كـنُباحِ الكلاب! [2]

بظن أنو لازم اعترف: لسه ما وصلت لمرحلة النضج الكافية بإني أتجاوز منغّصات الحياة البسيطة. بس رح أعتبر هالكتابات محاولة لتجاوزها.

لساتني مُصرّ على أنو الحياة لعبة ما بتعجبني قوانينها وما عندي رغبة إلعبها، بس عم كون مُضطر كرمال الأشخاص اللي ما بيقدرو يستغنو عني.

لسه تفكيري مشوّش، وما عندي قدرة على تنظيمه. عم أتجنّب التفاعلات الإنسانية بشراسة، وشبح الانتحار عم يحوّم حولي.. بل يكاد لا يُفارقني.

وأكتر شي مآلمني، أنو هالانهيار اللي عم مرّ فيه، صار بوقت المفروض فيه كون مرتاح. بدي أتعمق بهل الفكرة شوي.

مرقت بظروف صعبة، وما كنت حامل هميّ بس، كنت حامل همّ بلدي. ويمكن جسدي وروحي خزّنوا صدمات كتير. واللي صار، أنو بعد التحرير، “فرطت” وظهرت كل هالآلام عالسطح.
عمرك كرهت حالك لأنك بخير وغيرك موجوع؟
أنا بس حاسس بالعجز، ما عم أقدر كون سَند لحدا ..
يمكن لأنو أنا كمان ما عندي سند؟

بعد ما “صحيت” المرة الماضية على فداحة اللي عم اعمله لمّا “استكلب” عالشغل، صرت ميّال للهدوء أكتر، وتذكرت كيف مرّة هاج والدي وماج لمّا شاف على سريري كُتيب “اعمل أقل.. تكسب أكثر”؛ كان شايف أنو الرجل لازم يضلّ عم يشتغل ويبذل حياته للشغل وبس.
فلسفته أدّت بالنهاية لأنو يخسرنا -نحن ولاده- بحيث ما عنّا حاليًا رابطة قوية معه [عنّا = نحن 5 أبناء وبنات]. لسه منحاول نبرّه.. لكن بدون لهفة.
بالمقابل، فلسفتي اللي استقيتها من الكتاب، خلّتني أتوجه للعمل الحرّ؛ بحيث أقضي أطول فترة ممكنة مع أطفالي.

أعتقد إني بحاجة أبكي لحتى تتفرّغ هالشحنة اللي جواتي. بس للأسف، يبدو لسه ما طفح كأس المشاعر تمامًا.
كنت عم شوف فيديو، ذكر كتاب بعنوان “إلحاد فاقدي الأب”، ومفهوم متل هاد بيحلّ لغز كبير بحياتي: ليش أنا تخليت عن الإله؟ وهل بالحقيقة تخلّيت عنه تكبّرًا .. ولا القصة أعمق؟
ما بعرف نسبة اللي أمهاتهم اشتكت من الأب. بس لما بسترجع كلام والدتي، بشوف أنو هي ما طعنت فقط في والدي، بل حتى في والدها. حتى تشوّه عندي مفهوم “الأب”. أنا فعلًا ما بعرف معنى يكون للإنسان أبّ!

ذكرت بإحدى التدوينات إني كنت على أعتاب “انفصال عن زوجتي”. اللي ما ذكرته وقتها .. أو ما بذكر إذا ذكرته ولا لأ .. أنو استعنّا بأخوها الكبير للإصلاح بيننا (باعتبار والدها متوفى). أخوها وقّف في صفي، وصرت مطالب -أنا أحد طرفي الخصام- بلعب دور المحامي عنها.
بقرارة نفسي، يمكن كان بدي يتمّ الانفصال. بس لما شفت إنها تعرّضت لهجوم، ما قدرت أتحمّل. فـدست / دعست على مشاعري ومصالحي، .. بتوقع.. هاد دور الأبّ المفترض.

أنا والحمد لله ما عندي حدا يدافع عني. ظهري مكشوف تمامًا. ربما لهذا السبب .. بطّل عندي ثقة بالإله أنو قادر يحميني. كميّة الشرّ بالعالم مُخيفة. ولو تقبّل الإنسان أنو الشرور اللي بتصيب البشر هي اختبار لألهم. فكيف ممكن نفسّر الشرور اللي بتصيب الحيوانات والكائنات الحيّة الأخرى؟

بدي تتخيل معي إله، بيعمل معجزات لإثبات وجوده لأقوام كفرة. بس -لسببٍ ما- ما منشوف أي معجزة لإنقاذ .. لحظة .. أفكاري مشوشة .. عم استذكر مشهد من مسلسل سوري مستقل بيحكي عن فترة الثورة. وصرخة بنت أو استغاثتها أمام عسكري.. ابن بلدها المفروض: اعتبرني أختك.
يعني شخص يقتل شخص، بتقول غسيل دماغ.
بس الاغتصاب .. تحت أي مسمى بيندرج؟

حاسس إني ما رح أقدر أتحمّل كمية الألم من التفكير بهيك قصص!

بأي ذنبٍ قُتلت؟

وبأيّ ذنب عم نتعاقب؟ وبأيّ ذنب صار معي سرطان؟ بأي ذنب عم يصير أي شي؟

وبعد هاد بيسألوك: ليش تخليّت عن إيمانك؟
السؤال الأصحّ: ليش لأتمسك فيه؟ إذا كان أبي والله اتخلو عني.. عن أي إيمان عم نحكي؟
حتى الطبيبة بالهلال الأحمر اتخلّت عني.. لما جيت وقلتلها عندي أفكار انتحارية.

بعرف أنو كلامي من النوعية اللي بيندم الإنسان عليها لما يصحى تاني يوم، بس لعلمك.. أنا كنت على وشك النوم لما ألّحت عليّ هي الأفكار لأصحى وأكتبها!


ما عم أقدر شوف حالي بأعراس أطفالي.
ما عم أقدر أتخيل إني ممكن عيش للخمسين مثلاً.

من شوي كنت عم فكّر: أنو أنقذتني الكتابة مرة، بس لحدّ امتى رح تبقى تنقذني؟ وهل رح أبقى بهي الحلقة المُفرغة من الكتابة عن وجعي، وعدم القدرة عن الحديث عنه لحدا يساعدني عنجد؟
“كاترينا” بتشوف أنو لازم أبقى عايش “اليوم بيومه”، وأنا شخص مو متعود أترك الأمور مُعلّقة؛ أي شي عندي بيحتاج إلى حسم.

أنا فعلًا بحاجة فكرة الإله من جديد، بس يا ترى الكلاب مؤمنين؟

بدي كون صريح معك. ما في أي شي يجذبني للحياة. ما عندي “مصلحة” بالوجود. خطرلي اسأل عالفيسبوك عن طريقة مضمونة لإنهاء الحياة، بس تراجعت عن الفكرة لإني بعرف أنو -بالغالب- رح يسحبني كلام متل هاد للدخول بمهاترات ما بتنتهى؛ قائمة على نصائح متعلقة بالدين والأطفال والأمل. بالنهاية رح أحرق آخر ذرّة طاقة موجودة عندي.

وخليني أرجع ذكرك أنو البشر كائنات أنانية ونفعية، فمن الصعب -كرمال ما قول مستحيل- لاقي شخص مستعد يتجاوز الطبقة الأولى من الحلول السطحية، ويحاول يفهم قصتي بالكامل.
لهل السبب، بتبقى الكتابة هون خيار مضمون.

بدي أعترفلك اعتراف ثاني: ما عندي نية لأعمل أي شي يحسّن من وضعي.
ما عندي رغبة ألعب رياضة مثلًا، أو مارس هواية جديدة، أو ادخل بصداقات وعلاقات جديدة.

وفي عندي منطقة أمان (أو بالأحرى: منطق أمان) برجعله باستمرار: يوم اللي بتفوق الأمور قدرتي على الاحتمال، ما رح أتردد لحظة وحدة وإنهي حياتي. حاليًا، أنا عم ناور.. عم حاول أكتب اللي حاسس فيه.

كـنُباحِ الكلاب! [2]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى