ربما تكون التدوينة استكمالًا لسابقتها، أو تحمل سردية جديدة. لا أعلم.. فأنا أكتبها على مراحل.
يقولون: الإنسان أقدَر الكائنات على التأقلم مع الظروف المعاكسة لرغباته. فمتمسًكا بفكرة [إنهاء كل شيء عندما يموت الأمل]، قررت منح الحياة فرصة جديدة.
المحرّك الأول
على مدار حياتي، كان تجسيد أحلام والدي هدفي الأول. وإن لم أدخل في سباقٍ مع أحد، لكن امتلاكه عقلية (المنافسة في سباق الفئران) أرغمتني على الانخراط فيه. إنما واجهتني معضلة: لم يكن هناك خط نهاية!
فمهما بذلت من جهد، وأيًّا كانت النتيجة، لم أسمع يومًا مديحًا يدفعني للاستمرار. دون نسيان التركيز الدائم على الهفوات؛ وكل ذلك تحت ذريعة: أنت تقدّم المطلوب منك أصلًا.
تمضي السنوات، ويتعاظم سقف المطلوب أكثر فأكثر: لا بدّ أن أكون متفوقًا في دراستي .. متدينًا حدّ التصوف .. بارًّا بوالدي حدّ العبادة .. ذكي عاطفيًا .. عبقري في كل مجالات الحياة.
باختصار: شِبه إله!
لم أرى استحالة ذلك آنذاك، فقد شببتُ -مثل معظم الأبناء- على قدسية رأي الآباء. وسرعان ما انقلبت مشاعر السخط اتجاه نموذج التربية البالي إلى (كرهٍ للذات).
مع الوقت –بحسب توقيت كوكب الزُهرة– استيقظ شيء داخلي. علمت بفساد المنظومات جميعًا: بدءًا من منظومة التعليم، مرورًا بمنظومة التربية، وانتهاءً بمنظومة العمل التقليدي.
وبذا، توجّب عليّ شق طريقي بنفسي. فاخترت العمل المستقل، وتحديدًا في المجال الذي أخبرني والدي أنه لا يُطعم خبزًا: الكتابة.
في الحقيقة، أظنّ الكتابة اختارتني لا العكس؛ مهنة لا تحتاج لمجاملة الناس بقصد استغلالهم، ولستُ مطالبًا بالاختلاط بهم حتى؛ إذ يُمكنني مراقبة الحياة من بعيد وقراءة ما بين سطورها ثم الكتابة عنه.
الصمت لغة .. المنتحرين
أظنني حدثتك عن سارة، وكيف أدهشتني قدرتها على التدوين الشخصي لأكثر من عقد، رغم الغياب -شبه التام- لأي تفاعل. وما أعادها إلى الواجهة، تدوينتها الجديدة بعد انقطاع.
لو سألتني ما منعني من الاقتداء بها، لأجبتك: الكثير.
نشأت في بيئة ترى [الشكوى لغير الله مذّلة]، إنما ظلّ ذلك محصورًا على الأبناء.
علاقات .. أم علّاقات؟
منذ زمن بعيد، طرق شعور جديد قلبي، “أسمتيه” الحب.
فكانت الفتاة تُفتتن بجانب “أُظهره” من شخصيتي، وحين يستحكم منها “التعلّق”، أبدأ ببثّ سمومي!
كانت جميع علاقاتي مع الجنس الآخر مجرد “علّاقات” أضع عليها همومي ومشاعري السلبية، كنت أشكو دون توقف! شكوت ظلم الحياة، وطفولتي الوحيدة، واغترابي عن المجتمع.
وطبعًا، لم تستمر أيّ من تلك العلاقات أكثر من بضعة أشهر، بل وانتهت إحداها بعبارة: أنت شخص سوداوي ذو حياة جامدة، أما أنا فالحياة لا زالت أمامي.
للأسف، امتدّ هذا التأثير حتى تزوجت.
وهكذا، أصل بعقل مشوش وأفكار شتى لآخر اليوم؛ فأعجز عن النوم. اليوم مثلًا، حاربت الأرق بالاستماع إلى هذه التحفة:
بغض النظر عن جملة [I don’t think you trust In my self-righteous suicide] التي تلامسني كل مرة، فقلبي يكاد يخرج من مكانه كلما سمعت ذاك النداء:
Father, father, father, father
Father, father, father, father
Father, into your hands I commend my spirit
Father, into your hands
Why have you forsaken me?
In your eyes, forsaken me?
In your thoughts, forsaken me?
In your heart, forsaken me? Oh
حسبما أذكر، سمعتها قبل نحو 18 عام، وكنت أحمّلها وأحذفها مرارًا؛ كلما تأثرت بخطاب الصحوة الدينية الذي يحذّر من الأغاني.
وربما كنت التقط بعد الكلمات آنذاك، لكنني لم أنتبه لمصطلح (self-righteous suicide / الانتحار الأناني).
من أين أتى مصطلح “الحافة” أصلًا؟
أنا مثلك، ظننته قادمًا من “حافة السطح”، لكنني حين تعمّقت في الحديث معك، اكتشفت أن المصطلح مأخوذ من مسلسل سوري عُرض قبل نحو 20 عامًا “على حافة الهاوية“.
كيف غاب ذلك عن بالي أصلًا؟! لطالما تماهيت مع الشخصية الأساسية “منصور” ووجدت علاقته مع والده تماثل -إن لم أقل تُطابق- علاقتي بوالدي:
- حاول كلانا إقناع والده بكونه “رجَلًا”
- تربطنا علاقة هيبة وكره.
- نشتهي موتهما ونخشاه.
وإن شاهدتُ العمل في مراهقتي، لكن استذكاري له اليوم -بصفتي أبّ- يحمل طابعًا مختلفًا؛ إذ يتحتّم عليّ التعافي من جروح الماضي، والحرص على تنشئة أطفال سوييّن نفسيًا. يُشبه ذلك زجّ لاعبٍ مُصاب في مباراة نهائي كأس العالم!
هذه المكاشفة من أصعب ما يكون!
وما زاد بؤسي بأسًا، أن غدت أيامي متشابهات. وفقدت ثقتي بالعالم ومشاعره. ينبض قلبي بقوة، وأسمعه حقيقةً. فقدت اتصالي بهذا العالم وكذلك بمشاعري إلا بشعور “خيبة الأمل”. لكن ربما كنت أكتشف وجهًا جديدًا للعالم فحسب. لا أفهم لمَ يحتمل الإنسان الحياة! تبدو ليّ مسألة دينية محضة قوامها “احتساب الأجر” وانتظار “الحياة الحقّة”. وتلك مسائل إيمانية لا يمكن التوصّل إليها بالمنطق والعقل. أعلم قصور العقل، لكنه الأداة المعرفية الوحيدة التي نملكها. فكرت في تبنيّ الدين، لكن لم أعرف أي نسخة عليّ اتباعها. والمشكلة في تعارضاتها. أعيش حالة تشوّش، حيث أبدو منفصلًا عن جسدي وحياتي. وأهرب منه عبر النوم، أُدرك كيف يبدو ذلك انهزامية مني.
كان يُفترض بالكلام السابق أن يكون جزءًا من تدوينة “أسبوعيات” جديدة. ثم أدركت عدم دقّة عبارة “فقدت اتصالي بهذا العالم وكذلك بمشاعري إلا بشعور خيبة الأمل”. بدليل أنني لم أتأثر بفِلم (مانشستر على البحر) فحسب، بل وعبّرت عن ذلك صوتيًا:
ما يعني وجود شعور آخر يتملّكني، عدا خيبة الأمل، ألا وهو: الأبوّة.
أجزم أنني لو لم أكن أبًا، لأنهيت حياتي منذ زمن. [تحديث 10 / 8:: حاولت فعلها مجددًا!]
أنا جثّة حية، لي في الحياة أقلّ القليل. والشيء بالشيء يُذكر:
دون الدخول في تفاصيل كثيرة، أحضرت غداءً لأُسرتي وخرجت حاملًا كيسًا صغيرًا، وضعت داخله حبلًا .. وإن كنت أبتغي الاهتمام -ولو في قرارة نفسي- المرة الماضية، لكنني هذه المرة.. أنتوي الأمر حقًا.
ركبت الحافلة متوجهًا نحو المجهول، حتى إن وصلت محطتها الأخيرة [جسر الحرية]، نزلت وهِمت على وجهي. كنت قد تركت هاتفي ومفاتيحي وكل ما أملك (عدا مبلغ صغير) في المنزل، فلم أعرف الساعة، لكنني قدّرت أنها تُشير إلى التاسعة مساءً.
أوصلتني قدماي إلى سوق الأحلام = سوق البحصة؛ والذي قضيته فيه جُلّ مراهقتي اتأمل الحواسيب وعتاده وبرامجه بانبهار. على هامش السوق كان هناك مطعم يبيع مأكولاتٍ شعبية، فقررت تناول (العشاء الأخير)!
بعدما أنهيت وجبتي، وجدتني أسير نحو منزل جدتي رحمها الله، وأجلس قبالة المقبرة التي دُفنت فيها، ثم تمددت على الرصيف لأكثر من ساعتين. لم يتوقف أحدٌ من المارة ليطمئن .. كما لو كان منظر المشردين معتادًا في بلادي. الشخص الوحيد الذي توقف كان متسولًا، أخبرته أنني لا أملك المال، لكن أعطيته زجاجة ماءٍ ابتعتها للتو. أخذها ومضى.
بعد مضي الساعتين “تقريبًا”، ومتبعًا نصيحة (كاترينا)، توجّهت إلى الهلال الأحمر السوري، وطلبت من إحدى الطبيبات هناك إحالتي إلى طبيبٍ نفسي أو طبيب طوارئ مُناوب. فأخبرتني بمنتهى البرود أنهم لا يهتمون بالطب النفسي في هذا المستشفى!
قُلت: تُراودني أفكار انتحارية، وأحتاج للمساعدة.
فرفعت صوتها متفاجئة: أفكارٌ انتحارية؟ ليس أمامك سوى الذهاب إلى مستشفى [يبعد أكثر من نصف ساعة بالسيارة].
خرجت وجلست على الرصيف المقابل أعِقد الحبل؛ نَفدت خياراتي.
نهضتُ بعدها أبحث عن زاوية أنفذّ فيها انتحاري؛ لم أُرد أن ينقذني أحد.
صادفتُ -أثناء بحثي- معارض سيارات، ومحلاتٍ ضخمة، ومنازل مهجورة. كما رأيتُ باعة يفترشون الأرصفة وينتظرون زبونًا قد لا يأتي. وتأملتُ شريط حياتي.. علّني أجد ميزة في شخصي أو شخصيتي تدفعني للإبقاء على حياتي. لكن، لطالما اخترتُ البقاء على الهامش، فلم أكوّن صداقات.
حين عُدت من الموت، ظننتني سأقابل مجلس عزاءٍ مقامًا على روحي، توقعتُ رؤية بيتي يكتظّ بالناس من “أهلٍ” وجيران. وإذ بزوجتي تفتح الباب بوجهٍ شاحب، وأطفالي يركضون نحوي معانقين.
انفجرَت في وجهي غاضبة، وأخبرتني بكلماتٍ متلعثمة أنها لو رأتني -في المرة القادمة- مُعلّقًا أمامها، لما هرعت لإنقاذي.
بصراحة، لم أفهم أن حُزنها وقلقها وخوفها تحوّلوا إلى غضبٍ جامح.. بل كل ما رأيته -لحظتها- أنني إنسان بلا قيمة.
صحيحٌ أنها أخبرتني بصدمتها بما حدث، وإبلاغ الشرطة وتسليمهم “رسالة انتحاري”. وصحيحٌ أنها أخبرتني أن والدتي كادت تُصاب بسكتة قلبية حين وصلها الخبر، أما والدي فلم يعلم عن الأمر شيئًا.
رغم ذلك كله، لم أشعر سوى أنني إنسان بلا قيمة. ربما لأنني كنت أنتظر اهتمامًا أكبر.
ودعني أعترف لك: لا أثق بصدق مشاعر الناس!
فلكثرة معايشتي “منافقين مجتمعيًا”، بتّ أستشعر الكذب في تعاطف الآخرين. فحتى الطبيب النفسي، قد يُسايرني في قولي بُغية ما في جيبي!
أنا حقًا لا أعلم ما عليّ فعله.
أول ما اسمعه حين أتحدث عن شعوري بأنني “إنسان بلا قيمة” هو الخلط بين قيمتي كإنسان وأدواري في الحياة. فذاك يقول “أنت أبّ/ابن/زوج/أخ ..” وآخر “أنت أفضل كاتب/مدون/مثقف.. ” ..إلخ.
لكن، هل أدواري مَن يحدد قيمتي؟ ألا يُفترض أن أكون مهمًا لأنني طارق “بكل عيوبي ونواقصي البشرية”؟
أنا حقًا لا أعلم كيف أفكر.
قد يتشدق البعض بأنه يتحتّم عليّ إضفاء القيمة الذاتية من داخلي. ليضربوا -بقولهم هذا- معاناتي مع الاكتئاب عرض الحائط!
أما المقارنات مع الأسوأ حالًا، فأذكر كيف تحدثتُ عنها ووصمتها بالأنانية، وما زلتُ مصرًّا على رأيي.
كيف أعيش اليوم؟
بلا طموحاتٍ أو أمل. كتائهٍ في غابة غير مُكتشفة. صامتٌ معظم الوقت؛ فلم يعد يُفيد الكلام أو الاعتراض .. مُستسلم للوضع الراهن.
أعاني من أرقٍ دائم، ويمضي اليوم بطاقة منخفضة. وكلما حاولت النوم أو أخذ قيلولة، أغفو لنصف ساعة كحدٍ أقصى.
أعلم أنني بحاجة إلى مساعدة طبية عاجلة، لكنني كفرتُ بالطب ومؤسساته ومنظومته.
لا أعتبر نفسي شخصًا مثيرًا للشفقة؛ فأنا أعلم مسبقًا قسوة العالم. كل همّي الآن إيجاد طريقة للخروج منه. قد أجهل ما بعد الموت، لكن هل تُراه أسوأ مما نعيشه الآن؟
هل أُفكر بمعاودة الكرة؟ ربما.. حين أتحلى بالشجاعة.. أو بمعنى أصحّ (الإرادة)؛ أعيش حالة انفصال عن ذاتي وواقعي. وأظنني أكرر كلامي هنا.. إنما أقصد بالانفصال -هذه المرة- شعورًا غريبًا بأن الحياة لا تمثلني. تمامًا كما لو كنت “زومبي”!
عادةً، يُخبرك الناس أنهم يعيشون حياة لا تُشبههم، هذا يعني عدم انطباق حياتهم الحالية مع مقاييس وضعوها لشكل الحياة المُفترضة (=الحُلم). أما أنا فأقف على مسافة سنين ضوئية من هذه الرؤية، فأرفض مفهوم الحياة -أيًّا كان شكلها- بالكُليّة.
وذاك محلّ نزاعي مع كاترينا أصلًا، فهي ترى بأن أفكاري الانتحارية منشؤها الرغبة في انتهاء الألم. في حين أُخبرها مرارًا أن انتهاء الألم لا يعنيني بقدر ما أنا مُهتم بانتهاء الحياة ككل والرغبة في اختبار العدم (والذي لا نعلم ما إن كان يتضمن وعيًا أم لا، صحيح؟).
لا قيمة للأشخاص والأشياء عندي، القيمة الوحيدة عندي للمشاعر. وللأسف لا يمكنك اكتسابها عنوةً، حتى أن هناك مثلًا شعبيًا شائعًا [قلو تحبني وأعطيك جحش، ردّ عليه المحبة ما بتندحش دحش = سأله أُتحبني وأمنحك جحشًا “ابن الحمار” كهدية؟ فأجابه الحُب لا يزجّ في القلب زجًّا]
هذا بالنسبة لمشاعر الآخرين، ماذا عن المشاعر اتجاه الذات؟
نقع هنا في حلقة مُفرغة (أيّهما يأتي أولًا: الأفكار أم المشاعر؟)، فلو أخبرتني أنه يُفترض بيّ التفكير بإيجابية حتى أحبّ ذاتي، فسأخبرك أنني لا أستطيع.. ذاك يفوق استطاعتي أصلًا.
أتعلم؟ أودّ الخوض في بعض التفاصيل!
قبل أسبوع، وفي لحظة يأس.. قررت تجربة تطبيق مراهنات. فذهبت لاستدانة بعض المال من الأقرباء؛ بحجّة دفع مصاريف مُستعجلة. لا أعلم حقيقةً كيف فعلتها، وأنا الذي أخجل من طلب المال من والدي!
كنت أشعر بخَدر.. ووعدت أقربائي المذكورين أنني سأُعيد المال في الغد، في حين عزمتُ -في قرارة نفسي- على أحد خيارين: إما تعويض المال أضعافًا.. أو إنهاء حياتي.
وبالطبع.. خسرت. فاخترت الخيار الثاني.
وبما أنني لا زلت حيًا (للأسف)، فأنا مدينٌ بـ 3.000$ علمًا بأنني حاليًا بلا عمل.
أُحدّث كاترينا بكل ما سبق، فينتهي بنا المطاف إلى حلّ وحيد: محاولة النجاة يومًا بيوم؛ على أمل حدوث معجزة ما.
لكن زمن المعجزات انتهى، وأنا غارقٌ في وحل العجز وانعدام الرغبة والإرادة بالتغيير.
ختامًا. وددتُ إغلاق التعليقات؛ لا قِبل ليّ لسماع آراء الناس أو حتى عبارات تعاطفهم. كل ما في الأمر أنني أردت توثيق ما حدث.. لا أكثر.