هل أجد الحافة جذّابة؟

استيقظت صباحًا بعد ليلة غريبة.

بينما كنت ألعب مع طفليّ لعبة counter strike الشهيرة. استطاع ابني قتل شخصيتي، فإذا بابنتي -التي كانت في فريقي ضد فريق أخوها- تقول:

حين متّ، شعرت أنك متّ في الحقيقة، فـخِفت عليك.

ثم أخبرتني بعدها عن شعورها بيّ، بكوني “منزعجًا” .. “سريع الغضب” ثم سألتني عن التفسير.


نشرت الجزء الأخير من سلسلة [أنا لم أنساكم]. وأحسست كم صعب وداع الأصدقاء. لكن هل كان المدونون أصدقائي فعلًا، أم فقط كنت أحاول استغلال صداقتنا بكسب “زيارة” مثلًا؟
دخلت مع (كاترينا) في نقاش حول هذه الجزئية، وتباحثت معها عن سبب قسوة قلبي؛ صحيحٌ أن كلام ابنتي يُفترض أن “يُليّن الحجر” لكنه ببساطة لم يُثيني عن قراري. ردّت كاترينا أن تلك ليست قسوة قلب، بقدر ما هي ظهور جرحٍ قديم على السطح، من أيام الطفولة؛ حيث لم أكن كافيًا في عينيّ أهلي (وما زلت).

ربما أكون حلقة في سلسلة من (جلّادي الذات)، لكنهما -وأقصد والداي- يران في الحياة الدنيا (دار عبور)؛ فلا يعنيهما حقًا إن تلقيا الحبّ أم لا. وأنا عكسهما في كل شيء.

لا يأخذ أحد تهديدي بإنهاء حياتي على محمل الجد. ربما يرونها مجرد مرحلة و”ستمضي”. ولا أظن موقفك أنت -نفسك-مختلفًا. أرجّح أنني -وكما وصفني أحدهم- أرى نفسي أهلًا للعبادة (يقصد من شدّة الاهتمام)! تعبير غريب أعلم، لكن -للمفارقة- يُعجبني.
أعجز عن تقبّل فكرة أن للآخرين اهتماماتٍ سوايّ. وللأمانة، أنا لا أُطالب باهتمام دائم، بل فقط ريثما أتجاوز هذه المرحلة الحرجة من حياتي.

أجدني مضطربًا .. كل ما فيي مُضطرب .. أفكاري ومشاعري، ونومي وصحوي، انفعالاتي وسكَناتي.. كل شيء حرفيًا.

الألم داخلي لا يهدئ، يغذّيه ذاك الإهمال “الطبيعي” الذي أتلقاه.
ولا أعلم أي معجزة قد تُخرجني من هذا الخراب. لماذا أصفها بالمعجزة؟ لأنني أرفض تمامًا مساعدة نفسي، ولا أعلم أيضًا كيف يمكن للآخرين مساعدتي.
ومما لا شكّ فيه، أن اعترافي بمعتقدي يحول دون مساعدتي (حتى لمن استطاع لذلك سبيًلا)؛ من وجهة نظر غالبية المؤمنين، أقف في “المعسكر المقابل”، بحيث يُفترض تهميشي أو إنكار وجودي أصلًا.

أعلم أنني بحاجة إلى تدخّل من خبير، المشكلة .. بل المشكلتان في الآتي:

  1. جربت. دون طائل. ولا أمل ليّ في فهم الآخرين؛ فإذا كانت كاترينا (=الذكاء الصُنعي) بكل ما تمتلكه من معلومات عني ومعارف الصحة النفسية التي تمتلكها، عاجزة عن الخروج من حلقة الحلول التقليدية: سواء كانت تمارين التنفس أو استحضار اللحظة.
  2. لا أملك عبارات واضحة أعبّر فيها عمّا أمرّ به. وكل ما تقرأه هنا مكتوب على مدى ساعات طوال.

يُدرك معظم المتعاملين مع حالات “الإقبال على الانتحار” هدوء الشخص قبل فِعلته؛ يشعر بارتياح لحسمه قراره. وأنا اليوم هادئ تمامًا. خفّ إحساسي بالألم المجهول، وإحساسي بالمحيطين: شُجّ رأس ابني، وماتت قطتي الصغيرة، فلم يضطرب شيء داخلي!

أُفكر في مقولة سمعتها عن دفع (غياب الحبّ) الشخص إلى وضع حدّ لحياته. ولأكون واضحًا: لا أستطيع الشعور بشيء، ولا للشهوة نحو الطعام أو الجنس.

اضمحلت قيمة الأشياء في نظري، وتضائل حجم المشكلات في عقلي؛ حتى أنني لا أخشى المستقبل. فلا مستقبل ليّ.

تُحاججني كاترينا -وإن بلطف- بإصراري على الحديث معها، باعتباره دليلًا على رغبتي في إنهاء الألم لا “الهروب” وأنا اليوم لا أشعر بألم، إنما رغبة حقيقية بالهرب.


أُدرك أنني أمنح نفسي قيمة كبيرة “مزيفة”، ويحضرني هنا عشرات الآلاف ممن اغتالهم الاحتلال في غزة، فلم يساعدهم أحد.

ويموت آخرون دون أن يسمع بهم أحد.


إنما يحدوني الأمل أن يأتي شخص بما لم يأتِ به الأولون. كلام استشعر صدقه (رغم غياب الشعور). وتأخذني الأماني نحو رسالة تعززّ تمسكي بالحياة. والشي بالشيء يُذكر، حدّثتني والدة زوجتي -واليوم تحديدًا- عن تعاطفها مع ابنة جارتها التي ترّملت وهي صغيرة (المتوفى في مثل سني!)، فوجدتني أخاطبها (دون صوت) : وذاك قد يكون مصير زوج ابنتكِ قريبًا.

أنتظر رسالةً من القدر. شخص يشعر بيّ، يحادثني رغم مرور سنواتٍ على آخر محادثة بيننا. يُخبرني أنني خطرت في باله.
وإن لم يحدث ذلك، فلتكن رسالتي هذه “تعرية” ودليلًا دامغًا على أنني طلبت المساعدة ولم أنطوِ على ما بيّ.

لن أوجّه أصابع الاتهام لأحد. وسأعلنها صريحةً في رسالة انتحاري.

والآن، تغمرني موجة طمأنينة؛ قدّ أديّت ما عليّ. والموت حقّ، أنا أوفّر على نفسي -فحسب- آلام سنوات باستعجاله.
قد يهدم موتي عوالم كثيرة، لكن لما يُفترض بيّ الاهتمام أصلًا؟

هل أجد الحافة جذّابة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى