يوم في حياة مصاب اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه ADHD

قبل سنوات لا أذكر عددها، أشار عليّ صديقي يونس بالتأكد مما إن كنت مُصابًا باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه. ونسيت الأمر تمامًا.

مرّت الأيام وأنا أتخبط في هذه الحياة.. وحاول كثر مساعدتي .. لكن دون جدوى. ثم فقدت إيماني بالتنمية البشرية و”خزعبلات” تطوير الذات؛ ازداد الأمر سوءًا حتى تعرفت على نظام التصميم البشري.

حينها، تذكرت حديثي مع يونس وقررت البحث في الأمر، فوقعت على تجربة شاب هندي يُدعى سريني راو Srini Rao، وها أنا أنقلها إليك.

التشخيص المبكر لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه

قد يمثّل التشخيص المبكر لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه تحولًا جذريًا، أما التشخيص المتأخر؟ فقد يدمّر حياة المرء!

قبل دخوله المدرسة الثانوية، طُرد جيسي باتيل Jesse Patel، مؤسس Workflowy، من عدة مدارس. غير أن والده تمتع ببصيرة نافذة، فأدرك أن ابنه قد يكون مصابًا باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، وسأله إن كان يودّ الخضوع للعلاج. ورغم معاناته المبكرة، تخرج جيسي من جامعة ستانفورد بشهادتين في الهندسة الميكانيكية وتصميم المنتجات.

الأمر مختلف لمن يُشخّصون متأخرًا؛ فربما أمضوا سنوات يشعرون بالغُربة أو يُعانون لفهم أنفسهم، دون معرفتهم أنهم مصابون بحالة تفسّر ما يحدث معهم.


المؤشرات المبكرة لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه

لم أُشخّص باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه إلا في سن 28، رغم ظهور أعراض طوال حياتي.. تخيّل!

أحجم والداي عن شراء ساعاتٍ لي في الصف الثاني الابتدائي، وفقدتُ ستة هواتف محمولة في عام واحد، ومرّت عليّ أيامٌ قلبت منزلنا رأسًا على عقب بحثًا عن مفاتيحي .. لأجدها في جيبي.
تشكّك لحظاتٌ كهذه أنك تُعاني من بوادر ألزهايمر!

يقول بيتر شانكمان في كتابه “أسرع من الطبيعي Faster Than Normal“:

“عندما تعاني من نقص الانتباه مع فرط النشاط، تغدو قلّة الأشياء أفضل. فالفوضى مصدرُ إلهاء متأهب”.

لهذا، لا أخلع ساعتي الذكية حتى يفرغ شحنها تمامًا، وأحاول امتلاك أقل ما يمكن من الأشياء.

بسبب سرعة تفكيري غير المعتادة، أنسى…

  • إعادة تغطية معجون الأسنان (آسف أمي، لا زلت أحاول).
  • إغلاق أبواب الخزائن والسيارات والباحات.. إلخ.
  • إطفاء الأنوار (أعلم يا أبي أنه ليس عيد ديوالي Diwali)

تصفني والدتي وأصدقائي المقربون بالإعصار. فبعد زياراتي، يجدون دائماً أشياءً تركتها ورائي. فعندما تُصاب باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، تنسى هذه الأمور لأن عقلك يعمل بسرعة فائقة ولا تُبالي بها. ما يعتبره معظم الناس مهمًا، تراه أنت عديم الجدوى.

وتلك المفارقة الكبرى: أتكسّب من الإصغاء إلى الآخرين، لكنني أعجز عن الصمت في الحياة اليومية! وعندما تسألنني مستمعات البودكاست الخروج في موعد غرامي، يصدمن بردود فعل صديقاتهن: إنه لا يستمع.
ما لا يعرفه معظم هؤلاء أنني أستمع إلى كل شيء وأتذكره بتفاصيل دقيقة للغاية. بل يُشيد بعض أصدقائي باستذكاري بقصصهم أفضل منهم.


يقول نيد هالويل “Ned Halowell” في كتابه “ADHD 2.0“:

“لو بحثت داخل أدمغتنا، لوجدتَ أفكارًا تتقافز كحبات الذرة في آلة صنع الفشار: أفكار مثل الطقطقة، ودون مواعيد. وأخرى تتفجّر في دفعات عفوية وعشوائية. ولأننا لا نستطيع إيقاف هذا الجنون، تعجز غالبًا عن تهدئة عقولنا ليلًا”.

وإليك إحدى الطرائق التي تُعينني بها تطبيقات مثل (Workflowy) على التعامل مع اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط؛ أصبحت جزءًا أساسيًا من عملي لأن:

  • يمكنني تدوين الأفكار فور ظهورها.
  • تساعدني الروابط ثنائية الاتجاه على تتبع عملية التفكير التي أدت إلى ظهور فكرة ما.
  • باستطاعتي تتبع فضولي أينما قادني دون حَرف سير عملي.

عندما حاورتُ أندرو بوستامانتي “Andrew Bustamante” حول كيفية تطوير مهارة الفراسة لدى عميل وكالة المخابرات المركزية، قال:

عندما تتحدث، استرسل، ثم اقطع جملك لتطرح أسئلة جديدة. تنقّل بين أسئلتك، لا فقط تعقيبًا على إجاباتي، بل حتى ضمن حديثك نفسه. هذا مؤشر قوي على سرعة تفكيرك مقارنةً بمنطوقك، مما يدل على أنك تفكر بشكل تحليلي عميق. لكن حين تحاول تحويل المفاهيم المعقدة إلى شيء يُعبّر عنه شفويًا. فهذه إحدى سمات اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.

إلى أن تُشخّص باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، ستعتبر نفسك فاشل لا يستطيع تنظيم أموره. وكذلك يظن الجميع.


كيف يؤدي تشخيص اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه “المتأخر” إلى عواقب مؤسفة؟

قبل تشخيصهم، يُنظر إلى المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه على أنهم كسولون، وغير متحمسين، وغير مهتمين بالتحكم في مصائرهم. وللأسف، تُعزز درجاتهم في المدرسة، وعلاقاتهم، وأدائهم في العمل هذه النظرة.

أعربت معلمة الصف الرابع لوالديّ عن قلقها من احتمال إصابتي بـ (صعوبات التعلّم Learning disability) نظرًا لتدني مستواي في القراءة. لكن والديّ، كونهما من أصول هندية، شككا في هذا التشخيص، وعزيا صعوباتي إلى ضعف أداء المعلمة، لا إلى أي مشكلة كامنة فيّ.

رغم هذه الصعوبات المبكرة، تمكنت من اجتياز المرحلة الثانوية بدرجات جيدة أهلتني للالتحاق بجامعة كاليفورنيا في بيركلي. لسوء الحظ، عانيت في الجامعة من تدهور درجاتي، وسرعان ما تدهورت الأمور عقب ذلك:

  • إذ رغم محاولاتي الحثيثة، لم تتحسن درجاتي وتخرجت من الجامعة بمعدل تراكمي 2.97
  • ببلوغي الثلاثين، كنت قد طُردت من وظائف عديدة؛ حتى بدت سيرتي الذاتية أشبَه بسجل جنائي لجميع المناصب التي شغلتها في الشركات الأمريكية.
  • عجزت -تمامًا- عن إنهاء أي شيء بدأته: هوايات، دروس، كتب، إلخ. شكّلت البدايات الخاطئة حياتي.

يختبر المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه “استنارة سِّيَرية Biographical illumination”، كما ذكرت تارا ماكمولين “Tara Mcmullin” في إحدى حلقات البودكاست:

تشكّل بعض التشخيصات، لا سيما للأمراض المستعصية، نقطة تحول بين ما قبل التشخيص وما بعده، وتُحدث اضطرابًا في إحساس الفرد بهويته. يُتيح التشخيص -في حالة التوحد وبعض الحالات الأخرى- فرصة لرؤية مسار حياتك من منظور جديد.

على غرار الكثيرين، ارتحت حينما شُخّصت باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه مؤخرًا؛ساعدني ذلك على فهم كيف سارت حياتي.


حبّذا لو فكّرنا في اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط بصفته مجموعة معقدة من الميول المتناقضة أو المتضاربة:

  • ضعف في التركيز مقرونًا بالقدرة على التركيز الفائق.
  • تشتت وروح ريادية دقيقة..جنبًا إلى جنب.
  • ميل نحو التسويف مقترنًا مع براعة إنجاز عمل أسبوع كامل في ساعتين.
  • اتخاذ قرارات متهورة وخاطئة -في بوتقة واحدة- مع حل المشكلات بشكل إبداعي وغير متوقع.
  • جهل بالعلاقات الشخصية وحدس وتعاطف خارقين في آنٍ معًا.
  • والقائمة تطول..

يُعد اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه نعمة ونقمة في آن واحد. فلكل جانب سلبي من جوانب هذا الاضطراب جانب إيجابي: ربما تعجز عن الركون إلى مكتب، لكنك ستبني مشروعًا وتوظّف أشخاصًا يتسمّرون أمام مكاتبهم. ستبدو المهمة مستحيلة إن لم تُثِر اهتمامك، عكس حين تجذبك فيتحوّل المستحيل إلى ممكن.


اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه وحساسيته الشعورية الشهيرة!

من أغرب صفات المُصاب باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه امتلاكه مستوى حساسية للرفض أعلى الآخرين.
فنلاحظ وقوعه السريع في الحب، وخلطه بين الإعجاب الشديد والحب.

ربما تقع كلمات المنتقدين -أو الساخرين- في نفسك فتؤذيك. لكنها قد تقتلك -مجازيًا- إن كنت تعاني من اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط.

المفارقة أنك -في ذات الوقت- غير مبالٍ، وصريح، وعاجز عن تجميل أي شيء:

  • فإذا عانيتِ من مشكلة، ستجد عندي حلّك جاهزًا قبل أن تُنهي شرحها. لكنني سأشرد تمامًا ما إن تبدأ في الفضفضة.
  • عندما تطلب رأيي في شيء ما، سأنتقده بقسوة. غافلًا عن حقيقة أن كلامي قد يجرح مشاعرك! لكنك لو تحدثتَ إلى أقرب أصدقائي، سيخبرونك أنني وفيٌّ للغاية. لذا أعتقد أن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يجعلني صديقًا وفيًا، لكنك قد تكرهني في البداية.

السِمات التي تجعل من المصابين باضطراب فرط النشاط ونقص الانتباه عبئًا مهنيًا، هي ذاتها ما يجعلهم ناجحين!
فعندما لا يكترثون بشيء ما، يعجزون عن التركيز أو المشاركة أو السيطرة على اندفاعاتهم. أما عندما يهتمّون، ينقلب الحال إلى تركيز مفرط والتزام قهري وميل لا يلين للتحرّك.

يميل المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه إلى حالة التدفق الذهني بشكل أكبر. ولأن فترة انتباههم قصيرة، فلا بدّ لهم من استغلال لحظات التركيز الشديد لإنجاز المهام. وبالتالي، يُنجزون خلال ساعة ما يفوق إنجاز الآخرين في أسبوع كامل

نفس "نقطة الضعف" التي تسببت في طردي من كل وظيفة سمحت لي بإنهاء مخطوطة من 45.000 كلمة في 6 أشهر!

أتحكم كثيرًا بحدوث أحد أمرين لو عدت يوماً إلى عالم الشركات: إما أن أُطرد في اليوم الأول لعدم تقبلي الوضع الراهن، أو أُرقّى لكوني أكفئ من الموظف العادي.

إن كان الملل “نقطة ضعف” دماغ المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، فالممارسة “قوة خارقة” تؤدي إلى التزام قهري. وكالتركيز المفرط تمامًا. قد تجعلنا هذه الصفة .. لا نطاق. عندما نكون مهووسين، لا نفكر أو نتحدث إلا عن شيء واحد.


كلمات الختام

قد تكون العواقب طويلة الأمد لعدم التشخيص وخيمة. بالنسبة للكثيرين، قد يعني ذلك سنوات من المعاناة في الدراسة والعمل والعلاقات. كما قد يؤدي إلى شعور بالإحباط والحيرة، لعدم فهمهم سبب عجزهم عن تنظيم حياتهم.

لكن بمجرد تشخيص الشخص باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، يمكنه البدء في فهم معاناته واتخاذ خطوات لمعالجة أعراضه. يمكنه تعلم كيفية التعامل مع نقاط قوته وضعفه وإيجاد طرق للنجاح رغم التحديات التي يواجهها.

بالنسبة للبعض، قد يعني هذا إيجاد وظيفة تسمح لهم بالعمل لفترات قصيرة من التركيز الشديد، أو وظيفة لا تتطلب منهم الجلوس على المكتب طوال اليوم. أما بالنسبة للآخرين، فقد يعني ذلك تطوير روتين وعادات تساعدهم على البقاء منظمين وملتزمين بالخطة. في نهاية المطاف، يُعد الفهم مفتاحًا لإطلاق عنان كامل إمكانات الشخص.

يوم في حياة مصاب اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه ADHD

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى