أتعلم ما القاسم المشترك بين معظم الأشخاص الذين يكون قضاء الوقت معهم ماتعًا؟
جميعهم يهتم بالأشياء حد الانغماس الكامل.
لا ينساق أولئك أشخاص لمشاهدة أو الاستماع أو قراءة ما تُفرضه عليهم الخوارزميات أو قوائم الكتب الأكثر مبيعًا أو قوائم أفضل الأعمال، بل يسعون بقوة نحو اكتشاف ما يُثير اهتمامهم، ويتعمقون فيه. ومع مرور الوقت، تتجمع هذه الاهتمامات، أو تتفرع إلى مجالات جديدة، لتقودهم في النهاية إلى مساراتٍ فرعيةٍ مُتشعبةٍ حيث يجدون رؤىً وروابط غير مسبوقة.
هؤلاء أكثر الأشخاص إثارةً للاهتمام بطبيعتهم؛ إذ لا يُحاولون تقديم وجهات نظرٍ فريدةٍ حول ما يُنصح به الآخرون (كما قد يفعل معظمنا)، بل ينطلقون بمفردهم في عوالم غير مُستكشفة، يرسمون مسارها بأنفسهم.

إذن كيف تبدأ بالاهتمام بالأشياء؟
أعترف أنني لستُ الأفضل، فأنا -بالتأكيد- هاوٍ مقارنةً ببعض الذين أتحدث إليهم أو أتابعهم. لكن لديّ بعض الاقتراحات:
“تلييّن التربة”
“Soften the ground” مُصطلح استعرته من فيساكان فيراسوامي “Visakan Veerasamy”، مؤلف أحد كتبي المفضلة لعام ٢٠٢٣، وربما أفضل مُغرّد على الإنترنت. يُشير (وهو مُحقّ) إلى أنه لا يُمكنك ببساطة إجبار نفسك على الاهتمام بشيء جديد، بل عليك إيجاد مدخل إليه مرتبط بالفعل بشيء تُحبه، أو تمهيد الطريق أولًا.
بالنسبة لي، فقد انجذب ابني -ذو السبع سنوات- مؤخرًا إلى مسائل المنطق، مما أعادني إلى شغفي بعلم الاحتمالات. درستُه قليلًا في المدرسة، لكن العودة إليه بقوة قادتني إلى كتاب فريدريك موستالر “خمسون مسألة احتمالية صعبة“، الذي عرّفني على مستويات جديدة تمامًا وطرق تفكير مختلفة حول موضوع أجده رائعًا.
اسحب الخيوط
في سياق متصل بما سبق، ثمة متعة كبيرة في اكتشاف خيط صغير يثير اهتمامك، ثم التعمق فيه (برفق في البداية، كما تفعل مع خيط حقيقي) ومراقبة النتائج.
وبالحديث عن الاحتمالات، قرأتُ عن لغز من مسلسل “أليس في بوردرلاند Alice in Borderland“، وهو مسلسل خيال علمي -تحوّل إلى مانغا Manga- ياباني من إنتاج نتفليكس، يتناول البحث عن معنى الحياة من خلال سلسلة من ألعاب الموت المرعبة (ليس مناسبًا للجميع، لكنني أفضله بكثير على “لعبة الحبار” التي لم أستطع إكمالها). ثم تعمقتُ قليلًا في المانغا، التي تتطرق إلى فكرة مسابقات الجمال الكينزية ونموذج التفكير التراتبي، وهو ما يرتبط مباشرةً ببعض ما كنتُ أقرأه عن نظرية الألعاب في وقت سابق من هذا العام. موضوع شيق، يتخلله قدرٌ كبير من التأمل في المعنى الحقيقي للحياة.

اقضِ وقتًا أطول على المواقع الإلكترونية والمدونات
في فترة ما، ربما بين عامي ٢٠٠٥ و٢٠١٥، كنت أستخدم الإنترنت بالذهاب إلى شريط العنوان وكتابة روابط مواقعي المفضلة يدويًا، لأرى المستجدات، ثم أنتقل إلى الموقع التالي. من الجليّ ألّا أحد يفعل ذلك الآن؛ باتت المتصفحات بارعة في توقع ما نريده. الشائع الآن هو لجوء الجميع إلى “المُجمّعات Aggregators” عوض المواقع الإلكترونية، معتمدين على تويتر، وريديت، وسبستاك لعرض ما قد يثير اهتمامهم.
نحن نقترف خطيئة بذلك. تُتقن (مواقع تجميع المحتوى) عرض الأشياء (والآراء) الأشيَع، أو الأنجح في جذب الانتباه، لكن إذا أردت اكتشاف أشياء مثيرة للاهتمام بنفسك، فلا شيء يضاهي البحث عن موقع إلكتروني حقيقي وتصفح منشوراته القديمة كالمُنقب عن الذهب. على سبيل المثال، قرأت مؤخرًا نصف أرشيف “Futility Closet” تقريبًا، وسأندهش إن لم تجد فيه -أنت شخصيًا- بعض الأشياء المثيرة للاهتمام.
…وفي مخازن الكتب
على غرار ما سبق، فتأمل واجهات المكتبات ليس ماتعًا بقدر اكتشاف ما يمكنك اكتشافه بالتجول بين رفوفها الأقل جاذبية.
خذ التوصيات على محمل الجد
أفضل ما يمكنك فعله عند التحدث مع الآخرين: أخذ توصياتهم على محمل الجد. لا تكتفِ بالإيماء والابتسام ونسيان ما يقترحونه، بل دوّنه واطلع عليه لاحقًا، وربما خصص له من وقتك بضع دقائق أو صفحات أو حلقات. لن يكون كل شيء رائعًا -فالبعض يوصي بأشياء سيئة- ولكن قد تجد أحيانًا أشياءً قيّمة بهذه الطريقة.
تابع “المواسم”
في طفولتي، أتذكر أن القناة الرابعة (إحدى القنوات الأربع الأساسية التي يشترك بها الجميع في المملكة المتحدة) كانت تعرض موسمًا خاصًا بجاكي شان في وقت متأخر من الليل. سمح لي والدي بمشاهدته، وكانت تلك بداية اهتمامي بكل شيء، من رياضة الباركور إلى الممثل باستر كيتون “Buster Keaton”. لا أعتقد أن تجربة مشاهدة التلفزيون الحديثة تقدّم تجربة كهذه، لكن الخبر السار؟ بإمكانك ابتكار موسمك الخاص.
يمكنك ببساطة أن تقرر مشاهدة جميع أفلام دينزل واشنطن، أو التعمق في أعمال تشيخوف، أو التركيز على قراءة الخيال العلمي الصيني لفترة. افعل ذلك لبضعة أسابيع (أو أشهر، إذا كنت جادًا)، وستنتقل من عدم الإلمام التام بنوع أدبي/مؤلف/مخرج/ممثل إلى معرفة أكثر من 95% ممّن ستقابلهم في حياتك. وعندما تقابل أشخاصًا فعلوا مثلك: اسألهم الكثير من الأسئلة.

وربما الأهم من ذلك كله:
لا تخجل من الأشياء التي تحبها
هناك مقطع في رواية جيمس هاوز “مرسيدس بيضاء بزعانف A White Merc With Fins” لم أجده على الإنترنت، لكن مضمونه:
“النضج هو أن تكف عن التظاهر بالإعجاب بالأشياء التي تظن أن الشخصية التي تود أن تكونها يجب أن تعجب بها، وتبدأ في حب الأشياء التي تعجبك حقاً”
ما يعنيه هذا بالنسبة لي: إذا كنت تحب مقطوعات شوبان الموسيقية لكنك لا تتقبل موسيقى الجاز، فلا بأس! إذا كنت تعتقد أن الفيزياء رائعة ولا تريد قراءة “ميدل مارش Middlemarch”، فاقرأ عن الفيزياء!
ربما تغير رأيك في وقت ما، أو تتمسك به. ربما لا تريد مشاهدة “المواطن كين”، إذًا شاهد “قصة الشرطة 2” عوضًا عنها، وتعرف على جاكي شان، ثم انغمس في الأفلام بالأبيض والأسود بعد خمس سنوات عندما تصادف باستر كيتون.
أحبب الأشياء التي تُعجبك، وانغمس فيها، وحاول أن تفهم سبب إعجابك الشديد بها، ولاحظ كيف قد يقودك إعجابك إلى أشياء أخرى قد تُحبها، وستجد على الأرجح أن العالم مليء بأشياء مذهلة ومترابطة، أكثر إثارة للاهتمام مما تتخيل. ذاك أفضل بكثير من الضياع وسط “يُعرض الآن على نتفليكس”!