الأحد الأسود

الزمان: الأحد 21 / 6 / 2026 – المكان: عيادة طبيب الأسنان – السؤال: من أين يبدأ المرء سرد قصة كهذه؟

هل كنت تعلم أن حقنة المخدّر “البنج” تحتوي مادة الأدرينالين؛ فلا يصحّ حقنها لمرضى الضغط؟ أحسست أن قلبي سيقف (وليته فعل!). دخلت العيادة غير مطمئن، صحيحٌ أن الطبيب استخدم “قاتل عصب” في المرة السابقة، لكنني أعلم أنني سأتألم. دعني أعد خطوة للخلف.

كما تعلم، فقد أقسمت على إنهاء حياتي إن شعرت بألم إضافي (ولو كان طفيفًا)، لكنني تراجعت عن الفكرة بقدرة قادر. مضى الأسبوع على خير ما يُرام، حتى أن إحداهن قالت: “أشعر أنك منفتح على الحياة أكثر هذه الفترة”.. وربما كانت محقّة، فها أنا أعود للإجابة بشغف في كورا.

ثم حلّ مساء الأحد (البارحة)، وأخبرت نفسي: قد تجاوزت المرحلة الصعبة من علاج أسنانك، ستسير الأمور على ما يُرام بالتأكيد. لأهدئ نفسي، بدأت قراءة كتاب [القراءات الملعونة – جود أبو صوان] على جوالي، وكنت منقطعًا عن القراءة لشهور.

ثم حان دوري.. “تذكر طارق، تجاوزتَ المرحلة الصعبة”.

ما إن تمددت على كرسي الطبيب ليُضاجع روحي ليُعالج أسناني. حتى تسارعت دقّات قلبي (قبل حقني بالمخدّر حتى). بدأ عمله وهو يطمئن بين الفينة والأخرى إلى عدم وجود ألم، ثم بدأ سحب الأعصاب.. رويدًا رويدًا .. حتى وصل إلى عصب لم يصله التخدير.

نحن أمام كارثة يا سادة!

طلبت منه التوقف مباشرةً، واستجاب بكل رحابة صدر (فهو صديقي في النهاية)، ثم وضعني أمام خيارين:

  • إما أن يحاول تخدير العصب.
  • أو يحاول اغتياله ويؤجل معالجته للمرة المقبلة.

كان من أصعب القرارات التي اُضطررت لأخذها في حياتي.. شاركته حِيرتي.. اخترت الخيار الأول.. وبعدما جهّز حقنة المخدّر.. ترجعتُ وقلت: دعنا نؤجل العمل للجلسة القادمة.

نعم.. بالضبط كما قرأتها.. أحسست بالقهر؛ لماذا أجلس هنا وحيدًا؟ واُضطر لاحتمال كل هذا وحدي؟ لماذا لم يبقى ألمٌ في هذا العالم إلا واختبرته: كسر وحرق وعلاج كيميائي والتهابٌ في الأعضاء الحسّاسة وضعف نظر وثقب في المعدة..

سألني إن رغبت باستكمال علاج أسنانٍ أخرى، يعلم كلينا أنها لا تحتاج لتخدير، وأنا أصلًا متأخر في علاجها. فأجبته بالنفي القاطع. وخرجت من العيادة لأنهار تمامًا.

سِرت في شوارع لا أعرفها، أدخّن السيجارة تلو الأخرى، وأحاول كفكفة دموعي. ثم أخبرت نفسي أن كل ما أحتاجه: شخص يسحبني برفق “خطوة للخلف” بعيدًا عن الحافة.
في كل مرة اختبرت ألمًا مما سبق ذكره، كنت أجلس في غرفتي وحيدًا، في حين ينشغل الجميع بحياته.

دعوتُ على والداي، وشتمتهما بأقذع الشتائم -في سريّ- لإنجابي إلى هذا العالم. فكّرت وقدّرت .. “فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ”.. حِرت في أمري؛ فلم يعد هناك كلماتٍ يعرفها البشر قادرة على إقناعي بجدوى الاستمرار.

نمت وصحوت متألمًا بعدما زال أثر التخدير.

إن أردت تغيير طبيب الأسنان -كما اقترحت زوجتي- فأحتاج إلى المال.

إن أردت الخضوع لتخدير كليّ (كما يحدث في غُرف العمليات الجراحية) ليُنهي طبيب الأسنان عمله بسلام، فأحتاج للمال أيضًا.

وأنا جالسُ دون عمل، فمن أين سيأتي المال؟

فقدت إحساسي بمرور الزمن، فلا أعلم يومي من أمسي. والغد مظلم كـظُلمة هذه الليلة.

أحتاج إلى أبي السماوي الآن أكثر من أي وقتٍ مضى. «إيلي إيلي لما شبقتني؟!» أما البشر، فلن أقول أن الكلّ مشغول بنفسه، وإنما: أنا من فقدت إيماني بالإنسان.

لأول مرة -ربما- لا أكتب لاستجداء التعاطف. لأول مرة أكتب لأنني لم أجد مَن أشكو إليه. لا أريد أن أضع أي شخص في موقف (المُنقذ).

عابت عليّ زوجتي بكائي من أجل ألمٍ نفسي، وأظنها نسيت أنها “تراكمات”. ووسط الكمد الذي أعيشه وعِشته البارحة، لم أردّ بكلمة على عتابها.


صحيح. ومع ذلك، لست ضعيفًا؛ احتملت فوق طاقتي فحسب.. واحتملته وحيدًا.

لأول مرة -مجددًا- لا أكتب لاستجداء التعاطف. لأول مرة أكتب لأنني وحيد تمامًا.. لأنني أشعر بالعذراء حين قالت [يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا].

أكتب منذ ساعة تقريبًا. أكتب وروحي ثقيلة مُثقلة. أكتب لأن لا أحد يسمعني حتى الله. أكتب لأنني في كرب. لأن حلقي جاف ولا يرويه ماء. أكتب وفي داخلي خواء. أكتب وأنا عاجزٌ عن البكاء.

الأحد الأسود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى