كاتب خارج الخدمة حاليًا

نشرت الجزء الأخير (والذي انتويت فعلًا أن يكون الأخير)، وهممت بإغلاق هاتفي؛ لم أُرد أن يُثنيني أحد عن قراري. لكن لا أعرف كيف فعلتَها عاليا، إذ بها تُراسلني طالبةً مني التريث.. وما حجّتها برأيك؟ أن كتاباتي تحمّسها للاستمرار..

حسنًا، جيد .. ممم .. لحظة! .. أظنني سمعت عباراتٍ مُشابهة مرارًا، لكن هذه أول مرة أُقابل شخصًا مهووسًا بما أكتب.

لكن، بصراحة، لم أغيّر قراري.. ثم نمت.


الاثنين 8 / 6 / 2026

تمرّ الدقائق، ولا أستطيع حسم أمري. فقررت فتح منصة (كورا Quora) والإجابة على بعض الاسئلة. قرار غريب، صحيح؟

وإذ برسالة أخرى، من شخصٍ لم يحادثني من قبل:

وحتى الآن، أجهل كيف عرف بمسألة أكواب القهوة!


الثلاثاء 9 / 6 / 2026

قررت منذ بداية اليوم تخصيصه للبحث عن فرص عمل. حدّثتني نفسي: ربما لو وجدت عملًا، انشغل تفكيرك وهدأت سريرتك.

لكن -وكالعادة- لم يتجاوب معي أحد. بدأت أميل نحو تحقق نبوءة ذكرتها قبل 3 أعوام تقريبًا: نهاية زمن مجال التخصص في كتابة المحتوى.

للمفارقة، نشرت تدوينة كيف تستعيد ثقة عميل ميؤوس منه؟


الأربعاء 10 / 6 / 2026

لا أذكر أي شيء من أحداث اليوم.


الخميس 11 / 6 / 2026

يوم مفصلي في حياتي؛ أحسست بالألم الموعود. فهل حان الوقت للإيفاء بالنذر؟ وكنت قد أقسمت على قتل نفسي إن تألمتُ قدر أنملة.

نهضت وأغلقت باب الغرفة عليّ، وأجهشت بالبكاء. لم أعهد نفسي ضعيفًا، لكنني شعرت بالقهر حقيقةً (وما أدراك ما قهر الرجال).

أثناء اليوم، بدأت أدرس خياراتي:

  • هل أزور طبيب الأسنان، وربما كان الوضع مستفحلًا، ما يعني أن يكون الألم شديدًا؟ وحتى لو تجاوزته بفعل المُسكنات، فقطعًا ستأتي لحظة ما يسوء خلالها كل شيء. ولنفترض أن الأمور سارت على ما يُرام (وذاك تفاؤل كاذب)، فآلام الشيخوخة -أو حتى الكهولة- قادمة لا محالة. فلماذا أنتظر ذلك كله؟
  • أستطيع الآن .. وخلال لحظة واحدة .. وضع حدّ لحياتي. نعم، ربما يستمر الألم لبضعة دقائق، بل لنفترض أنه سيظّل لساعة! في النهاية، سينتهي، أليس كذلك؟

في النهاية، حسمت أمري. قررت أنني سأحجز موعدًا يوم الأحد. وفي حال إحساسي بأي ألمٍ -مهما صغُر- فسأوقف الجلسة وأخرج مباشرةً لأُنهي حياتي البائسة.

للمفارقة الثانية على التوالي، نشرت تدوينة: الطريق نحو تحقيق كل ما يليق بوجودك.


السبت 13 / 6 / 2026

أثناء تناولي الإفطار بهدوء، إذ برسالة تصلني على هاتفي: هل تمانع لو قدّمنا الموعد وجعلناه في الثامنة مساءً اليوم؟

وبتلقائية شديدة، أجبت: “إطلاقًا”. وشعرت مباشرةً أنني ورّطت نفسي. لا تسألني كيف مضت الساعات الفاصلة عن موعد الطبيب؛ أنا حتى لم أُكمل إفطاري!

في تمام الثامنة، كنت أقف على باب عيادة الطبيب. أخبرته -متلعثمًا- بمخاوفي، وكَم أكره الناس (عداه طبعًا!)، وكيف عُدت للتدخين بشراهة بعدما أقلعت عنه لأكثر من شهرين، وأخيرًا طلبت منه حقني بـ3 إبر مخدّر.. استغرب طلبي (وأنا الذي خلعت ضرس العقل لديه بإبرتين سابقًا) لكنه امتثل لطلبي.

كنت متيقنًا -طيلة الأيام السابقة- أن تصوّري عن الألم أكبر بكثير من حقيقته. وقد كان فعلًا.

خرجت من العيادة كمَن ولد من جديد.


الأحد 14 / 6 / 2026

بعدما زالت الغمامة. شعرت بتحسّن كبير. وقررت تدوين معظم تفاصيل الأيام السابقة؛ بعدما شلّتني الحيرة والخوف والقلق.

وبعدما فرغت، بحثت عن شيء أدوّنه بما يتلائم مع وضعي الحالي، فوقعت على تدوينة يوم في حياة مصاب اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه ADHD. ولا أبالغ لو قلت بوقوفي على كل فقرة فيها؛ هل تنطبق عليّ؟ هل أنا مُصاب حقًا به؟


الاثنين 15 / 6 / 2026

أشعر اليوم أنني أكثر انسجامًا مع ذاتي. أعلم أن الوحش سيعود قريبًا.

عدت مجددًا -إنما بشغف أكبر- للبحث عن عمل؛ أدركت أن المشكلة ليست في التخصص، بل في منظور الآخرين لكتابة المحتوى بصفتها “وظيفة مُهدَدة من الذكاء الصُنعي”. وهكذا، بعدما استجمعت أفكاري، قررت التبشير بمعتقدي الجديد.


لم أرغب حقًا في نشر التدوينة، غير أنني قطعت عهدًا أمام البعض (ومنهم صديقتنا شهد) بمشاركة نقطة التحوّل الموافقة ليوم السبت.. هذا أولًا.

أما ثانيًا، فلا زلت أؤمن بقدرة الكلمات على شفاء الإنسان، كما استطاعت كلمات الزميلة سماح مغربي شدّ أزري (فقط لو تُطلِق مدونة؛ لحكمت العالم ربما).

كاتب خارج الخدمة حاليًا

6 أفكار بشأن “كاتب خارج الخدمة حاليًا

  1. ” لكن هذه أول مرة أُقابل شخصًا مهووسًا بما أكتب” .
    كان سبب مراسلتي لك أستاذ طارق هو دعمك وتشجيعك للإستمرار في الكتابة

  2. لا تحتاج شهادة شخص واحد حتى، لتعلم روعة كتاباتك والله -ما شاء الله تبارك الرحمن-..
    إبداعك في طريقة طرحك وأسلوب كتابتك لا شي يضاهيه والله..

    أعلم أني من المقصرين في التفاعل، لكني والله صادقة جدًا فيما كتبته..

    كل التوفيق والحمدلله على السلامة

    1. الله يسلمك ويحميكِ أختي ندى. ولستِ مقصرة؛ أقدّر انشغالكِ صدقيني.
      وبالمناسبة، اتّسعت ابتسامتي بقراءة كلماتك. شكرًا للسلام النفسي الذي تنشرينه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى