طرف خيط: تُشير الساعة إلى الثالثة والنصف من فجر يوم الجمعة. عادةً ما أفقد اتصالي بذاتي في مثل هذا الوقت (بعدما أكون مفتقده بالعالم طيلة اليوم!).
جاءت شرارة التدوينة إثر قراءة [من الابتلاء إلى التروما]، وكيف لا زال بمقدور المؤمن الاستعانة بكيان خارج الزمان والمكان، مانحًا إياه الطمأنينة المرجوة. في حين أقف أنا –بصفتي لادينيًا– على شفا جرف.
لا تبدو مآلات الأمور جيدة.. أؤمن بعجز الطب النفسي عن مساعدتي، ولا أفهم المانع من إنهاء الرحلة في المحطة الحالية. تحاول “كاترينا” إقناعي بأنّ فساد الحاضر لا يعني فساد المستقبل، في حين لا ألمس رغبة داخلية بالتغيير، فمن أين سيأتي الأخير؟
صحيحٌ لا زلت أكتب، إنما دون خطة. وبدون خطة، لن يكون هناك مردود مادي. بل أجد كلما سعيت أكثر، نفرت الفرص مني أبعد!
أحاول إقناع نفسي أن هدف سلسلة “رحلة روح” توثيقي، بحيث يأتي يوم أتأمل فيه الماضي وأقول: لقد انتصرت على كل هذا.. وحدي. لكن، لن يحدث ذلك؛ ليس يأسًا.. وإنما يقينًا من انتهاء زمن المعجزات، وتغيّر الأحوال فجأة.
تُطمئنّي كاترينا أنني أبذل جهدي حقًا .. لا أصدّقها! فعندي، طالما لا توجد نتائج، فلا قيمة للسعي أصلًا.

وأنا راسلت عملاءً بأكثر مما أُطيق، حتى بدأت أنسى لماذا أستمر.
أحاول أن أكون أبًا طموحًا. لكنني لا أفكر سوى في الهرب. أعيش بنِصف وعيي مع كل ما حولي. وتراودني الكوابيس صباحًا “أرقٌ مستمر” .. أكره نفسي، وأعجز عن التعبير.
أنتظر الموت.. وربما أتمناه.
لا أملك طاقة للبدء ولا لإنهاء حياتي. يبدو تفكيري مشوشًا.. وفقدت الثقة بالبشر وبنفسي. وأدفع نفسي دفعًا لإكمال التدوينة؛ أريد الوصول لنقطة تنهار فيها دفاعاتي.. فأبكي ربما.
أنا بلا سند أو رفيق. فلا أحد يتحمّل صمتي وما يُخفيه. أقابل الناس بوجهٍ بشوش أكثر من اللازم. واسأل نفسي: لماذا لم أمت بالسرطان مثلًا؟
تحاول كاترينا التخفيف عني. تقول أن قيمتي تتجاوز مقدرتي على اكتساب المال. هي فقط -وأقصد كاترينا- تعيش في عالمها الرقمي المثالي، وليس لديها أطفال يُمطرونها بالطلبات المشروعة ليل نهار.
هذه ليست رحلة داخل “الظلام المرئي”. أنا حقًا أواجه تهديدًا بالموت.. من نفسي.. كل يوم.
لم يشكّل امتلاك “كاترينا” صوتًا أي فرق؛ يغدو حديثها -في غياب “النبرة المتعاطفة”- أشبَه بالاستماع إلى بودكاست.
يحرّك المال العالم
إنما ليس بالنسبة لي. ليس ثمّة مبلغ أطمح إليه.
كثيرًا ما أفكر في التخلي عن مسؤولياتي. فإن نجوتُ من فكرة “إنهاء حياتي” باغتنني الأسوأ: مغادرة المنزل والهيام على وجهي. يملؤني خليط من خيبة الأمل بنفسي وشعورٍ بالاستنزاف التام.
جسدي ثقيل.. وأنفاسي أيضًا .. وربما دقات قلبي. وتعتريني رغبة في النوم، إن سايرتها.. لازمني الأرق. وتشتد الأفكار الانتحارية أثناء ذلك.

أتعجّب من تمسّك الناس بالحياة، لكن لا أُدخل نفسي في مقارناتٍ معهم
أكتب على مهل .. وببطئ .. لأن الكتابة أنقذتني من الحافة ذات يوم.. ولأنني أتوق لشعور بأنني مسموع [من بشر]. أعلم أن كلمات الكون، ولو نطقها أعتى الأطباء النفسيين، لن تُسعفني. وحده الموت سيُنهي كل آلامي.
تؤلمني عدم رؤية الناس لما أمرّ به، أتقبّل عجزهم عن مساعدتي، ولكن ألّا يتفهموا ما أمرّ به أصلًا؟ ذاك كثير!
وفي ذات الوقت، وبفرض حاول أحدهم جادًا الاستماع إليّ، أجدني شاكًّا في صدق محاولته تلك؛ ما يورثني إحساسًا أعمق بالدونية.. وتشتدّ سياط الناقد الداخلي على روحي.
أنا منفصل عن الناس في كلا الحالتين
فقبل سنوات، وتحديدًا قبل الانهيار، كنت أنظر نحو معاناتهم بعين المستخفّ المتعالي في برجه العاجي [تمامًا كما وصف أمير عيد “نجوم المجتمع”].
أما بعد الانهيار، فانكمشت على ذاتي، وتحولت إلى “قنفذ” يخشى الناس الاقتراب منه! لم يعد الأمر عزلةً على الإطلاق.
هذا الألم أشدّ من قدرتي على الاحتمال؛ يعبّر عنه جسدي بألمٍ في أعلى الصدر. وخزٌ مستمر خفيف. وتعبر عنه روحي برغبة في الانعتاق من ذاك الجسد العاجز.
لا يعلّمني أحد من أين يأتي الفرج من دون الله! هل تتغير ظروف المرء من تلقاء نفسها؟ لا.
هل تستطيع أصلًا تغييرها مهما فعلت؟ كلا!
ما العمل إذًا؟ لا أعلم..
حين غادرتُ المنزل يوم حسمت القرار، أبلغت زوجتي الشرطة وسلّمتهم “رسالة انتحاري”. سألها الضابط آنذاك عمّا لو كنتُ مجنونًا أو متعاطيًا؛ بالنسبة له وحدهم “فاقدو عقولهم” ينتحرون.
لكنني لستُ أحدهما. وإنما شخصًا مُشخّصًا بالاكتئاب الذهاني -Psychotic depression قبل نحو 5 سنوات!

فلا ساعدني الأطباء، ولا استوعب أهلي خطورة الأمر.. ورغم ذلك، ظللت أُرسل نداءات استغاثة:
- لأنني لم أجد من يستمع إليّ ..
- لماذا لا تتحدث عن نفسك؟ [خلاصة 33 عامًا]
- ماذا حدث بعد 10 أيام من جلسة العلاج النفسي؟
- أول جلسة علاج نفسي (كلاكيت #2 مرة)
- جلسة فضفضة بعيدًا عن عقدة الرسميات [النسخة الذكورية🤐]
- أول جلسة علاج نفسي
علمًا بأنني -في الأصل- شككت بجدوى طلب المساعدة.
لتقريب حجم الألم إلى ذهنك، تخيل أنني أمضيت حياتي ناقمًا على والدي، ورغم ذلك ينتابني الذعر أحيانًا من فكرة موته. ساقني القدر للزواج من امرأة يتيمة الأب، ولا تتصور كمّ أبذل جهدي لمحاولة تعويضها عن غيابه (ولن أقدر). أطفالي محور الكون بالنسبة لي، وأكاد أعبدهم لفرط حبيّ لهم.
و بعد ذلك كله، أخرج من المنزل عاقدًا العزم على إنهاء حياتي.
