لستَ تائهًا، لكنك تحيا داخل “المصفوفة”

في الصيف الماضي، كنت في حفلة اقامها أحد أقاربي لابنه الذي أنهى دراسته الثانوية. وأثناء تناولنا الطعام، جلس الشاب بمحاذاتي وسألني: “ما مدى ضرورة الدراسة الجامعية برأيك؟”

كان يعلم موقفي من النظام التعليمي؛ فأدركت أنه يتوقع مني رأيًا قاطعًا في المسألة. لكن عوض التعبير عن رأيي، سألته ببساطة:

هل ستلتحق بالجامعة لتتعلم، أم لتكتسب خبرة حياتية، أم تهمّك الشهادة فحسب؟

فكّر قليلًا، ثم اعترف أنه لا يعرف حقًا بما يجيبني.

[بالمناسبة، أحب إجابة “لا أعرف” كثيرًا]

ظلّت تلك اللحظة عالقة في ذهني بعدما كشفت عن شيء نادرًا ما نتحدث عنه: نحن ندعو الناس لدخول أنظمة الحياة دون مساعدتهم على فهم لما صُممت تلك الأنظمة فعليًا. وبالتالي، حين يشعر المرء بخللٍ ما، يفترض أن العيب فيه. وبصراحة، في أغلب الأحيان، لا يكون ذلك الافتراض دقيقًا.

لستَ تائهًا، لكنك تحيا داخل "المصفوفة"

عندما تشعر بوجود خطبٍ ما، لكنك تعجز عن تفسيره

لا يصحو معظمنا فجأةً مع إحساس بالتعاسة أو القلق؛ عادةً ما يتشكّل الشعور بهدوء أكبر. فنستشعر وجود مشكلة تحرمنا الرضا عن ذواتنا، لكن المعضلة أننا لا نستطيع تحديدها بدقّة؛ وهكذا ندفع أنفسنا نحو بذل جهد أكبر، ونسعى نحو مؤهلاتٍ أفضل، وقد نتطلع إلى الترقية التالية أو نركز على التقاعد باعتباره المكافأة المنتظرة.

بعبارة أخرى: نحاول التغلب على (شعور ما) عبر تحسين أنظمة داخلية لا نراها بالكامل. لكن بمجرد رؤيتك تلك الأنظمة بجلاء، يحدث شيء مثير للاهتمام: نتوقف عن التساؤل حول كيفية الانتصار عليها، ونبدأ البحث عما يعنينا فعلاً.

هذا التحول بدايةُ كل شيء.


هل يرتبط التعليم بالتعلم .. أم بالشهادات؟

عادةً ما يكون (التعليم) أول نظام رئيسي نلتزم به.

وترانا نتحدث عن التعليم الجامعي وكأنه مرادف للتعلم. الغريب أن التعلم اليوم موجود بوفرة، وبتكلفة بسيطة، ومن أي مكان تقريبًا في العالم. ولا آتي بجديد لو أخبرتك أن أفضل المحاضرات والدورات والأفكار متاحة لأي شخص لديه اتصال بالإنترنت. فإذا كان هدفك الوحيد هو التعلم، فقد حُلّت مشكلتك.

وهنا يبرز سؤال منطقي: لمّ إذًا تكلفة التعليم الجامعي باهظة إلى هذا الحد؟

الإجابة ببساطة: التعلم ليس المنتج الحقيقي.

يُعد التعليم الجامعي، في معظم الحالات، نظام اعتماد Credentialing system. فالشهادات والدرجات العلمية والاعتراف المؤسسي بمثابة مؤشرات تدل على اجتياز (الخريّج) معايير محددة. هذه المؤشرات تفتح آفاقاً جديدة، وتقلل من الشكوك، وتسهل عملية اتخاذ القرارات لأصحاب العمل والمؤسسات التعليمية.

قد تكون الشهادات مفيدة في بعض المجالات، هي مطلوبة. وفي مجالات أخرى، تُستخدم كأداة تصفية وليست ضمانات.

وبالنسبة للعديد من العائلات، تُعدّ الدراسة الجامعية أيضًا فرصة لاكتساب الخبرة والنضج. قضاء بعض الوقت بعيدًا عن المنزل. التعرّف على أفكار جديدة. تعلّم كيفية العيش باستقلالية. خوض تجارب جديدة في بيئة أكثر أمانًا.

تبدأ المشكلة عندما نتوهم أن غاية التعليم الجامعي هي التعلم؛ حينها ستبدو قيمة الاستثمار فيه -المادية والمعنوية- غير منطقية. لكن بوضع الأمور في نصابها الصحيح، نستعيد حرية الاختيار.


السيناريو الموروث عن الحياة المهنية والتقاعد

ننتقل إلى النظام التالي: المسار الوظيفي. وفيه، نسعى نحو اعتلاء السلم الوظيفي، وتجنّب البقاء في ذات المنصب. ونلاحظ ربطنا هويتنا بلقبنا الوظيفي. ثم، في نهاية المطاف، توعد بالمكافأة التي تُدعى التقاعد.

ما نغفل عنه أن التقاعد -على غرار التعليم الجامعي- لم يُصمم قط لتحقيق الرضا الإنساني، وإنما لإدارة القوى العاملة. نشأت الفكرة الحديثة للتقاعد من اقتصاد صناعي حيث حُددت سن التقاعد بناءً على حسابات اقتصادية، لا على أساس المعنى.

فلم يكن الهدف -يومًا- نقل الناس نحو مرحلة لاحقة هادفة من حياتهم، بل إخراجهم من النظام.

واليوم؟ نعيش سنوات أكثر، وقلّ اعتماد العمل على الجهد البدني وغدا أكثر تركيزًا على المعرفة. ويربط أغلبنا هويّته بإسهاماته. ومع ذلك، ما زلنا متمسكّين بمنطقية التوقف عند سن معينة!

فماذا كانت النتيجة؟ أشخاص ساروا وفق الخطة، وحققوا الرقم الذي صبوا إليه، ليكتشفوا -في النهاية- اختفاء الهوية التي شكّلت حياتهم. وربما شعر الكثير ممن فقدوا معنى حياتهم بأن المشكلة شخصية، بينما في الواقع هي مشكلة في النظام.


لا نظام من هذه الأنظمة شرير بطبيعته. التعليم، والوظائف، والتقاعد. على العكس، صُممت هذه الأنظمة لحل مشاكل حقيقية في عصر مختلف، وقد نجحت لعقود.
لذا، لا يكمن الخطر في وجود الأنظمة، بل في جهلنا أننا جزء منها.

هناك لحظة في فِلم المصفوفة The Matrix عندما يدرك نيو أن استيائه طيلة حياته لم يكن “تشاؤمًا”؛ ثمّة خلل حقيقي في العالم، ولم تكن القواعد التي اتبعها طبيعية، وإنما مفروضة عليه.

حتى تلك اللحظة، كان يشعر بالخلل لكنه لم يستطع تفسيره. وحاول النجاح و”التأقلم” داخل النظام، مفترضًا أن عدم الارتياح كان مشكلته الشخصية.

لم يتغير شيء إلا بعدما أدرك أنه داخل المصفوفة. لا لأن النظام اختفى، بل لأنه رأه أخيراً. يأتي الوعي أولاً، ويعقبه الاختيار.

ينطبق ذاك على الأنظمة التي نعيش داخلها.

طالما لم نُسمِّها، فستبدو الواقع نفسه. نُحسِّن أدائنا، ونمتثل للمتطلبات، ثم نلوم أنفسنا مع إحساسنا بعدم الارتياح. لكن في اللحظة التي تُسمِّي فيها نظامًا ما، تحصل -مباشرةً- على أمرٍ يفتقده معظم الناس.

الاختيار.

ما إن يغدو النظام ملحوظًا، يتوقف عن كونه قدرًا محتومًا. ربما تختار الانخراط فيه، إنما واعيًا بذلك. أنت تفهم ما يكافئه، وما يتجاهله، وما لم يُصمم أصلاً لتقديمه.

رؤية المصفوفة لا تدمرها، بل تحطم الوهم.


المعنى أولًا.. ثم النجاح

لسنوات، رأيت الناس ينتقلون عبر هذه الأنظمة، حتى توصلت إلى استنتاج بسيط :: رسالتنا الحقيقية ليست النجاح، بل المعنى.

عندما يجد الناس معنى لحياتهم، يجد النجاح والسعادة طريقهما إليك. (ستعرف ذلك إن قرأت كتاب الإنسان يبحث عن معنى).

ربما ليس على الفور، ولكن المعنى يساعدك على اتخاذ القرارات عندما تتعطل الاستراتيجيات القديمة. ومن المهم اختياره -لا انتظاره- وإن عنى ذلك الخروج قليلًا عن المسارات الافتراضية.

لا أقول أن عليك الهرب من المصفوفة بالكامل. هذا ليس واقعيًا ولا حتى ضروريًا. الهدف هو رؤيتها بوضوح كافٍ لاتخاذ القرار بشأن ما يهم. قد لا تمنحك رؤية الأنظمة بوضوح إجابات، لكنها تُعطيك أسئلة أفضل.

وعادةً ما يبدأ المعنى من الأسئلة الصحيحة.


لتكتمل الرؤية، فضلًا اقرأ التدوينات التالية:

لستَ تائهًا، لكنك تحيا داخل “المصفوفة”

2 فكرتين بشأن “لستَ تائهًا، لكنك تحيا داخل “المصفوفة”

  1. لم أطّلع على المواضيع المقترحة والمرفقة في هذه التدوينة، لكني أستطيع أن أجزم بأنك أصبت في الكثير فيها..

    واسمح لي بأن احذر المقبلين (إن صح التعبير) من إدمان المعنى الذي يُفقد الحركة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى