هل يستحيل التغلب على المزاج السيئ؟

في الآونة الأخيرة، نمرّ جميعًا بحالات مزاجية سيئة، لكن قد تمتد عند البعض لفترات أطول مما ينبغي، وذلك لسبب بسيط: لم يعلّمنا أحد كيف نتعامل مع المزاج السيئ!

ولهذا أنا هنا، إذ سأعلمك 3 من مهاراتي المفضلة للتخلص بسرعة من المزاج السيئ بطريقة صحية وفعّالة.

1. حدد مسببات المزاج السيئ

لعلّ أقوى طريقة للتخلص من المزاج السيئ -وربما تجنبه تمامًا- بسيطة لدرجة ألّا أحد تقريباً فكّر فيها: تخلص من عنصر المفاجأة.

كما ترى، يُفاجأ معظمنا بمزاجهم السيئ. ومن مبادئ العواطف الحيوية أن تعزيز المفاجأة حدّة المشاعر:

  • تعني حفلة عيد ميلاد مفاجئة يقيمها شريك حياتك المزيد من الفرح والإثارة!
  • تتحول نوبة غضب مفاجئة -بعد تأخر زميلك عن اجتماع مع عميل- إلى موجة غضب أكبر!
  • تؤدي نوبة قلق مفاجئة -بعد فكرة ملحة عن الرسوب في امتحان مهم- لقلقٍ أعظم!

إنما في المقابل..

إذا كان التفاجؤ بالمزاج السيئ يزيد من حدة الأخير، فسيقلل توقع حدوثه من تلك الحدّة.

فمثلًا، إذا توقعتَ تأخر زميلك عن الاجتماع من 5 إلى 10 دقائق، استعدّ من خلال فعل شيء ذي نفع خلال تلك الدقائق العشر (عوض الجلوس والتفكير في مدى سوء تصرفه؛ ما يؤدي إلى غضبٍ أخبر وتعكر مزاجك لبقية اليوم!).

لا يمكنك -قطعًا- توقع كل المشاعر السلبية التي تؤدي إلى مزاج سيء، لكن أمزجتنا أكثر قابلية للتنبؤ مما نتخيل. وإذا دققت، ستلاحظ أنماط واضحة لمزاجك السيئ؛ أي يمكنك توقع الكثير من نوبات تعكّر المزاج بل والتخطيط لها، وبالتالي ستكون أكثر مرونة وأقل عرضة للوقوع ضحية المزاج السيئ من البداية.

إليك ما أنصح به:

  • توجه إلى مقهاك المفضل مصطحبًا قلمًا ودفتر ملاحظات.
  • دلل نفسك بمشروب لذيذ، وربما بقطعة من كعكة الليمون أو كعكة التوت.
  • ثم اجلس لنحو 20 دقيقة، ودوّن أكبر عدد مرات تتذكر أنك كنت فيها متعكر المزاج مؤخرًا.
  • ثم حددّ (المحفز) بالنسبة لكل حالة: ما الموقف السابق تمامًا لتعكّر مزاجك؟
  • ابحث عن الأنماط.، فإن حددت أي محفزات “مُتكررة”، فاكتب جملة أو جملتين لكل منها حول كيفية التعامل المثالي مع الموقف إذا حدث مستقبلًا.

قد يبدو الأمر شديد السذاجة، لكن أفضل طريقة لتجنّب المزاج السيئ توقع المواقف التي تثيره.


2. الاعتراف بالمشاعر العصيبة من البداية

كالعديد من مصاعب الحياة، تكون المشاعر العصيبة مزعجة في بدايتها، ومؤلمة عندما نتركها، حتى تصل إلى استنزاف روحنا في النهاية.

لسوء الحظ، ولأننا لا نتمتع بعلاقة صحية مع مشاعرنا، ننحو نحو تجنبها. ولكن كلما طال تجنّب الشعور، ازداد سوءًا وتفاقم أكثر.

بالمناسبة، يحدث ذلك نتيجة عملية تُدعى “تعلم الخوف العاطفي Emotional fear learning“: حين تتهرب من شعور مزعج، تُدرّب عقلك على اعتباره تهديدًا. وإذا كررت الأمر كثيرًا، فستبدأ في تضخيم كل شعور بمزيد من القلق والخجل، مما يجعله أكثر حدةً واستمرارية، وأصعب بكثير في التعامل معه بفعاليّة.

نتيجة لهذا، نجد تجربة معظم الناس في محاولة إدارة المشاعر الصعبة “شديدة التشوّه”؛ فجميع مشاعرهم المزعجة تبدو متضخمة بعدما اعتادوا على تجاهلها في بدايتها ومواجهتها فقط عندما تتفاقم.

تبدو مشاعرك دائماً طاغية لأنك لا تعترف بها إلا عندما تكون هائلة!

والأرجح أن تتحول هذه المشاعر القوية إلى تعكّرات مزاجية سيئة للغاية.

للتحرر من هذه الفوضى، عليك فعل شيء قد يبدو غير منطقي: الاعتراف بمشاعرك في مُستهلّها. أي عوض تجاهل أو التقليل من شأن المشاعر البسيطة، مثل الانفعال والتوتر والحزن وما شابه، خذ لحظة قصيرة للاعتراف بها وأظهر لعقلك أنك لا تخشاها.

إحدى الطرائق الجيدة للبدء ما يسمى التحقق العاطفي Emotional validation، والذي يقتضي تذكير نفسك أن مظهر الشعور سيئ لا يعني بالضرورة أنه سيئ حقًا.

وهكذا، ولأننا اعترفنا بها منذ البداية، فمن المُستبعد تحوّل تلك المشاعر العصيبة إلى حالات مزاجية سيئة ومعقدة.

الأمر شديد البساطة، إنما يتطلب الكثير من الوعي الذاتي والصبر والممارسة لجعله عادة يمكن أن تحل محل تجنب أو التقليل من شأن مشاعرك الصعبة. استمر في التطبيق وستكون النتائج جديرة بالاهتمام.


3. تخلَّ عن الرثاء الذاتيّ

تعنى المهارتان السابقتان بتجنب المزاج السيئ؛ ففي كثير من النواحي، الوقاية خير علاج.
لكن ماذا عن أوقات تجد فيها نفسك عالقًا في مزاج مزري رغم بذل قصارى جهدك؟

رغم وجود عشرات، إن لم نقل مئات الحلول، إليك إحداها والتي وجدتها غير مقدرة حق قدرها رغم أنها فعّالة تمامًا: تخلَّ عن رثاء نفسك.

لنواجه الحقيقة. تدوم معظم حالات تعكّر المزاج لأطول من المعقول لأننا -وللغرابة!- نريدها أن تستمر.

“عمّا تتحدث؟! لمَ قد أرغب في استمرار مزاجي السيئ؟”

حسنًا، من المُلفت أن المزاج السيئ مغرٍ لأنه يعزز “أناك” عبر إشعارك وكأنك ضحية.

لن أضرب مثالًا، بل اثنين:

  1. أنتِ متعكر المزاج لأن زميلك تأخر (مجددًا!) عن اجتماع مهم للغاية. كنت في مزاج سيء طوال فترة ما بعد الظهر والمساء، وما زلت كذلك وأنت تحاول تنويم أطفالك. والآن، قد يكون تعكر مزاجك “وظيفيًا Functional” بمعنى أنك -بفضل التفكير والشكوى من عدم التزام زميلك- تشعر بالتفوق عليه. وهذا شعور جيد.
  2. لنفترض أنك في مزاج سيء بعدما أخطئ شريكك في التعبير. تخيّل كم ستفكر في مدى عدم مراعاته لمشاعرك، ولمَ لا يمكنه أن يكون أكثر (كذا)، ولو كانت الظروف أفضل لفعلت (كذا)، إلخ. يبقيك كل هذا التفكير في حالة مزاجية سيئة، ولكنه يُشعرك -في ذات الوقت- بالرضا كلما تذكرت ذنب شريكك، وبالتالي، بأنك مُحقّ.

لا أدعيّ أن ذاك (السبب الدائم والوحيد) للمزاج السيئ، لكنه يحدث أكثر بكثير مما يدركه معظمنا. إذ نستمر في عيش حالاتنا المزاجية السيئة من أجل تعزيز مؤقت للأنا يرافقه إشفاقٌ على الذات.

3 من مهاراتي المفضلة للتخلص بسرعة من المزاج السيئ

بالطبع، عند حساب الإيجابيات والسلبيات، قد نجد شعور الشفقة على الذات ذاك -وما يولده من مزاج سيئ- لا يستحق تلك المتعة العابرة التي نمنحها للأنا.

إنما، وكحال العديد من الإدمانات اليومية، يسهل التضحية بقيمنا طويلة الأمد مقابل لذة عابرة في الحاضر.

على أي حال، إذا كنت تعاني من تقلبات مزاجية، فمن المهم تأملك في الدور الذي قد تلعبه في تلك الحالات المزاجية، وخاصة الميل إلى الانخراط في رثاء الذات.

هل يستحيل التغلب على المزاج السيئ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى