أدوّن منذ 19 عامًا تقريبًا (نصفها على مدونتي التي تتصفحها الآن). خلال تلك السنوات، ظهرت صيحات كثيرة (مواقع الذهب المزيف – استغلال أخبار اللاجئين في غوغل أدسنس – العملات المُشفرة .. ) واختفت. لكن ظلّت نصيحة وحيدة تتردد على مرّ العصور: لا تتوقف عن النشر.
لكنني توصلت لسبيلٍ أفضل..
مع تعلمي التمهل والإبداع بوعي أكبر خلال السنوات القليلة الماضية، أجدني أعود إلى خمسة أمور تجعل مسار الكاتب المتمّهل ناجحًا، سواء في سبيل سعادته، أو حتى تحقيق طموحاته.
سنتعرّف عليها في رسالة اليوم، فهل تُراك جاهز؟
العمق أهمّ من السرعة
عندما بدأت عام ٢٠١٧، امتثلت للنصيحة الشائعة “كلما زاد النشر كان أفضل“.
حاولتُ التحوّل إلى “أخطبوط نشر”؛ فسجّلت في كل منصة كتابة جماعية صادفتني، وكثّفت نشر تدوينات قصيرة -بحدود 500 كلمة- في مواضيع شتى، لأُشاركها على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي. والنتيجة؟ لا شيء.
ثم قررتُ استثمار 5 ساعات على تدوينة تتجاوز 2000 كلمة. عوض محاولة إنتاج أكبر كمّ من التدوينات، جلستُ مع الفكرة لفترة، ثم كتبتُ نصًا هادفًا وأصيلًا. فكانت النتيجة: انتقالي من مجرد مدّونٍ ينشر في مواقع مهجورة مجانًا، إلى شخصٍ يتقاضى 60$ لمقالة باللغة العربية قوامها 2000 كلمة!

ولا سرّ في الأمر، غير أنني ركزت على العمق عوض السرعة؛ كانت رغبتي في تقليب الأفكار بما يكفي لاكتشاف أيّها المثير للاهتمام حقًا ما صنع كل ذاك الفَرق.
الحِرفة أهمّ من المحتوى
بعض التدوينات لا أملّ قراءتها، حتى وإن مرّت سنواتٍ على نشرها، ومنها: هل أنت مختلف فعلًا؟ 😏 اقرأها وستعرف السبب بنفسك.
فرقٌ شاسع بين كتابة “محتوى” وكتابة شيء قيّم. للأسف، أغلب المحتوى الموجود اليوم:
- سطحي.
- “عبد للترند”
- مُصمماً بشكل مُبالغ فيه لإبقاء عقلك متعطشًا لجرعة دوبامين إضافية!
أما تحويل التدوين إلى حِرفة، فتلك قصة مختلفة. أشبه بمنحك جرعة من “الاستتبامين Slowpamine” شعور بالرضا المتراكم مع مرور الوقت، ولا يتوقف بمجرد انتهاء القراءة؛ إذ تتأمل الأفكار والمشاعر التي أثارها فيك.
بعضّ كتّاب المحتوى متقنون لخوارزميات التسويق، وآخرون اختاروا التميّز في مجالهم. أما المفضلون لديّ فأولئك الذين يحترمون الكتابة ويهتمون بأدقّ التفاصيل [ينتمي المذكورون في سلسلة “أنا لم أنساكم” إلى الفئة الأخيرة 😍].
حياتك أهمّ من أي رقم!
تعلمتُ عبثية السعي إلى إحداث توازن بين الحياة المهنية والشخصية. وإن بدا ذلك بديهيًا. لكننا ننساه حين نكون في خضمّ العمل، وترتفع الأرقام ويكون الضغط حقيقيًا؛ فتشعر أن أي تباطؤ قد يكلفك كل شيء!
إن مشروع الإبداع المستدام هو الذي تتمتع فيه بعلاقة صحية مع عملك، ويمنحك المزيد من الوقت للأشخاص والأشياء التي تهتم بها.
حريّة الفعل المختلف
تتطلب مخالفة التيار ومقاومة ضغوط اتباع الخوارزمية ثقةً بالنفس عالية؛ خاصةً في غياب “التأييد”. لذا، تنبع هذه الثقة من مصدر أوحد: معرفة استحقاق عملك للانتظار.
عندما بدأتُ، لم أجد وصفةٌ مُحددةٌ للنجاح المتمهّل؛ كان لكل عميل جدولٌ زمنيٌّ ثابتٌ للنشر، مهما كانت الظروف. وكان على كل مدوّن أو كاتب محتوى أو كاتب تسويقي تغذية الخوارزمية بأكبر قدر محتوى ممكنٍ، وإلا اختفى اسمه. على الأقل، هذا ما قيل لنا (أو أقنعنا أنفسنا به).
لحسن الحظّ، تغيّر الحال اليوم، فبدأنا نرى منصّات كتابة تُنتج محتوىً أقل، إنما بجودةٍ أعلى. فمن الآن فصاعدًا لكَ مُطلق الحريّة في التركيز على الإتقان والعمق، وثِق أن الجهد الذي تبذله سيؤتي ثماره.

العب على المدى الطويل
يقلّد البعض الصيحات والأساليب الشائعة؛ آملين تحقيق النجاح الفوري. ولكن في خضمّ تقليد الآخرين، قد نفقد القدرة على إيجاد أصواتنا.
عندما “تلعب” على المدى الطويل، ترّكز على ما يجعل كتاباتك جديرة بالمتابعة: تطوير ذوقك، وصقل أسلوبك في سرد القصص، وتحسين حرفتك، وإيجاد ذاتك، وامتلاك ما تقوله.
إذا طبقتَ هذا النهج منذ يومك الأول، سيلتفّ جمهورك حولك (بغض النظر عن موضوع تدوينتك)، حتى لو كان عن أدوات الترجمة بمساعدة الحاسوب CAT tools في زمن الذكاء الصُنعي. ستتمتع بالكتابة في مجالاتٍ تُشعل حماسك لأنك خططت للمستقبل، عوض محاولة اللحاق بكل صيحة رائجة [كما في موقع أموالي وغيره ممن أُشفق على كُتّابهم 💔].
مخرَج
بصفتنا كتّاب محتوى، طُلبنا بتكثيف النشر، وتحويل عملية إبداعنا إلى “تفريخ في مزارع المحتوى”، دون نسيان حصّة الخوارزمية من الكعكة، بتكثيف المشاركة وإقحام كتاباتنا في أنوف الآخرين!
ولن أُنكر اتباعي هذه النصيحة في إحدى مراحل مسيرتي المهنية. والتي رغم ثمراتها المُبكرة، لكنها جلبت معها -أيضًا- استنزافًا نفسيًا، ومرضًا خطيرًا نجوت منه بأعجوبة. ربما تمتعت بمسيرة مهنية مثالية، لكنني شعرتُ بأنني مُحاصر تمامًا!
الآن أدرك الحكمة. يمكنك بناء شيء قيّم دون التضحية بسعادتك أو برضاك الإبداعي للوصول؛ يمكنك اختيار أن تكون كاتبًا متمهّلًا.