إنه الأول من سبتمبر/أيلول ٢٠٢١.
أقف في زقاق بجوار عيادة الأسنان، أحاول جاهدًا التقاط أنفاسي؛ رئتيّ كأنهما قد انكمشتا.
ضحكتُ قليلاً من المفارقة: عادةً مرضاي من يُصابون بنوبة هلع، لكن اليوم، جاء دوري. لماذا؟ لأنني كنتُ على وشك التخليّ عن مجال طب الأسنان بالكامل، ومديري الجديد لا يعلم شيئًا. ألقيتُ نظرةً خاطفةً على ساعتي، ورأيته أنه ينتظرني منذ عشر دقائق. يُفترض أن يكون غدًا أول يوم عمل لي، أما اليوم، فكان يُخطط لأخذي في جولة تعريفية بالعيادة.
ستكون هذه أسوأ محادثة في حياتي!
حسناً. التقطت أنفاسي .. نوعًا ما، أو بما يكفي للدخول ومواجهة الأمر. أومأتُ برأسي بعزم، وقفتُ منتصبًا، واستدرتُ نحو الزاوية. طرقتُ الباب قبل أن أُغير رأيي. سأكون حازمًا ومباشرًا.
انفتح الباب فجأةً، واستقبلني مديري بوجهه البشوش مع فريق ممرضات يبتسمن خلفه..
تلاشت عزيمتي.

“يا إلهي، لا أستطيع فعلها”، أدركتُ ذلك وأنا أمدّ يدي لمصافحته دون وعي. ليسحبني بعدها إلى داخل العيادة.
قال “نحن سعداء جدًا بوجودك معنا”، وعبّرت عن شعوري المماثل وأنا على وشك التقيؤ.
تلتها عشرون دقيقة من الإحراج الشديد. قابلت ممرضات لن أعمل معهن أبدًا، واخترت أدوات لن أستخدمها، وناقشت حالات مرضى لن أراهم أبدًا.
“ربما أتظاهر غدًا أنني خُطفت”، فكرت: تبدو الخطة البديلة أسهل من الأصلية!
بعد ما بدا دهرًا، دعاني مديري الجديد إلى الطابق العلوي لمناقشة التفاصيل، وعقب دخولنا مكتبه. أشار إلى كرسي ودعاني للجلوس.
حانت اللحظة، اهدئ فحسب.
“ما رأيك؟” قالها وهو يجلس إلى الخلف بابتسامة واثقة. وإذ بي أصرخ وبصوتٍ أعلى بعشرة ديسيبل مما كنتُ أنوي “أنا أستقيل!”
تغيرت ملامح وجهه وسألني عن السبب.
“لا أستطيع قبول هذه الوظيفة. أنا آسف حقًا” شعرتُ بذنبٍ شديدٍ ينهش معدتي. كانت هذه عيادته الجديدة، وكنا نتحدث منذ ستة أشهر لأكون طبيب الأسنان الرئيسي فيها. وعلى الورق، كانت وظيفة الأحلام. لكنها لم تعد حلمي.
قال: “لكنك تعمل في المجال منذ خمس سنوات فقط. لا يُعقل أن تستلم الآن”. أضحكني جوابه، فقلت: “بالضبط. إن لم يكن الآن، فمتى؟”
حاول ثنييّ عن قراري، ولكن بمجرد إدراكه جدّيتي، حوّل تركيزه:

“إذن ما خطوتك القادمة؟”
يا إلهي، ها نحن ذا أمام السؤال المُرعب.
أجبته “سأصبح كاتبًا” لترتسم تعابير الشفقة على وجهه، ولم تكن المرة الأولى التي أرى فيها ردة فعل كهذه. أثنى على الفكرة بإدعاء واضح، وسألني ما إن كنت أنتوي تأليف كتاب أو شيئًا من هذا القبيل. لأبدأ أتلعثم في الرد “همم، ليس تمامًا”
شرحتُ أنني ملئت أوقات فراغي بالكتابة الرقمية قبل عام، في محاولةٍ لسدّ فراغٍ كبيرٍ في قلبي، فراغٍ ناتجٍ عن شعوري بعدم الرضا. وكيف أن ما بدأ هوايةً جانبية سرعان ما تحوّل إلى شغفٍ حقيقي. لم أكن بارعًا في الكتابة، لكنني كنتُ أتوقُ للاستيقاظ كل صباح. لم أشعر بمثل هذه الحيوية كما شعرتُ وأنا أجلس أمام الكمبيوتر، أحتسي الشاي، وأكتب على لوحة المفاتيح. كلما كتبتُ أكثر، زاد شغفي بالكتابة.
وكلما قدت سيارتي -كل صباحٍ- إلى العمل، شعرت وكأنني أرتكب خطيئة. وختمت قائلًا: “كل ما أعرفه أنني إذا استمتعتُ بشيءٍ إلى هذا الحد، فسأندم إن لم أحاول”
ودّعنا بعضنا ثم غادرتُ العيادة، وخطوتُ على الرصيف المرصوف بالحصى. ثم تنفستُ الصعداء وابتسمتُ بينما لامست أشعة شمس الصباح وجهي. وإذ بامرأةٌ عابرة تبتسم ليّ، وكانت تلك أول مرة أنظر فيها إلى الأسنان دون أن أفكر في العمل!

حان الوقت لتحقيق حلمي
ماذا ستمنحك الكتابة؟ ليتني أستطيع إخبارك أن الكلمات تدفقت من أناملي والمال إلى محفظتي في اليوم التالي، لكنني دخلت الهاوية .. وتبًا! كانت أظلَم مما توقعت.
لم أتوقع جموح متلازمة المحتال أثناء محاولة الترويج لنفسي، ولا خوفي الراسخ من رفض أفكاري. ولم أتخيل كمّ الشك الذاتي الذي سيطل برأسه القبيح حتى مع قرارات بسيطة كاختيار تخصصي (والذي يمكنك تجنّبه بالمناسبة).
لكنني لم أندم على قراري أبدًا؛ حتى في أصعب الأوقات، علمت أنني مُحقّ.
أردت ترك بصمة بأفكاري
أردت مهنة أُكافأ فيها على تفكيري، وأكسب من خلالها بعقلي لا بوقتي. سعيت خلف شعور بأن ما أتعلمه لن يذهب سدى، بحثت عن إمضاء أيامي في ابتكار ما أفتخر به، والحرية في العمل وفق شروطي، ومن أي مكان في العالم.
والكتابة تُمكّنك من ذلك كله. باستطاعتك الوصول إلى العالم دون استئذان أحد، وبمقدورك مشاركة ما يُلهمك وجذب جمهور يُشاركك نفس الشغف، كما يمكنك تقديم حلول لمشاكل “تشغلك حقًا” مع أشخاص تُحب العمل معهم، وتحصيل أجر لإحداث تغيير حقيقي.
قد لا تعتبر نفسك كاتبًا بالمعنى التقليدي
لكن لا أهمية للمسمى بقدر أهمية الفعل.. أو بالأحرى، نتيجة الفعل.
تمنحك الكتابة الموثوقية، والثقة، وخيارات متعددة. يُهيئ ريادي المحتوى بيئة خصبة لازدهار الفرص. سواءً أكان ذلك عملاء، أو علاقات، أو مجرد شعور بالغاية.

التدوينة ترجمة لأحد أعداد نشرة Kieran drew البريدية، يقدم كيران دورة مكثفة في الكتابة لمدة ستة أسابيع بعنوان “دورة الكتابة الجذابة Magnetic Writing Masterclass”. والدورة مُخصصة للمؤسسين الجادين، ورواد الأعمال، والكتاب الطموحين الراغبين في مشاركة أفكار تُساهم في بناء علامة تجارية وأعمال ناجحة.
وتلك ذات الفكرة التي يقدّمها مجتمع رديف، مع بعض الفروق الجوهرية:
- تكلفة الاشتراك في دورة كيران لمدة ستة أسابيع 997$ أو ما يُعادل الاشتراك لـ 16.5 سنة متتالية في مجتمع رديف!
- مجتمع رديف عربي بالكامل؛ أعضائه عرب وحلوله واقتراحاته ملائمة للسوق العربي.
- ومع ذلك، ثمّة وجه تشابه بينهما: لم يُدفع لي قرش في سبيل التسويق لهما [دعابة! هل ضحكت؟]
وفي سياق متصل
واجبٌ عليّ شكر كلٍ من الأفاضل والفاضلات: توحيدة – مصطفى – مرام – بحر – دينا – ريمة – ندى لمساندتي بكلماتهم في أزمتي [ولمن فاتته الفرصة، لا زال بإمكانه دعمي].
وشكري الأكبر للكتابة؛ وحدها من حررتني من قيودي. يكفي أن وصلني مشروع كتابة مذهل بعد نشري آخر تدوينة، والذي لولاه لاقتربت أكثر من الحافة!
وأخصّ الكتابة المستقلة بالامتنان، التي سمحت ليّ بالانكباب على المشروع دون الحاجة لمواجهة الناس والابتسام في وجوههم. وبفضل الكتابة المستقلة، بقيت قريبًا من عائلتي وتفتّحت بصيرتي على جوانب كثيرة، من ضمنها: دوري كأبّ لا يمكن لكنوز الدنيا أن تعوّضه (وكنت أرى في نفسي مجرد “مصَرف” يلجئون إليه حين يحتاجون مالًا).
الكتابة مشروع حياة، لا بالمعنى التقليدي فحسب، إنما بمعناها الأعمق: منح قيمة لحياة الإنسان.
ربما لم تغادرني الحافّة، ولم أغادرها.. بعد. لكنها الشيء الوحيد الذي تقتات عليه روحي اليوم.
اليوم، أبني عالمي، حتى وإن لم يسكنه أحد غيري.
شكر خاص وعميق لصاحبة الكلمات التالية:
