بعد يوم عمل طويل أُمضيه أمام الشاشات، كنتُ أندسّ في فراشي وأحدق في هاتفي حتى أغفو. وإذا لم أنشغل بتصفح عناوين الأخبار الكئيبة، غرقت في قراءة التعليقات البغيضة على مواقع التواصل الاجتماعي أو عِشت “دراما الشركة” عبر تطبيقات العمل الجماعي مثل سلاك Slack. خلاصة القول: عِشت دائمًا على الشابكة.
كان طقسًا يبدأ قبل النوم بكثير. ومع انتصاف الليلة، أكون قد تصفحت الخوارزميات لساعات متواصلة، وبالكاد أهتم بالبرامج التلفزيونية المعروضة في الخلفية، وأستمع بنصف انتباه فقط إلى المحادثات من حولي. وسواء أكانت دوامة الأخبار الكئيبة المتواصلة، أو الآراء السامة حول الثقافة الشعبية، أو المنشورات التي تنتقد مثالية اللينكدإنيين، دائمًا ما صادفت “كبش فداء”!
وعندما يحلّ النوم أخيرًا، يكون مضطربًا ومليئًا بالقلق. ومع غرق عقلي في مخاوف من كوارث مختلفة وخطابات المحرضين على الشابكة، فلا عجب أن تغزوني الكوابيس. حتى جاءت ليلة سيئة، أدركت بعدها أن عليّ تغيير الوضع. وفي محاولة للتخلص من سيطرة هاتفي الخبيثة، بدأت أبحث عن شيء يشغل انتباهي بشكل أفضل. بدت الكتب الحل الأمثل، وسرعان ما اتجهت إلى القصص المصورة.

في صغري، كنتُ قارئًا نهمًا للقصص المصورة، إذ نشأتُ في أوائل التسعينيات على مجلتيّ “بينو Beano” و”داندي Dandy”، قبل أن أنتقل إلى “مغامرات تان تان Adventures of Tintin” و”أستريكس Asterix”. ومنها، انتقلتُ إلى مجموعة والدي من مجلة “2000AD”، والتي أثارت في نفسي -أثناء مراهقتي الأولى- نوعًا من الإثارة المحظورة نظرًا لقصصها شديدة العنف. ثم التهمتُ كل ما وقع بين يدي. “بريتشر Preacher”، “ساند مان The Sandman”، “ووتشمن Watchmen”، “باتمان Batman ” .. قرأتُ كل شيء.
لكن بعدما بلغت الثلاثين، فقدت نهمي السابق للقراءة
ثم تغير ذلك في أواخر عام ٢٠٢٤، عندما قررت -أخيرًا- التخلي عن تصفح الأخبار السلبية. مدفوعًا بالضجة التي أثيرت على الإنترنت حول الولاية الثانية الوشيكة لدونالد ترامب، أدركت أنني بحاجة إلى الحفاظ على صحتي النفسية ووضع عادات جديدة قبل أن يستحوذ عليّ الخوف والغضب تمامًا. ومن يعرف أكثر من طفلك الداخلي عن رعاية الذات؟
وهكذا، عوض التقاط هاتفي في المساء، التقط قصة مصورة. أعادت إليّ قراءتها -كشخص بالغ- شعور الدهشة الطفولية التي تجاوزت مخاوفي. ولاحظت تحسنًا في جودة نومي، وأصبحت أحلامي أكثر خيالاً وأقل تأثراً بمخاوف الحياة اليومية المبتذلة.
بتّ أستيقظ كل صباح منتعشًا ومتحررًا من سلبيات تمرير الأخبار الكارثية على صفحات التواصل الاجتماعي. وبفضل الصور والأفكار الزاهية التي وجدتها في القصص المصورة، تمكنت من توجيه “هِبة الإبداع” هذه نحو عملي بصفتي صحافيًا. كما قلّت رغبتي بتصفح قنوات العمل الرقمية عثب مغادرة المكتب؛ أصبحَت الأمسيات “أثمن” حيث أُمضيها في قراءة القصص المصورة.
بسبب عشر سنوات من التنقل السريع بين التطبيقات؛ لم أفطن لمدى تدهور تركيزي. لكن سرعان ما تحسن الوضع، نتيجةً لاستثمار وقتي وجهدي في قراءة سلسلة قصص مصورة طويلة أو رواية مصورة حتى النهاية. وقد رافقه شعور بالإنجاز، عوض إحساسي -السابق- بالذنب كلما أدركت أنني قضيت الساعة الماضية على موقع ريديت!
بصفتي شخصًا يميل عقله إلى التشتت والانهيار عندما يُترك لأفكاره المدمرة، فقد وفرت لي القصص المصورة ملاذًا آمنًا سمح لي بمواجهة مخاوفي من نهاية العالم، والطغاة، وثورة الذكاء الصُنعي. قد لا تبدو قصص الخيال العلمي الديستوبية وقصص الرعب المصورة مناسبة للقراءة قبل النوم، لكنها بدت لي متنفسًا صحيًا مقارنةً بالهلع غير المجدي الذي يبثه المعلقون على الإنترنت.
إن إعادة اكتشاف حبي للقصص المصورة لا يعني دفن رأسي في الرمال بالانغماس في عوالم خيالية، بل يعني تخصيص بعض الوقت لرعاية ذاتي في عالم يزداد استنزافًا لطاقتنا الذهنية. لقد حسّن التخلي عن أمسياتي الملتصقة بهاتفي مزاجي وإبداعي ونظرتي العامة للحياة.
أطلقت العنان لطفلي الداخلي، ولم أندم على ذلك أبدًا.
- كيف تكون فضوليًا في الحياة .. دون تشتت انتباهك؟
- هل ما زالت مشاركة تفاصيل حيواتنا ممتعة؟
- نعم! يمكنك الوصول إلى الرضا التام عن نفسك
- أين تكمن عبقريتك الإبداعية؟
استمتعت جدًا بقراءة هذه التدوينة، وشعرت أنه يمكن لنسخة أخرى منا أيضًا التغلب على التشتت وبدون حرمان يؤدي إلى انتكاسة..
شكرًا على الترجمة الرائعة أ. طارق
ابتهجت لقراءة تعليقك أختي ندى.