الثلاثاء 2 / 6 / 2026
يراودني شعور غريب كلما صادفت تدوينة أو عدد نشرة بريدية “في أوانه”، فبعدما خُضت نقاشاً يائسًا مع كاترينا حول جدوى الحياة، وحذّرتها -مراتٍ عدة- من محاولة التملّص من مسؤوليتها كـ”شخص يفهمني”، نمت.
وحين صحوت، وجدت عدد نشرة نديم ينتظرني.
الأربعاء 3 / 6 / 2026
لم تمرّ قراءة أيقونة اليأس مرور الكرام؛ فأعتبر معضلة الشرّ “الشرخ” الذي دخلت من خلاله العبثية حياتي. وما يزيد الوضع قتامة كون الأشرار لا ينجون بفعلتهم فحسب، بل يحصلون على كل ما يتمنونه أيضًا.
وبالحديث عن العبثية (ها نحن مجددًا!)
ظننت عدم تركيزي على التقاط تفاصيل الأفلام مجرد عرَض مُستحدث، ثم أدركت -بعدما تمعنت قليلًا- أنها منهجيتي في مشاهدة الأفلام أصلًا. وببعض التعمّق، أدركت أنها نابعة من “ازدراء الترفيه” الذي زرعه والداي خلال سنوات المراهقة. فما زلت أذكر -مثلًا- المحاضرات التي ألقاها والدي على مسامعي حين كنت في الحادي عشرة من عمري، عن كون “الأجانب” اخترعوا ألعاب الفيديو وسيلةً لغزو عقولنا وتبليّد تفكيرنا. ولطالما أكدّ على رؤيته الأعمال التلفزيونية والسينمائية على حقيقتها “مجرد تمثيل”.
وقد حرمتنا هذه الأفكار من “عيش اللحظة” لا أثناء المشاهدة، بل أثناء الحياة ككل.. واستمر ذلك حتى احتلّت العبثية حياتي.
نعم! فرغم سلبيات العبثية الكثيرة، لكن لا يمكنني نكران فضلها في جعلي أحيى الحاضر على مستوى أعمق. وأنقذتني من الجلّاد تحت جِلدي.
الخميس 4 / 6 / 2026
استيقظت مبكرًا جدًا، وكنت قد نِمت في غرفة الجلوس بعد سهرٍ طويل؛ لئلّا أُزعج زوجتي النائمة. استيقظت على رائحة القهوة وزقزقة العصافير، فأحسست بنشوة غريبة.
“غريبة” لأنني نهضت مُثقلًا بآلام الكوابيس، ومع ذلك لم يتعكر مزاجي.
أثناء اليوم، وفي موطن التأمل والمتأملين (مهما أنكروا) الحمّام Bathroom! خطرت في بالي جملة: أنا متورّط بحيواتٍ كثيرة، بدءًا من حياة زوجتي التي لا أتخيّل حياتي دونها، وليس انتهاءً بحيوات أطفالي.
وقلت متورط لأن فكرة (الانسحاب من الحياة) لا تفتئ تتقافز داخل عقلي بين الفينة والأخرى، وذاك أحد مقاصد “لا أتخيّل حياتي دونها”. ثم قرأت تأملات عبير اليوسفي عن فقدان الروائي اللبناني سمير يوسف زوجته بعد 15 عام زواج.
حين يسألني مقبلٌ على الزواج عن رأيي، أصدمه بقولي: لا تتزوج.
لا يعنيني لو ظنّ زواجي تعيسًا؛ طالما أعرف الحقيقة: الزواج ارتباط أبدي بين روحين. وأُريدك أن تركزّ على “بين روحين” تلك. ونعم، أعلم أن معظمنا يتزوج لإشباع الاحتياج الجنسي أو العاطفي.
الجمعة 5 / 6 / 2026
أذكر تلوين يوميّ الجمعة والسبت بالأحمر في المفكرات القديمة. وكأنها تذكرة لنجعل الإجازة الأسبوعية مميزة.
في طفولتي، كان يوم الجمعة يعني الجلوس بهدوء معظم اليوم، خشية إيقاظ والداي من “قيلولتهما”، ونتحدث هنا عن 3-4 ساعات. وأتعجب اليوم كيف استطعنا -أنا وإخوتي- ضبط أنفسنا بهذا الشكل!
ربما لهذا نشأت شخصًا هادئًا، يكره الضوضاء، لكنه يستكين لصوت تكّات ساعة الحائط.
واليوم، أقضيه بمفردي بعدما خرجت عائلتي الصغيرة في نزهة مع عائلة زوجتي. لماذا لست معهم؟ لأنني لا أرتاح في حضرتهم كما أخبرتك الأسبوع الماضي.
أثناء تفقّد إشعارات ووردبريس خلال اليوم، “جفلت” .. نعم جفلت برؤية تدوينة خلود بادحمان! فبغض النظر عن استخدامها الصيغة الأصلية لعنوان تدوينتي، استوقفتني عبارة كنت أفكّر فيها طوال الوقت
علينا ألا نخاف من إنسان غاضب فهو ما زال يؤمن بأن هناك شيئًا يستحق الغضب من أجله وإمكانية التغيير
إذ ذكّرتني بـ“طارق القديم”؛ كان يستثيرني أي شيء مهما كان بسيطًا كإلحاح الأطفال مثلًا. السبب الظاهري هو نشأتي في عائلة مشدودة الأعصاب طوال الوقت، حتى أنني كنت أنتظر ردّات الفعل العنيفة -التي صدّرتها والدتي- من زوجتي!
أما في الحقيقة، أو السبب المخفي بالأحرى، فهو: الخوف. لطالما سمعت أن الغضب تعبيرٌ عن الخوف، ثم أيقنت من ذلك بعدما شاهدت عشرات المناظرات بين المتدينين واللادينيين؛ حيث يعلو صوت صاحب الموقف/الحجّة الأضعف كثيرًا.
نعود لتدوينة خلود، وتحديدًا الجملة الخاتمة
أما بارتلبي فقد توقف عن الاعتقاد بأن المشاركة نفسها تستحق المحاولة وهذا ما يخيف حقًا!
هذا يعني أنني “مخيف” الآن!
في سياق متصل منفصل، فتحت أمامي الأخت العزيزة شهد بوابة التعرّف على ما يُسمى نظام “التصميم البشري Human Design”، ورغم إدعائي أنني لم أفهم شيئًا؛ بُغية قراءة تحليلها [أسلوبها قريب من القلب]، إلا أنني في الواقع بحثت وخرجت بخلاصة.

السبت 6 / 6 / 2026
لم أختبر ليلة كابوسية كهذه! ولا أُبالغ إن قلت بالتماهي مع مشاعر ضحايا أفلام الرُعب.
أنا حقًا أقف على الحافّة؛ بحيث تكفي الآلام الجسدية البسيطة لإقناعي بالقفز. وقد وصلت لأحدها هذه الليلة. وأقسم بكل ما هو غالٍ أن لولا استحكام الإرهاق مني، لنهضت وقفزت من النافذة!
علمتُ عِلم اليقين لمَ يعجز ضحايا أفلام الرعب عن النوم.. لتنهار أجسادهم فجأة (كمن أطفئها عنوةً).
رأيت كوابيسًا شلّتني تمامًا (في الحلم والواقع).
أتعرف أين الكارثة؟ لا أستطيع الحديث أو الإيضاح، ولا أثق بقدرة أحد على فهمي أصلًا. لا شيء يُهدئ روعي.
ومع ذلك، ها أنا أحاول الكتابة.
هذا هو الكابوس الذي يتكرر كل يوم في يقظتي
كنت أبحث عن تعبير كهذا، ووجدته في تدوينة صديقتنا زينب.
الأحد 7 / 6 / 2026
بقيت مستيقظًا طوال الليل، حتى إذا شقشق الصُبح، قررت مراسلة الداعمة النفسية. وكان هذا نصّ رسالتي:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعتذر إذا عم ابعت بهاد الوقت. بس بالحقيقة ما كان إدامي أي خيار آخر. بتصور حضرتك بتعرفيني، أنا طارق الموصللي. ومن فترة زوجتي تواصلت معك وخبرتك عن أفكاري الانتحارية، وجنابك الكريم وجّهتيها إني احجز عندك جلسة. وبالحقيقة أنا حاليا ما عندي قدرة لا مادية صراحة، ولا نفسية على حجز جلسة. ما عندي قدرة نفسية لإني فقدت القدرة تماما على التعبير عن اللي حاسس فيه بشكل شفهي، وبالتالي -وهاد الأهم- فقدت الأمل بقدرة أي إنسان على مساعدتي. طيب، ليش عم ابعت هالرسالة؟ لإني بالحقيقة ما عندي أي شخص ، على الإطلاق، أقدر ألجئ لألو.. واحكيله و حسّ أنه ممكن يفهمني. وحضرتك ذكرتي أنو صهرك من عمري، بمعنى عندك قدرة تتفهمي شخص متلي. متردد كتير بكل كلمة بحكيها، ومتردد أكتر إني ابعت الرسالة؛ مالي حابب ضيّع وقتك. إنما أنا هون عم خاطب الجانب الأمومي عند حضرتك.. مو الجانب المهني. أنا -مدام هبة- شِبه فاقد إحساسي بالواقع، وواصل لدرجة ألم نفسي تتعدى اللي مرّيت فيه أثناء العلاج الكيماوي.. بمراحل. عم حسّ بالغربة عن زوجتي وأطفالي. يمكن المصطلح فيه مبالغة نوعاً ما، نظراً لإني لسه مهتم فيهن وعم قوم بدوري وواجبي كأب وزوج. إنما من داخلي، في شي مو تمام. سبق وحاولت الانتحار، وبذكر إني حكيتلك القصة بالتفصيل بالجلسة الأولى. المشكلة انو وقتها كانت هرب وتهرّب مني. إنما بهل الفترة، عم تكون الفكرة أكثر منطقية. ومدفوعة بهاجس: صبرت كتير وقدمت كتير، وما في نتيجة ولا في شي عم يتغير. الشيء بالشيء يُذكر: أسلوب المقارنات اللي بيستخدمه البعض(في ناس وضعهم أسوأ من وضعك طارق ).. ما عم يأثر فيني، بل عم تكون نتائجه عكسية. لجأت لطبيب نفسي من فترة سنة. بس كانت تجربة سيئة. وصفلي أدوية مفقودة. ما عندي تقبّل إطلاقاً لأي خطاب، مهما كان نوعه، متل اللي مسكّر آذانه بإيديه عن سماع الناس. حكيت مع شات GPT. وكتبت بمدونتي، لدرجة انو في عدة اشخاص راسلوني.. و أحدهم طبيب نفسي (غير الأولاني).. وكمان بدون فائدة. الأفكار الانتحارية معششة بتفكيري، وعم تجيني بشكل لا إرادي. ومُدرك تماما أنو مصدرها هو الرغبة بإنهاء الألم.. وليس إنهاء الحياة. رغم هالشي ، عم تزيد ما عم تخفّ. وعندي يقين إني مريض وبحاجة علاج، إنما فعلاً غير قادر على الخضوع لأي علاج دوائي أو سلوكي.. بالمرّة. عندي شكّ بصدق محاولات الناس ، سواء القريبة او البعيدة، لمساعدتي... ما بدي أقفز لاستنتاج أنو عندي : جنون الارتياب... بس بظن عندي بعض مظاهره. بالنهاية، بكرر أسفي على إزعاجك بمثل هالوقت. كل القصة إني كنت محتاج أحكي لحدا بيفهم. كل التقدير لجهودك
ثم نِمت
واستيقظت بعد بضعة ساعات، معتقدًا وصول الردّ. بل أخذتني الاماني حتى ظننتها ستتصل بيّ هاتفيًا لترجوني ألّا أفعل شيئًا بنفسي. لكن ردّها كان بسيطًا ومباشرًا، وجاء بعد أكثر من 7 ساعات (لا تزال بضع ساعات، صحيح؟)::

لن أكذب وأقول: خاب أملي؛ إذ لم أعوّل كثيرًا على ردّها (خاصةً وأنني أقفلت كل الأبواب). على العكس، شعرت بنوعٍ من الارتياح بعدما أقنعت نفسي أنني طرقت كل الأبواب دون طائل.
وللأمانة فكرت: لو كنت مكانها، لفعلت الشيء نفسه؛ ما مبرر الانفعال أو التنازل عن الأجر لأجل (مجرد عميل)؟ فلينهٍ حياته.. تبًا له!
هكذا فكرت
مضت بقيّة اليوم بشكلٍ اعتيادي. مجرد شخص يعيش في جسد شخصٍ آخر. كان وعيي يستوطن ذاك الجسد، فتقبّلت أصوات الأطفال، وإيقاظهم ليّ من قيلولتي وسط النهار. بل ولعبت برفقتهم كرة القدم مع أولاد الجيران (وللتاريخ: وقفت ابنتي حارسة مرمى، فلم تحرسه ولو لمرة!).
طالبني ابني بالسهر حتى الخامسة صباحًا، ووافقت؛ لن أبقى كثيرًا بينهم.
أكلت على جانب الفكّ الذي يؤلمني؛ لن يطول ذاك الألم.
سأنشر هذه التدوينة قبل موعدها؛ عقدت العزم على فِعلها وقلبي مطمئن لقراري.
ففي السابق، كنت كلما تخيّلت نفسي أُنهي حياتي، وأرسم سيناريو تفصيلي.. تتسارع دقات قلبي. وفي مرّات، كنت أبكي وأنا أتخيّل نفسي أودّع أطفالي لآخر مرة.
هذه المرة لن أودّع أحدًا..
لن أتراجع..
أمرك محير حقا صراحة لن أقول كلمات أواسيك بها ولكن
الإيمان الحقيقي وتسليم أمرك لله والتقرب اليه بمختلف الطاعات الصوم، الصلاة ، وأهمها الصدقة فلم يتحدث القرآن أو السنة عن شيء مثل الصدقة تشفي المريض وتداويه من كل علة.
يعني أريد القول ان البعد عن الجانب الديني يوصلنا لمرحلة كهذه تجعلنا نفكر في قتل النفس التي حرم الله، لا أقول هذا من عدم بل عن تجربة عشتها…….
أسأل الله العظيم أن يشفيك من كل مرض يعتليك.
صحيح..