لماذا تكره ذاتك إلى هذا الحد؟!

كراهية الذات

في الآونة الأخيرة، راقبت عالمة النفس (ميتال إيال Maytal Eyal) ما سمّته “وباء كراهية الذات epidemic of self-hatred”. حيث لاحظت، سواء في عملها بصفتها معالجة نفسية أو في محيطها المجتمعي، كيف يُثقل النقد الذاتي وكراهية الذات نفوس الناس. تقول:

“لقد أصبح شعورًا معتادًا إلى حدٍ كبير. بحيث كلما شعر الناس بهذه المشاعر، سعوا خلف منتجات لتطوير أنفسهم.”

بدءًا من أنظمة العناية بالبشرة الصافية وحتى التخلص من الأصدقاء “السامين”، يبذل البعض جهودًا جبّارة في سبيل الحفاظ على الذات وتطويرها. ولكن، يبدو أننا بالغنا في الأمر؛ فعندما يكون هناك دائمًا هدف مثالي جديد يجب السعي لتحقيقه، أو تمرين جديد لتجربته، أو مشروع تجديد للمنزل مبتكر، أو طريقة جديدة للتلاعب بالوظائف الجمسانية، فسيصعب الشعور بالتقبّل والكفاية والاكتفاء.

تؤثر العوامل الاجتماعية والاقتصادية والعِرقية والصحية الحقيقية -أيضًا- على قدرة الشخص على الشعور بالرضا. عندما يعمد مجتمع ما لتهميش الناس على أساس دخلهم أو خلفيتهم أو قدراتهم، فمن -السهل للغاية- أن نستشري شعور بالدونية وكراهية الذات!

بغض النظر عن ظروفك المالية أو وضعك المعيشي أو صحتك العقلية والجسدية، تحفزك وظائفك النفسية “Psychological functions” على السعي لتحقيق المزيد.

لكن المبالغة في الاستجابة، ستؤدي -بطبيعة الحال- إلى الإفراط في الاستهلاك.

ومع وابل التسويق الحديث والمقارنات على شبكات التواصل الاجتماعي، يجد الجميع نفسه ضحية ازدياد الرغبة في المطالب والمطامع.. والرغبات. لا مشكلة في رغبتك بتحسين حياتك، ولكن ثمّة طرائق بديلة عن الضغوط اللانهائية -سواء الداخلية أو الخارجية- التي تحثك على الإنفاق أو إدمان العمل أو الانخراط في أدبيات تطوير الذات للوصول إلى إمكاناتك الكاملة.

لماذا لا يدوم “إشباع Satisfying” نِعم الحياة؟

في حين أن جميع الحيوانات مفطورة على النجاة، فربما نكون، بصفتنا بشرًا، فريدين في الحدّ الذي نسعى له في سبيل الارتقاء بوجودنا. إن الدافع المُحفّز للبحث عن الطعام عندما نجوع أو إيجاد مأوى عندما تمطر، هو ذاته ما يدفعنا للعثور على تحسينات حياتية إبداعية أخرى.

وجدت دراسة غير خاضعة لمراجعة النظراء أنه عند سؤال الناس عن مدى اختلاف أشياء وتجارب معينة، مثل هواتفهم وحيواناتهم الأليفة وشركائهم، فكروا -باستمرار- في سُبل جعلها “أفضل”.

يقول المؤلف المشارك في الدراسة، “آدم ماستروياني Adam Mastroianni”، وهو عالم نفس تجريبي ومؤلف النشرة البريدية العلمية (التاريخ التجريبي Experimental History):

“يعود فضل انتقالنا من الصيد وجمع الثمار إلى العيش في ناطحات السحاب إلى شخص ما تخيّل كل هذه التحسينات. يبدو أن ذاك الخيال فطريًا، وأن البشر يتخيلون دائمًا كيف يمكن للأشياء أن تكون أفضل مما هي عليه الآن”

ويُردف::

ربما لا يوجد حدّ لما يمكن أن يحلم الناس بتحسينه، مع الأخذ في الاعتبار كيف يتخيلون طرقًا لتحسين تجربة الحب -في حد ذاتها-: يقولون: أوه، لا بدّ أن ثمّة المزيد من ذلك

ما يتيح لنا السعي لتحقيق المزيد هو قدرتنا على التكيف المستمر. والمعروف باسم “تكيُّف المتعة – The hedonic treadmill“، إذ نمتلك قدرة مذهلة على التأقلم مع شتى أحداث الحياة الإيجابية والسلبية، والاستقرار عند مستوى رضا ثابت بعد حدوثها.
يقف (تكيُّف المتعة) خلف تضائل نشوة شراء سيارة جديدة -تدريجيًا- بعد بضعة أسابيع، لتتكون داخلنا الرغبة بشيء آخر لإثارة النشوة مجددًا. وربما بمحض الصدفة، أدركت مجموعة متخصصة من صائمي الدوبامين ظاهرة (تكيُّف المتعة)، فحرمت نفسها من التجارب المحفزة أو الممتعة كوسيلة لتجنب التعود على تجارب أكثر اعتيادية.

يغذي عامل آخر رغباتنا وأمانينا..

المقارنة مدخل إلى كراهية الذات

يقول (راتشيت دوبي Rachit Dubey)، زميل أبحاث ما بعد الدكتوراه في كلية سلون للإدارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا:

“نحن لا نقارن أنفسنا بالآخرين فحسب، ونقيّم نجاحنا وسعادتنا مقابل نجاحهم، بل ربما نقارن ظروفنا الحالية مع رغباتنا المستقبلية.. الافتراضية!”.

يؤدي اجتماع تكيُّف المتعة مع المقارنة إلى تغيّر “قوائم المرمى” باستمرار. بحيث يغدو “تحقيق الهدف” أو “شراء السلعة” مجرد بداية الدورة. وعندما تزول الجِدة “Novelty”، نبحث عن الغرض التالي الذي “نُحقق به ذواتنا“. وربما كان بحوزة زميلنا في العمل أو صديقنا أو أقرب جيراننا.

يقول (دوبي):

“وتستمر في الحصول على الغرض الجديد، ثم الاعتياد عليه، وعقد مقارنات أكثر، لترغب بالشيء التالي.. إلخ. يمكن أن تؤدي حلقة التعود والمقارنات تلك إلى رغبة مستمرة بالمزيد.

لا تمنح دورة الرغبة هذه شعورًا طيبًا بالمرةّ. في إحدى الدراسات، برمَج دوبي وزملاؤه روبوتات افتراضية، دعاهم “العملاء”، للتصرف كالبشر؛ اعتادوا المكافآت الإيجابية التي تلقوها وقارنوا أنفسهم بـ “العملاء الآخرين”.

بحسب دوبي، سمح التعود والمقارنة للعملاء بتحقيق المزيد في عالمهم الافتراضي، حتى مرحلة معينة، “ولكن على حساب سعادتهم الداخلية“. وإذا تركت مستويات طموح العملاء دون تقييد، فسيتضاءل أدائها بالفعل!

يرى (دوبي) عدم وجود فرق كبير بين (وجود هدف) و(رؤية كل إنجاز باعتباره خطوة نحو تحقيق هدف أكبر). ونظرًا لقدرة المقارنة الاجتماعية على دفعنا للحصول على ترقية أو شراء قصر، فلا يوجد ما يمنعنا من السعي المستمر لتحقيق المزيد إذا كنا قد حققنا بالفعل نجاحًا على نطاق أصغر. حتى الأهداف حسنة النوايا يمكن أن يُبالَغ فيها، كتحويل هواية مُبهِجة إلى مشروع جانبي مُدمّر للروح!

تُعد غريزة (تحسين الأوضاع) عمليّة في مجتمع تندر فيه الموارد. لكن تبدأ الأزمة حين تُروّج سلع وفرص لا نهائية للمكتفين بالفعل! تظهر الأبحاث أن امتلاك مال كافٍ لتغطية الضروريات ووسائل الراحة يجعلنا سعداء، لكن الثراء الفاحش قد يضرّ بجودة الحياة.

“الانتقال من البؤس لحالة جيدة سهل إلى حد ما. يغدو الأمر صعبًا عندما نحاول الانتقال من الجيد إلى العظيم”

آدم ماستروياني

ودون أن نعيّ، نقع فريسة لرسائل مستخدمي شبكات التواصل “المُبطّنة”، والخوارزميات، والمسوقين الخبراء، التي تخبرنا أن “هذا الشامبو” أو “هذه السجادة” سيقلب الموازين.
تقول (بروك إيرين دافي Brooke Erin Duffy)، الأستاذ المشارك في كلية الاتصالات ضمن جامعة كورنيل:

تتضمن هذه المنصات الاجتماعية منظومة طبيعي للمقارنة. تقول دافي: [في الماضي، قارن الناس أنفسهم بالمشاهير في وسائل الإعلام والواقعين ضمن دوائرهم الاجتماعية المباشرة. الآن، نقارن أنفسنا بالنسخة المثالية لملايين الغرباء عبر الإنترنت، الذين -ربما- يحرصون على إدامة “صيحة تجميلية” تدفعنا للشراء بهدف استمراريتهم].

يكمن الخلل في الاعتقاد بأن زيادة المال، وتكديس الأشياء و”تحسينها”، ستجعلنا سعداء في النهاية. نحن مهووسون بشراء “المُستحضر” حتى تبدو بشرتنا نقيّة فعلًا، وبالحصول على “الأداة الجديدة” لتبدو أجسادنا جيدة حقًا، لكننا فقدنا السيطرة .. نوعًا ما.
ومن ناحية ما، فإن السعي إلى تحسين الذات قد يكون وسيلة لتأكيد السيطرة على حياتنا عندما تعيث الحرب وتغير المناخ والاستقطاب السياسي الفوضى من حولنا.

لحلقة تكيُّف المتعة المفرغة آثار تتجاوز السعادة الفردية: فمحاولة ملء فراغ متخيل (غالبًا من قبل معلن ذكي) بمزيد من المنتجات أو استبدال التكنولوجيا الوافية تمامًا بـ “أحدث إصدار” يكلّف كوكبنا -الهش أصلًا- ثمنًا باهظًا.


لا يتعارض الشعور بالاكتفاء مع وجود الأهداف. تظهر الأبحاث أن تحديد الأهداف يؤدي إلى زيادة الأداء والتحفيز. ومع ذلك، “ليست كل الأهداف متساوية”، كما يقول طال بن شاهار، مؤسس أكاديمية دراسات السعادة والأستاذ في جامعة سينتناري Centenary.

يقول بن شاهار: بدلًا من تحديد الأهداف بناءً على مراكمة الأشياء، يجب أن نعمل على تحقيق النمو الشخصي والتطور. وهذا يتطلب استبطانًا عميقًا لتحديد ما نقدره. إذا لم نتوقف للتفكير في ما نريده من الحياة وانتهى بنا الأمر بالرضوخ للوضع الراهن نتيجة لذلك، فقد نركز على تحقيق فكرة النجاح .. لشخص آخر.

  • هل يُضيف الهدف لرصيد سعادتنا أو ينتقص منها؟
  • هل الهدف قابل للتحقيق حقًا أم بعيد المنال؟
  • هل هو شيء نريده فعلًا أم رأينا شخصا آخر يحققه؟

الخطوة التالية .. وربما تكون بديهية .. التعبير عن الامتنان والتقدير لما لدينا بالفعل.
يقول (بن شاهار) يحمينا الامتنان من الاعتياد على السيارة الجديدة أو الوظيفة الجديدة أو العلاقة الجديدة. إن قضاء بضع دقائق على العشاء أو قبل النوم للمشاركة أو تدوين ما نشعر بالامتنان له يذكرنا بكل النعم التي نكتفي بها، عوض التي لا نرقى بها.

بالنظر إلى كيفية عمل التعود والمقارنة -وكيف تعمل ثقافة الاستهلاك على تعزيز تلك الدائرة- فليس من المستغرب مدى صعوبة الشعور بالرضا. ولكن، وفقاً لبن شاهار، من المفيد لنا أن نجد التوازن بين التقدير والطموح.

كُتبت هذه التحفة بلوحة مفاتيح: Allie Volpe

لماذا تكره ذاتك إلى هذا الحد؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تمرير للأعلى