هل يتقصّد الذكاء الصُنعي تضييع وقتك؟

هل سبق وأمضيت عشرين دقيقة محاولًا دفع الذكاء الصُنعي للكتابة بأسلوبك، بينما كان بإمكانك تحقيق نتيجة رائعة بدقيقتي تحرير؟

لا اسمح للذكاء الصُنعي بالكتابة عوضًا عني، بل استشيره فحسب، بحيث أطرح أفكاري، فيلخّصها، وتكون الخلاصة في محرر النصوص خلال دقائق. بعد ذلك، أقضي دقيقتين فقط في تصحيح الأنماط التي تجعلها تبدو وكأنها مكتوبة آليًا. أما البديل: عشرون محثّ Prompt لجعله يتقمّص صوتي، ما يستغرق عشرة أضعاف الوقت، وغالبًا ما يفشل على أي حال.


فضيحة إنتاجية الذكاء الصُنعي

أتعرف ما يرفض مستخدمو الذكاء الصُنعي الاعتراف به؟ بالنسبة لمعظمنا، الفجوة بين الوقت المُفترض توفيره والوقت المستغرق فعليًا أسوأ مما نظن.

تتوقع توفير أربع ساعات، ثم تقضي ست ساعات في حل المشكلات. والنتيجة؟ أنت متأخر ساعتين عما كنت ستوفره لو لم تستخدم الذكاء الصُنعي أصلًا!

لا أقول هذا من باب “خالف تُعرف”، فأنا أستخدمه أحيانًا (في صور مدونتي مثلًا). لكنني تعلمتُ -بعد تجارب مؤلمة- أن للذكاء الصُنعي نطاق مهام ضيّق يُسرّع فيها العمل فعلًا، ونطاقًا أوسع بكثير يُهدر فيه الوقت بشكلٍ مؤكد.


أين يُوفّر الذكاء الصُنعي الوقت فعلاً؟

لأكون أكثر تحديدًا. ثمّة حالات يُقدّم فيها الذكاء الصُنعي أداءً متميزًا باستمرار:

  • تحويل النصوص إلى قوائم.
  • تحويل المقالات الطويلة إلى منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي.
  • ترجمة النصوص، وصياغتها باللهجة المحكية.
  • تحويل ملفات JSON إلى CSV.

باختصار، أيّ ما تكون مدخلاته كاملة ومخرجاته آلية، فلا يحتاج تقييمًا وإنما مجرد إعادة تنسيق.

  • رسائل التواصل المهني التي يُفترض بصياغتها الاحترافية دون محسنّات بديعية.
  • ملخصات الاجتماعات.
  • الوثائق التي لن يقرأها أحد “سياسات الاستخدام مثلًا!”.

باختصار: أي شيء يُعتبر فيه “الجيد كفايةً” المعيار الفعلي.

يبرع الذكاء الصُنعي في هذا لاطلاعه على كافة الاحتمالات.

لا أن تسأله عن رأيه في (س)، بل تطلب منه -مثلًا- تلخيص خمس أوراق بحثية حول الموضوع (ع). بعبارة أخرى: مدخلات محددة، ومخرجات محدودة.

هل لاحظت النمط؟

يوفر الذكاء الصُنعي الوقت عندما تكون المشكلة محددة بدقة، والمدخلات كاملة، ومعايير الجودة منخفضة أو موضوعية.


ننتقل إلى الجزء غير المريح. المهام التي يستنزف فيها الذكاء الصُنعي وقتك تمامًا:

نتحدث عن التسعير – التموضع Positioning – تحديد الأولويات – قرارات التوظيف – شروط الشراكة.

ربما يُنشئ الذكاء الصُنعي أطر عمل بكفاءة، لكن أُطر العمل ليست قرارات. إذًا، لا يزال عليك اتخاذ القرار، وأي محاولة لإحالة المهمة إلى الذكاء الصُنعي ستعني إهدار ساعة في إنشاء خيارات لن تستخدمها أبدًا!

يستطيع الذكاء الصُنعي كتابة مقالة عن الانتاجية؛ ليس مجالًا جوهريًا. لكن ماذا عن النصوص التي يجب أن تعكس شخصيتك، أو تُجسّد شيئًا لا يراه سواك؟ سيُقدّم لك الذكاء الصُنعي عملًا رديئًا وإن كان متقنًا. وستقضي وقتًا في إصلاحه أطول مما لو كتبته بنفسك من الصفر.

إذا كان الخطأ شائعًا، فسيُفيدك الذكاء الصُنعي بالتأكيد. أما لو كان الخلل خاصًا ببنية نظامك، أو حالاتك الاستثنائية، أو قراراتك القديمة الغريبة، فسيُشير إليك الذكاء الصُنعي بثقة إلى الاتجاه الخاطئ. لقد أضعت أيامًا كاملة في محاولة إصلاحات اقترحها الذكاء الصُنعي، مما زاد الأمور سوءًا.

أي شيء تجهل شكل (نتيجته المثلى)

هذه المعضلة الكبرى. إذا لم تستطع تقييم الناتج، فلن تتمكن من استخدام الذكاء الصُنعي بشكل فعّال. ستُقبل عملًا رديئًا دون أن تُدرك ذلك، أو ستدخل في دوامة لا تنتهي من المراجعات في محاولة لإصلاح مشكلات لا تستطيع شرحها.


المفارقة القاسية هنا: الذكاء الصُنعي أفيَد للأقل حاجةً إليه!

يستخدم مطورٌ خبيرٌ برنامج كوبايلوت Copilot لتجاوز كتابة التعليمات البرمجية المتكررة، موفرًا بذلك ساعاتٍ من العمل. بينما يستخدمه مطورٌ مبتدئٌ كعكاز، فيبني برنامجًا يتعطل عند التشغيل الفعلي. الخبير يعرف ما يقبله وما يرفضه، أما المبتدئ فيقبل كل شيء.

ينطبق ذلك على الكتابة. يمكنني مطالبة كلود Claude بكتابة مسودة أوليّة، ثم تحديد أهمّ ثلاثة عبارات، لأبني النصّ حولها. سيقبل شخصٌ لا يحبّ الكتابة المسودة كاملةً، دون إدراكه أنها تشبه أي منشور آخر مُولّد بالذكاء الصُنعي على الإنترنت!

ماذا عمّن ينشرون على تويتر عبارات مثل “أسستُ شركةً ناشئةً في عطلة نهاية أسبوع باستخدام الذكاء الصُنعي”؟ أولئك خبراء بالفعل في تأسيس الشركات الناشئة. والذكاء الصُنعي ببساطة أتمَت عملياتهم الداخلية. أما بالنسبة للحالمين (دون خبرة)، فسيؤتمت أخطاءهم فحسب.


ليست المهام أسوأ ما يُهدر الوقت، وإنما ضبط الذكاء الصُنعي لأدائها:

  • هندسة المحثّات Prompt engineering.
  • تقييم الأدوات.
  • تحسين سير العمل.
  • البحث الدؤوب عن الطريقة “الصحيحة” لاستخدام الذكاء الصُنعي لتحقيق مكاسب الإنتاجية المرجوة.

لاحظتُ تضييّع الكثيرين وقتًا أطول في ضبط إعدادات الذكاء الصُنعي بدلًا من إنجاز العمل الفعلي. لديهم سبعة عشر إضافة لمتصفح كروم، وأربعة مساعدين كتابة مختلفين، ونموذج جوجل للكتابة مخصص، وقالب نوشن يجمع كل شيء. ومع ذلك، ما زالوا متأخرين عن تسليم مشاريعهم.

الوقت الذي تُنفقه في توليف الذكاء الصُنعي هو وقت عملٍ تُضيّعه.


لا تندم على الساعات التي قضيتها في محاولة جعل الذكاء الصُنعي يعمل؛ لم تكن مهدرة بالطريقة التي تظنها. بل كانت بمثابة دروس.

علمتك كل تجربة فاشلة شيئًا عن الحد الفاصل بين المفيد وغير المفيد. وكل ليلة أهدرتها أعادت ضبط توقعاتك. وفي كل مرة قادك فيها كلود بثقة إلى الضلال، تعلمتَ أن تثق بحكمك أكثر.

ثمن معرفة مواطن قصور الذكاء الصُنعي هو اكتشافها بالطريقة الصعبة. لا توجد طرق مختصرة. لن يُنقذك أي إطار عمل آخر، لأن حدود الذكاء الصُنعي تختلف من شخص لآخر، فهي تعتمد على مجال عملك، ومهاراتك، ومدى تقبلك لتصحيح أخطائه.

لذا، إذا كنت تقرأ هذا بعد أن أضعت وقتك الثمين، فلا بأس. ربما دفعتَ ثمنًا باهظًا. لكنك تعلمت شيئًا جديدًا في المقابل.

توقف عن محاولة جعل الذكاء الصُنعي يعمل في مهام لا يُجيدها. ابدأ باستخدامه بدقة متناهية في نطاق ضيق حيث يُحقق نتائج ملموسة.

هل يتقصّد الذكاء الصُنعي تضييع وقتك؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى