كـنُباحِ الكلاب!

خلال الأيام الماضية، صادفت كتير تدوينات لأشخاص عم يحاربوا يأسهم بالكتابة (هشارك روابطها ضمن عدد الشهر القادم). هالشي خلاني اسأل حالي: أنا ليش مُصرّ أنو اكتب بطريقة تكون “مفهومة” أو “تتلقى التعاطف”؟

ببساطة، بقدر اكتب بالطريقة اللي بتريحني، وباللهجة العامية “متل مو واضح!”. ومو مهم إذا انقرأ كلامي أو لأ.. المهم إني احكي.

خطرتلي جزئية “نباح الكلاب” لما تأملت وجه التشابه بين تدويناتي الشخصية ونباح كلاب الشارع؛ الاتنين “مسموعين” بس بدون تأثير حقيقي على الطرف الآخر.

ولا يمتّ لـ”تريند الكلاب” بأيّ صِلة!

ما بذكر إذا مرّت عليّ فترة كنت فيها يائس من المستقبل بهذا الشكل. يمكن مرّيت بتحديات كتيرة سابقًا، إنما دائمًا كنت قادر شوف إنها “فترة وبتعدّي”. أما هالمرّة.. الموضوع مختلف.

وجه آخر من تشبيه “الكلاب”. أنو بكتير من الأحيان الكلب بينبح لأنو حاسس بالألم، لكنه بنفس الوقت غير قادر على الثقة بالإنسان اللي جاية: هل هيساعده أم يؤذيه!

وأنا أيضًا غير قادر على الثقة بالبشر.. بذات الأسلوب وللأسباب نفسها.
شايف كل إنسان غارق -حتى النخاع- في محاولاته للنجاة؛ بالتالي .. ما في صدق -من وجهة نظري- في محاولات المساعدة.

وبما أنّ آذان الفجر يصدح الآن. فهذه إشارة إلى ضرورة تذكير أي مؤمن من الحذر من “اختبار إيمانه”؛ طريق التوهان موحِل تمامًا.. وحل الرمال المتحركة بالضبط.

المسألة –متل ما ذكرت بتدوينة سابقة– أعمق من محاولة إيجاد معنى. أنا قادر على إيجاد معنى لحياتي، ممكن يكون عائلتي أو التدوين أو جمع المال وتأمين عِيشة كريمة. باختصار، مليّت من لعبة الحياة. ملّيت من السعي بلا طائل، ملّيت من التقديم بلا مقابل، ملّيت من انتظار الفرج.

لنفترض..

أنا شخص ما بحب المواقف الافتراضية، ما بحب حدا يسألني: “افترض صار معك كذا.. شو بتعمل؟”
دائماً عندي إيمان أنو تصرفاتنا محكومة بالموقف “عند حدوثه”. بالتالي، أنا غير قادر على تحديد ما إن كان [حصولي على ما أتمناه] هيخليني أفضل. إنما من خلال معرفتي وخبرتي بطبيعة الأشياء، قادر أجزم بنسبة 90% أنو الإجابة هتكون :لأ!

كل إنسان بيحمل تناقضات، بس بتوقع أنو التناقضات اللي بحملها مالها مثيل: بالوقت اللي بعتبر حالي “أعلم” من ملايين المؤمنين؛ بحيث هجرت الدين، تقديري الذاتي شبه معدوم.

لنفترض .. مرة تانية

خليني نقول أنو في شخص سألني: شو بدك بالضبط .. فرضًا جدلًا ..
أول شي بيخطرلي: أنا بحاجة شخص قادر على تحمّل مزاجيتي، والأهمّ: تحمّل صدّي العنيف لأي محاولات مساعدة.
برجع وبأكّد: أنا كالكلب الخائف.

فمثلًا: عندي تعلّق مريض بماضي، الإيجابية الوحيدة بهداك الماضي كانت “تفاؤلي بالمستقبل”. وكل ما بفكّر فيه، بيترافق تفكيري مع .. أو بينتهى بالأحرى .. مع رغبة بإنهاء حياتي؛ لأنني غير قادر على استعادة النسخة القديمة المتفائلة مني.

اجتني لحظة إدراك

أثناء ما عم انتظر تحميل بضعة صفحات فتحتها على المتصفح، صفنت ..
هل يُعقل أبقى طول حياتي على هالجهاز؟

حسيت إني “مستكلب” على فرصة شغل؛ عندي نشرات بريدية أكتر من قدرتي على إدارتها، وما بقيت شركة تسويق سورية إلا وراسلتها، وعندي قناتين يوتيوب عم ابنيهم شوي ورا شوي.
والنتائج معدومة، وأنا مستمر.

بنفس الوقت، مو قادر أتمهل. ضميري ما بيطاوعني أقعد بدون ما أعمل شي، حتى لو كانت النتائج معدومة. عالأقل بسكّت ضميري إني عم أبذل جهدي.


“عِيش اللحظة!”

حاولت.
قلت لحالي: خليني ركّز على اليوم وبس. ليش لخاف من أمراض الشيخوخة؟ ليش حتى خاف من عدم قدرتي على التعامل مع أطفالي لما يصيرو بعمر المراهقة؟

الخلاصة

كل ما تعمقت بتدوينات الآخرين، بكتشف أنهن متلي “= لحالهن”. البعض عانى من فقدان، وبعضهم عم يعاني من مرض مزمن، وفي مين قاعد متلي بلا شغل من شهور.
يمكن إيمانهم عم يقوّيهم، أو يمكن أملهم ببكرا أنو يكون أحلى.

أما أنا؟ فـكتتتتير عبالي استسلم.. حتى لو بدو يختلّ توازن العالم (علمًا أنه ما رح يختلّ!)

وبكل مرة كانت نيّة تهديدي “غير صافية”؛ كان فيها همسة لـلفت الانتباه. بس من يومين، حتى هالهمسة.. خمدت.. همدت. ما عدت مستني دعم من حدا. ما عدت منتظر لهفة من حدا. ما عدت مِعني بحدا.

إضافة لهل الشي، “الصوت داخل عقلي” دايماً بيذكرني أنو ما حدا مصدّقني! الكل مفتكر إني عم هدد وبس. وأنا .. رغم إني مو مضطر اثبت شي لحدا .. عبالي اِثبت هالمرة إني “ما عم هدد وبس”.

المخيف، أنو ارتباطي بالناس عم يخفّ كمان.
مرّيت بوعكة صحية قبل كم يوم، وخلالها في ناس راسلوني. وهلأ بعد ما صرت أحسن، ما عندي الرغبة ردّ على حدا.. ما كنت هيك؛ طول عمري كنت حريص على منح الناس وقتي، وكنت إذا أجّلت الردّ فـكرمال أعطيه حقه مو أكتر.
خلال فترة المرض، نمت كتير (+16 ساعة باليوم)، وحبيت النوم أكتر بعد ما تشافيت؛ مواجهة الواقع مسألة صعبة.

طيب.. وأطفالك يا طارق؟

لولاهم. ما كنت لهلأ عم اكتب.. ولا كنت أصلًا موجود.

العلاقة مع ولادي كتير مُعقدة، هنن الجزء من نفسي اللي بحبه وبيتمسّك بالحياة. بكل الأحوال، أنا مالي بمحل تنظير حاليًا.

بكل مرة وقّفت عالحافة، بلاقي واحد منهم بيحكي كلمة بتصدمني. فمثلًا، منتبادل طول الأيام كلمات الحُب “بحبك” و “أنا بحبك كمان”، بس يوم اللي بقرر أنو خلص “خليني أمشي”، بيصيرو بيحكو عن خوفهم من موتي.

اليوم [13/10] انصعقت لما لقيت بنتي عم تحكي عن إحدى صورها الحزينة على موبايلي. قالت: هي تصوّرتها يوم اللي كنت أنت زعلان وكان بدك.. تنـ.. ـتحر (قالتها بهاد التقطيع!)؛ ما بعرف تصوّرها عن الموت، يمكن شافته نوع من السفر مثلًا، وأنو بيجي يوم ومنلتقى.

بغضّ النظر عن صدمتي بإنها أصلًا تصوّرت بوقت المفروض تكون خايفة أو مصدومة. لما بفكّر بالموضوع.. يمكن كان عندها يقين إني ما رح أتخلى عنها؟


بلاحظ على حالي إني شخص مشتت كتير؛ يمكن لإني مو قادر لاقي مشروع أبدي يخليني أنغمس فيه تمامًا. بجرب وبحاول كتير، والمثل بيقول “اللي بيلاحق أرنبين بنفس الوقت، ما بيصيد ولا واحد فيهن”.

لاحظت كمان إني شخص بيلوم حاله كتير، ما بعرف إذا قلتها من قبل: بسمع صوت والدي براسي، ناقدي الداخلي (أو جلّادي الذاتي بالأحرى) بيحمل صوته. واللوم بيكون على أخطاء بسيطة، بعضها من الحاضر وبعضها من الماضي، بس بالنهاية النتيجة وحدة.

ما عندي هالرغبة بالكتابة، ولا أمل بتغيّر الحال. إنما عم استغل هالمساحة الصغيرة اللي بقيانة .. حتى ما أختنق بالكلام أكتر.

الحياة بدون الدين.. فعلًا مالها معنى. حتى لو حاول الإنسان يخلق هاد المعنى.
أي شي أنت شايف أنك عايش كرماله، بالنهاية رح تتركه وتمشي: شغل – عائلة – مُتع دنيوية مهما كانت.

كلب مسعور

كنت عم فكّر امبارح: لربما أنا بحاجة لعُزلة رتّب فيها أفكاري ومشاعري. بعدين تيقّظت إلى إني أصلًا عايش وحدة عم تخليني متل الكلب المسعور؛ صعب الاقتراب منه أو مستحيل حتى!
كيف ممكن ترجع تثق بالناس، لما تلاقي أهلك اتخلوا عنك؟! نحن منعاني من مشكلة (التجيير). بمعنى: مهما كانت مشكلتك، لما تجي تحكيها، الشخص المقابل -مباشرةً- رح “يجيّرها” اتجاه نفسو أو اتجاه مقارنات مع الآخرين، أعتقد لهاد السبب الناس مفتونة بأنس بوخش؛ لأنو عنده القدرة يُخرج نفسه من الصورة، ويترك بقعة الضوء مُسلّطة على الضيف فقط.

ما بعرف شو نهاية هالصراع اللي عايشه! عندي رعب من إكمال الحياة .. عايش بهلع من الكِبَر والوصول لنقطة أحتاج فيها الآخرين. وإن حصرت تفكيري بالحاضر.. فالألم الحالي أقسى من إني أتحمله؛ أنا حتى عاجز عن تبيّن مصدره، بس كل اللي بعرفه أني واقف على حافة الانهيار، جسدي مستشعر هالشي قبل روحي حتى، رغبتي بالنوم المستمرة .. ودعائي على نفسي بالموت وقت النكسة الصحية .. وانفصالي عن الواقع .. كلها مؤشرات بتأكّد اللي عم حسّه.

موقن إني مريض اكتئاب، إنما عاجز عن انتشال نفسي منه، وما عم أقدر اطلب المساعدة.
بتقول “كاترينا” عن الانتحار حلّ دائم لمشاكل مؤقتة، وأنا فعلًا ما عم أفهم وين المشكلة بهل الشي! أنو طالما هو حلّ .. فليش لأهتم إذا كان دائم ولا مؤقت؟! بالنهاية اسمه “حلّ” يعني رح بينهي الألم. مو أحسن من إني آخد مُسكنات أو مخدّرات مثلًا؟

عم فكّر بآخر مرة جربت انتحر. أو بالأحرى كانت عندي النية وكنت على وشك تنفيذها. وعم شوفها كانت تجربة مريحة صراحةً. تقييمي لألها 9/10 . الدرجة الناقصة؟ لإني ما كمّلت الأمر للآخر. وشو المشكلة لو غيابي سبب الألم لكل المحيطين فيني؟ بالنهاية، الحياة قائمة على الألم. صح؟ شو المبرر أبقى؟ أنو كرمال الآخرين؟ كرمال العائلة الكريمة؟ طيب هالشي عم يحوّلني لـمجرد “كلب حراسة”. مزبوط؟

كل ما بسأل حالي: شو بدك لترتاح؟ بيكون “الموت” إجابتي الوحيدة. ولا زلت مستغرب كيف الناس بتمتلك إجابات مختلفة!

وخلال النهار، حسيت أن الموت قريب فعلًا.
مرّت لحظات .. راودني إحساس إني داخل مركبة فضائية وسط جو منعدم الجاذبية، وتدفّقت على ذاكرتي -بكثافة- ذكريات دافئة، وضبطت نفسي مبتسمًا؛ كان في نوع من القبول لفكرة الموت.

من ضمن الذكريات، أستاذ الإنجليزي بالبكالوريا اللي عطاني لمحة عن رواية “بين مدينتين”. على مدى 20 سنة، ما قدرت اقرأها، حتى صارت قرائتها حلم.. أو كانت حلم.

كـنُباحِ الكلاب!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى