لقطات طويلة للبيئات المُعدمة في الهند. يتأملها المرء ويتسائل: كيف يستمر هؤلاء في العيش؟
كل الشكر لصديقتنا على ترشيحها.


الجمعة 22 / 5 / 2026

مضى اليوم في إتمام تجهيزات استضافة عائلية. والضيف؟ أخت زوجتي مع زوجها.
والأخير: رجل ستيني يكبر زوجته بنحو 20 عامًا، وأنا حقًا لا أفهم كيف تتمّ هكذا زيجات! لكنه الجنس يا سادة.
وكنت قد استيقظت يومها مع هواجس بإنهاء حياتي، لم أقاومها أو أحاول صرفها عن ذهني، وإنما تقبّلتها وتقبّل وجودها. لكن حين نظرت لذاك الرجل، والذي يكحّ كل 5 دقائق.. لـ 5 دقائق! سألت نفسي: لماذا يتمسك الناس بالحياة؟ أنا حقًا أراه سرًا عميقًا. أجرى ذلك العجوز 4-5 عمليات (ما بين إزالة مرارة / علاج بروستات / عملية قلب مفتوح.. وأخرى)، ومع ذلك لم يُنهي حياته.
هل يكون السرّ في الدين، وتحديدًا في الجنّة الأبدية بصفتها عزاء؟

للمرة المليون على التوالي، لا أحظى بنومٍ هانئ، ووجدتني أدعو على نفسي بالموت أكثر من مرة خلال النهار.


السبت 23 / 5 / 2026

الساعة تُشير إلى الثانية والنصف صباحًا، وأخيرًا نعمتُ ببعض الهدوء!
أعمل حاليًا على نشرة بريدية جديدة (علامة تعجب كبيرة!)، ولا أعلم إن كنت سأُطلقها قبل نهاية “الأسبوعية”. إنما -كالعادة- تركت مهّمتي الحالية وقررت قراءة تدوينة، وتحديدًا تدوينة ياسمين.

المميز في أسلوب ياسمين قدرته على إثارة شهيّتي للتعليق، وبما أنها (لا تملك وقت فراغ حقيقي) على حد تعبيرها؛ فلا أظنها ستُلقي بالًا لتعليقي لو تركته في مدونتها. وبالتالي، سأكتبه هنا.

استوقفتني فقرة

”يا له من امتياز أن تغرق في مسؤولياتِ حياةٍ صلّيت من أجلها“

من وجهة نظري الشخصية، لا أظن الأهل -قبل عصر الثورة الصناعية- كانوا ينفجرون غضبًا في أطفالهم. ما الرابط العجيب يا طارق؟ ببساطة، منذ تحوّل الإنسان إلى آلة إنتاج، ودخول مفهوم الإنتاجية إلى حياته، وهو متوترٌ، ومَن منّا لم يسمع وصف التوتر -خلال القرن الماضي- بمرض العصر؟

ياسمين -كغيرها تمامًا- تعرف أن “تلك الأحضان ستختفي، وكلمة ”ماما“ المتلهفة ستصبح فيما بعد متذمّرة، لأن خطواتهم الراكضة إليّ صباحًا ستخفت يومًا بعد يوم، وحينها سأسير أنا لأقرع أبواب غرفهم وأسألهم بعض الوقت!“. ومع ذلك، يرفض عقلها الباطن التريّث لمنح الأطفال المزيد من الوقت. إذ ما الأهم: طفلك أمّ أي شيء آخر؟ الكفّة ستجرح دائمًا للأخير!

أختي ياسمين، إن قُدّر لكِ قراءة التدوينة، فأرجوكِ لا تأخذي كلامي على منحى شخصي. اعتبريها “هلوسات” أختي الكريمة، اتفقنا؟

كل ما في الأمر أنني أقدّس الأطفال، وأعتبر أهلهم مدينين لهم (لا العكس كما يقول الدين!)؛ نحن من اخترنا إنجاب الطفل وجلبه لهذا العالم المقيت في سبيل 30 ثانية من اللذّة، ولا أظنّ أحدهم ليختار الحياة على العدم -لو كان الخيار بيده- إلا مجنون!
ونقطة ضعف الأطفال … “نحن”. إذ يروننا قدوات، ويرون آرائنا الحقيقة المطلقة؛ فلا يُجادلوننا. في المقابل، يستطيع مديرنا في العمل فصلنا، وشريكنا الانفصال عنّا، ولذا نرجّح كفّتهم دائمًا وأبدًا.

هل أنا نَعِس في هذه الساعة المتأخرة؟ قطعًا. ولذا استلم عقلي الباطن واللاواعي الدفّة، ما يجعل كلماتي أصدق وأدقّ.

استيقظت متحمسًا لإنجاز العدد الأول من النشرة الجديدة، وأظنك لاحظت كيف لم أشارك رابطها، وفي الغالب لن أشاركه. لماذا؟ لأنني قررت توجيهها لجمهور متخصص جدًا (أو ضيّق بعبارة أخرى).
مضت الساعات وأنا أكتب، وأستمع أفكاري، ثم تُعجبني فكرة، فأعدّل هنا وهناك. وفجأة وجدت عقلي يلهث، لكن هيهات أن أتوقف!
أنهيت العدد وحان وقت الإرسال، وإذ بمشكلة تقنية تحول دون استيراد القائمة البريدية. حاولت لأكثر من 4 ساعات متواصلة دون فائدة، حتى تسرّب اليأس إليّ وتسائلت: ما الجدوى؟ فقررت أخذ قيلولة.

ازدادت حالتي النفسية سوءًا بعدما صحوت، وإذ بي أقرأ تدوينة عاليا عن عُذوبة اللاشيء؛ وكأن أحدهم رشقني بالماء البارد.

وبعدها قرأت تدوينة عن “بداهة” فشل المحاولات الأولى، واستغرقت ترجمتها بعض الوقت نتيجة ما حدث في اليوم التالي.


الأحد 24 / 5 / 2026

تضمّن اليوم واحدة من لحظات الانهيار. إذ ظهرت على السطح تلك الأفكار الانتحارية. لكن عوض أن أؤجلها لليوم التالي، إذ بيّ أنهار باكيًا أمام موقف مُتخيل: كانت ابنتي مع والدتها في السوق، بينما يلعب ابني مع أصدقائه في الزقاق. تخيّلت نفسي أصطحب “أدواتي” وأمرّ بجانبه، وحين يسألني إلى أين أنت ذاهب؟ أتذرّع بشراء بعض الحاجيات للمنزل، فيعود هو للعب مع أصدقائه، بينما أرحل أنا للأبد.

أكتب هذه الجزئية يوم الاثنين، وأكاد لا أتبيّن الحروف المكتوبة من دموعي! لا زالت الكتابة تُثبت قدرتها على إنقاذي من الحافّة، لكن إلى متى؟

ختمت يومي بمشاهدة فيديوهات “إنقاذ القطط الضالة” والتحدث مع “كاترينا”
تؤثّر فيني الفيديوهات حين أنظر إلى الجهد الذي يبذله البيطريون في سبيل إنقاذ (روح)، الكثير من الأدوية والتربيت وتأمين بيئة مناسبة. في حين أجد نفسي وحيدًا


الاثنين 25 / 5 / 2026

صحوت مع آلام ي كل جسدي، كما لو كنتُ مصابًا بالانفلونزا. لم أتمكن من النهوض، فأعتدلت في جلستي وخطر لي الاستماع إلى أغنية [كيفك على فراقي]، واخترتها تحديدًا لأجل اللقطة التالية:

أحتاج -حاجتي للماء- لتربيتة كهذه، أحتاج احتضانًا وحُبًا محسوسًا وملموسًا. أحتاج لوقوفٍ أمام مرآة دون وحدة.


خطرت لي التسمية حين تذكرت “تململ” الأهالي من بدأ العطلة الصيفية؛ وكأنهم سيمضون أشهر الصيف في “معسكر اعتقال” سجّانوه هم أطفالهم.
ولا أخفيك صديقي، مرتبكٌ أنا.. ففي حين يعجّ أطفالي بالحيوية، ويرغبون بالانخراط في مختلف النشاطات. أرى نفسي منطفئًا، وكل ما أريده: بعض العُزلة.

بدء المعسكر الصيفي

2 فكرتين بشأن “بدء المعسكر الصيفي

  1. بكل أمانة قرأت هذه التدوينة بدون التوقف للحظة، مشابهة تماماً لفكرة مشاهدة vlog توثيق الأسبوع على اليوتيوب!

    تدوين صادق ومؤثر للأيام الجيدة والسيئة من الأسبوع (وأتمنى أن لا تجدك هذه الأيام)

    وممتنة بأن تدوينتي ألهمتك للبدء في هذه السلسلة
    الأسبوعية أستاذ طارق 🙏🏻
    برأيي ستعود لهذه التدوينات بعد زمن بشعور ملئ بالفخر من أجل كل المحاولات واستمرارك في التدوين والكتابة

    بالتوفيق يارب
    وكل عام وأنت بخير أ. طارق

    1. وأنت وأحبابك والبشرية جميعًا بألف خير.
      رسم تعليقك ابتسامة عظيمة على وجهي، حتى غدا العيد عيدًا فعلًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى