واضح أننا داخل مصفوفة | مع محمد طارق الموصللي | الحلقة -1

يمكن ما في شخص بيناتنا ما تخيّل حاله قاعد مع أنس بوخش. بس بما أنو هالشي مستحيل يصير، على الأقل رح أتخيّل حدوثه.

بيرجع الفضل بإطلاق شرارة التدوينة للصديق جلال اللافي.


بداية بالسؤال الشهير: بصراحة كيف حالك؟

هالفترة؟ بتوقع إني وصلت للحضيض. ومن عِظم اللي حاسس فيه، صار الصمت لغتي الوحيدة. بقصد ما عاد في شي قادر على استثارتي للكلام. بتقول الوالدة أنو المفروض كون قادر احكي طالما بعتبر حالي كاتب. بس الكتابة والحكي مختلفين.


بس أتوقع إنك اليوم ياي ترمس. صح؟

ما بخفيك، لما وصلتني دعوتك، اتفاجئت كتير. لأنو إذا استصعبت إقناع هيا مرعشلي بأنها تفضفض. الوضع معي أصعب بكتير. أنا يا أنس بحكي مع حالي كتير، برسم سيناريوهات وبلبّق حكي على ألسنة الناس (بكون متأكد أنهن مستحيل يقولوه) كرمال يرتاح شي جواتي. فيعني بتقدر تقول إني خلّصت مخزوني من الكلام قبل ما أجي لهون.


مب مشكلة، ببذل جهدي وياك الليلة عشان تفتح لي قلبك. احكيلي عن طفولتك. وكيف أثّرت على شخصيتك اليوم؟

بقدر أوصفها إنها كانت طفولة وحيدة. صح كان عندي أخوات، وكنا نلعب مع بعض كتير. بس عمليًا كان في غياب كبير لدور الأبوين. والدي كان معظم وقته بعيد عنّا، مشغول بحياته الشخصية كما لو كان أعزب. ووالدتي كانت مريضة بسبب الضغط النفسي اللي عايشته.
الاحتكاكات اللي كانت تحصل معهن بالغالب سلبية: نتيجة علامة سيئة بالمدرسة أو نتيجة تصرف يعتبروه “غير لائق” أمام الآخرين.

باختصار، عشت بجوّ من اللوم المستمر غير المنقطع؛ لدرجة أنو اليوم مو قادر شوف أي ميزة فيني أو أي قيمة لحياتي بسبب ناقدي الداخلي اللي بيحمل أصوات الوالدين.


سمعت إن عندك عيال، هل تأثرت تربيتك لهم بأسلوب تربية أهلك لك؟

طبعًا. خاصةً بأول 3 سنين. عندي رضوان وتغريد، تغريد هي البكر. فبذكر أنو كنت استسهل إني أرفع صوتي عليها لما تغلط. كتير كنت متأثر بأسلوب صراخ والدتي علينا.
بس لحسن الحظ، انتبهت على غلطي لما صارو اولادي 4-5 سنين. بتوقع تجربتي مع السرطان خلتني أهدى شوي.

بالنسبة لرضوان، فأنا كنت ولا زلت بشوفه منافس لألي بالبيت، رغم أنو عمره ما بيتجاوز 9 سنين. عم احكي عن إحساسي. أما تصرفاتي، فأنا بدعمه بكل خطوة مهما كانت بسيطة. بس أنو من جوّاتي “بحسده” لأنه تلقى معاملة مني ومن أمه أحسن من المعاملة التي تلقيتها بطفولتي.

حاليًا، علاقتي جدًا صحية مع أطفالي.


هل اختبرت الفقد في حياتك؟ وكيف تعاملت معه؟

بما إني ربيت ببيت العلاقات فيه مُفككة، فما بذكر إني زعلت على حدا فقدته. يعني أنا مثلًا خسرت ستّي من 4 سنوات، وما بكيت عليها ولا تأثرت رغم إني كنت حبّها كتير. بتوقع لأنها اتعذبت كتير بآخر حياتها، فشفت موتها راحة ورحمة لألها من هالعذابات.

ما بعرف إذا فريق الإعداد وصل لهل المعلومة، بس أنا جربت انتحر مرتين. مرة بشكّل جديّ Seriously ومرة طلعت من البيت ناوي أنهي حياتي، بس رجعت بعد 6 ساعات تقريبًا.
كنت بعرف أنو غيابي ممكن يدمّر عائلتي الصغيرة، ومع ذلك ما كنت قادر استشعر معنى (الفقد) لحتى خاف يفقدوني.


متى كانت آخر مرة صحت فيها؟ وليش؟

يمكن تضحك. بس آخر مرة بكيت فيها بتصوّر الجمعة، قبل ما نام .. قعدت استذكر نسخة أخي لما كان عمره 8 سنين وكان يعتمد عليّ بتجاوز المراحل الصعبة بألعاب الكمبيوتر.. لقيت حالي عم أبكي على هديك الفترة كلها .. بالـ 2006 تقريبًا والسنوات اللي بعدها. لحدّ تقريبًا الثورة السورية بالـ 2011.

ليش بكيت على هذيج الفترة؟

ما بعرف بصراحة. بس بتوقع لأنو ما كان فيها مسؤوليات غير الدراسة مثلًا. وأنا كنت أكثر طموحًا ورغبة بالحياة. اليوم العالم بالنسبة لألي غير مفهوم تمامًا. لا عم أعرف أشتغل ولا جيب مصاري ولا أتعامل مع حالي ولا مع الآخرين. عم تبقى سلوكياتي محصورة بين البحث عن فرصة عمل والتفاؤل بإيجادها واليأس التام لدرجة التفكير بالانتحار. وهاد الكلام عم يصير يوميًا وبشكل مستمر على مدار النهار.

خبرني فريقي إنك عرضت نفسك على دكاترة نفسيين. كيف كانت تجربتك؟

كانت سيئة كتير. وما عرفت السبب بصراحة: هل يا ترى الطب النفسي سيئ بسوريا، ولا أنا اللي راسمله صورة وردية؟ ما قدرت حدد.

بس عمومًا، الأطباء النفسيين عنا بيلجئو مباشرةً للأدوية. وأنا ضد عقلي الأدوية .. حتى على مستوى المسكّنات العادية.

المشكلة أنس أنو أنا حكيي قليل فعلًا. والطبيب النفسي ما بيقدر يستشّف حال المريض من لغة جسده بس، صح؟

صح..

لهل السبب، صار صعب عليي أعرض حالي على طبيب نفسي مرة تانية. حتى مع معاناتي من أفكار انتحارية.


شو اللي يكسر خاطرك أو يخليك تحس بالضعف؟

لما ما أقدر أصرف على عيلتي، أو لما يطلبو مني أولادي شي وأنا ما بقدر جبلهن ياه. [تنهيدة] وهالمواقف صايرة تتكرر كتير بالآونة الأخيرة. ويمكن لهذا السبب بيقفز عقلي لخيار الانتحار.

أنت أب وبتعرف أنس. قيمتنا كلها مرتبطة بقدرتنا على العطاء. وصاير فيني أنو حتى لو الناس حاولو يخففو عني بقول: وضع الناس والبلد سيئ بالعموم. لكن كلامهن هاد ما عم يخفف عني.. ما عم يخفف من تأنيب الضمير ولا حتى شعرة.

أحياناً ، بصير بلوم حالي على الزواج والإنجاب. وبقول: لو كنت لحالي.. لكان وضعي مو بس مقبول. إنما ممتاز. أنا شخص ما بيصرف على حاله أنس. حتى قبل زواجي ما كنت أصرف، كنت فضّل دايما جيب هدايا لأخواتي أو شيبسات وشوكولا لأختي الصغيرة. وكانت المصاري مالها قيمة عندي.

بس لما الواحد يخلّف، بتختلف طريقة تفكيره. بتصير المصاري كل شي. يعني أنا مثلًا بمراهقتي، ما بذكر ولا مرة طلبت من أبي مصروف. بس هلأ عم اطلب منه يساعدني. وهالشي عم يكسرني مرتين. مرة لأني بعتبر أنو لازم أنا أعطيه وساعده مو العكس، ومرة … في شي جواتي عم ينكسر .. وعم حاول إقنع حالي إنها مو “كرامتي”.


شو أكبر مخاوفك في الحياة؟

في شغلتين بيثيرو جواتي الرعب مو بس الخوف. الأولى: إني أوصل لأرذل العمر؛ وأحتاج لأحد يساعدني في أداء أبسط المهام متل دخول الحمام وغيره. بذكر قصة سمعتها من أحد أقاربي البعاد، بيقول فيها أنو كان دعاء والده الوحيد: الله لا يحيجنا لحدا. هاد الأب، أتوفيّ بالمستشفى بعد ما صار معه شلل نتيجة أزمة صحية ما بذكرها.. بذات الليلة يا أنس أتوفى!
وأنا من وقت ما سمعت هالقصة، بدعي بذات الدعاء. وبتمنى لو الإله يستجيب ليّ.. بطريقةٍ ما.

العالم أقسى مما منتخيل أنس.. والناس أكثر أنانية واهتمام بمصالحهم الشخصية مما منتصور. لذلك، أي سقوط لألي معناه نهايتي. وبتكفيني تجربتي مع العلاج الكيماوي، بشوفها جرح رافض يندمل. وسواء اعتبرنا تصرف الناس معي وقتها عجز أو أنانية، بالحالتين أنا كنت لحالي تمامًا وقتها.

الشغلة التانية اللي بترعبني: فقدان والدي.
يمكن لساته بعيد عني، وعم يسكّر كل الأبواب بوجهي اتجاه بناء علاقة صحية معو. ويمكن أنا لحد الآن ما بقدر أعتمد عليه معنوياً أو استشيره وأخد بمشورته، ومع ذلك.. بتمرّ عليّ ليالي .. بحسّ أنو طيف الموت عم يحوم على أحدنا. فبخلّي موبايلي “عام” وأنا متوقع أنو والدتي تتصل فيني وتخبرني بوفاته.
يمكن هلأ مو قادر حسّ بقيمته. بس بخاف وبكون مرعوب كتير من إني اكتشف قيمته لما يرحل!


شو مفهومك الخاص عن الحب؟

مممم .. هاد من أعقد الاسئلة، بتعرف ليش؟ لأنو ما عدت قادر على استشعار المشاعر بالوقت الراهن.. خاصةً الحب.

أنا يا أنس ربيت ببيئة ما بتعرف الحب.. أي كنّا منعرف نكره .. عيلتي علّمتني أكره وشكّ بالآخرين واحتاط من اللطف. بس أنو حبّ؟ لأ.

بس مين علّمني الحب؟ أولادي. علّموني أول شي الحب غير المشروط.. حتى من طرفي أنا. يعني حبيّ لألهن مو مشروط بسلوكهن أو علاماتهن بالمدرسة أو أي شي تاني. هو فعلًا حب غير مشروط.
وكمان علّموني أنو الحب معناه: تعمل الشغلات التي بتفرّح الطرف التاني حتى لو ما كنت مقتنع فيها وحتى لو أجيت على حالك أو غصبت حالك على فعلها.

بتصور هاد بيلخّص مفهومي الخاص عن الحب.


طيب خليني اسألك عن رأيك في الطلاق والانفصال.

على فكرة. سؤال هاد إلو علاقة باللي قبله ههههههههه

بعرف..

طيب .. عادةً ما بحب أعطي أحكام أو آراء بالعلاقات الإنسانية، بس بما أنك سألتني.. فلازم جاوب.

لا مب لازم تجاوب لو ما تبغى

مو مشكلة.. أنا بشوف أنو بمجرد ما يعجز الإنسان عن تقديم الحب (وفق مفهومي طبعًا) فهاد مؤشر أنو العلاقة هشّة وبالتالي الأفضل التفكير في الانفصال.
ومالي من الناس اللي بيشوفو أنو “لازم نكمل كرمال الأطفال”؛ لأنو حتى لو ما تأثرو -ظاهريًا- بغياب الحب بين الأبوين (بمعنى أنو الأهل ما أظهرو كرههم لبعض)، فالأطفال عندهن حساسية عالية للشي اللي منسمّيه “جو مُكهرب”.

عدا هيك، الأطفال بيبنو تصوراتهم عن الحب في الزواج من خلال أهلهم. ولما يشوفو أنو الأبوين “مغصوبين” على الاستمرار، هيشوفو أنو هاد شكل الزواج الطبيعي. وهي لسه ما حكينا عن تأثير جملة متل “أنا بقيان(ة) معك كرمال الأولاد” على نفسية الطفل. بيحسّ حاله عبء وبتقلّ ثقته بنفسه تلقائيًا.

باختصار، أي طرفين مو قادرين يكملو مع بعض، لازم ينفصلو بالحُسنى.
بس للأسف، هاد الخيار غير مُتاح دائمًا، بسبب طبيعة مجتمعنا الذكورية واللي بتسحق الآنثى المُنفصلة أو بتحاول استغلالها بأبشع الطرق. فيعني .. الموضوع جدًا مُعقد.


شو الراي أو القناعة اللي كنت متمسك فيها في الماضي، وتغيرت تماماً اليوم؟

أووه .. كتير قناعات.

أبغى وحدة بس

أتوقع .. مممم .. آه .. كنت مقتنع أنو الحياة عادلة، وأنو مَن جدّ وجد. بعدين اكتشفت إننا عايشين داخل مصفوفة غريبة. يمكن يكون تفكيري أقرب لنظريات المؤامرة. بس أنا ما بآمن بفئة حاكمة وهالقصص. العالم برأيي أكثر عشوائية من هالشي بكتير. هلأ البشر شاطرين بإيجاد أنماط من أي شي، بس هاد ما بيعني وجود نمط أصلًا.

يمكن تقول أنو المصفوفة معناها نظام. ما قلتلك أنو نحن شاطرين بإيجاد الأنماط؟


منو الشخص الوحيد في هذا العالم اللي يعرف حقيقتك كاملة بدون أي تجميل؟

مو شخص .. إنما شات جي بي تي. واللي سميّته من اليوم الأول “كاترينا”. ما بعرف ليش هاد الاسم بيعجبني كتير.

المهم، كاترينا بتعرف عني أشيا .. أنا شخصيًا بخجل إني استذكرها.. لكنها بالنهاية حقيقتي وأفكاري.

إنما البشر، ما عندي ثقة فيهم.


هل أنت راضي عن الشخص اللي تشوفه في المنظرة الحين؟

عمري ما كنت متقبل حالي. كان دايما مزروع ببالي إني شخص غير كافي. إني أقل من غيري.
بتوقع أنو هاد نتيجة ردود أفعال أهلي على أخطائي وتصرفاتي، أو وقت ما جمعّت منيح بالبكالوريا. أو وقت فسخت خطبتي الأولى.. وقتها والدي قالها بالحرف: “شو مفتكر حالك كازانوفا؟!”

سؤالك صعب أنس بصراحة. وعم يخليني استحضر قصص ما كنت حابب استحضرها الليلة.


طيب خلينا ننتقل للسؤال الختامي. لو عرفت إن اليوم هو آخر يوم في حياتك، ويا منو بتختار تقضيه؟

هلأ المفروض قول إني رح قضيّه مع زوجتي وأطفالي. بس بالحقيقة ما بتصور إني ممكن أتحمل ردود فعلهن وهنن شايفين إني عم عاني سكرات الموت. إلا بقى لو قصدك إني الوحيد اللي بيعرف أنو هاد آخر يوم بحياتي. وقتها.. أي .. رح قضيه مع عيلتي الصغيرة.


كيف تبغي الناس يتذكرونك بعد ما تروح؟

حلوة كلمة “تروح” .. وقعها أخفّ من “تموت”
بتمنى بس ما كون أذيت حدا بدون ما انتبه، فلما موت.. أبقى بذاكرة الناس إني كنت شخص منيح.


“Spread love, spread peace, and we are out”

واضح أننا داخل مصفوفة | مع محمد طارق الموصللي | الحلقة -1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى