لعقود، كان بيدّ الناشرين -بالإضافة لثلّة من الشبكات والمجلات والصحف- إحداث تأثير جذري على حياة الكتّاب. بوجود بضعة صحف وطنية، وبرنامجان حواريان مسائيان مؤثران، وعددٌ قليلٌ من المجلات ذات الأهمية الحقيقية، يكفي أن يهتم محررٌ أو صحفيٌ بعملك، وفجأةً، سيهتم به الجميع!
كان الناشرون يُبصرون المواهب ويتعاونون معها، ثم يستغلون علاقاتهم لعرض أعمالهم على أوسع نطاق. حينها، اقتصرت مهمة الفنان على الإبداع، ومهمة الناشر على توفير المنصة المناسبة.
ثمّ غيّرت الشابكة كل ذلك
فجأةً، تراجعت دور وسائل الإعلام التقليدية، لصالح آلاف مواقع التدوين المصغر ومنتديات الإنترنت. وأصبح الاهتمام، المتركّز سابقًا حول عدّة شبكات مركزية، لا مركزيًا بفضل الويب. مع ذلك، أرى أن الإنترنت في بداياته أفاد العديد من الكُتّاب والمبدعين: إذ أصبح بإمكانهم إنشاء مدوناتهم أو منتدياتهم أو منصات أخرى لجذب انتباه الأفراد ذوي التفكير المماثل، وكانوا يملكون المساحة الإلكترونية.

مجددًا.. غيرت شبكات التواصل الواقع!
فجأةً، تلاشت آلاف المواقع الإلكترونية المختلفة، من غرف دردشة فن الإغواء إلى منتديات رفع الأثقال ومدونات الطبخ الشخصية، وحلّ “الموجز” محلها. انهارت شبكة من ملايين المساحات الشخصية لتتحول إلى مجموعة جديدة من المنصات المركزية. ولكن على عكس النظام السابق، حيث حددت الأسماء الكبرى في عالم الصحافة القصص التي تهمنا جميعًا، أصبح “الموجز /الخلاصة”، تلك الواجهة الفعلية لفيسبوك وتويتر، سلسلة لا تنتهي من “الجديد” تلو الآخر. وإن أمكنت مشاركتك في بناء تلك السلسلة، لكنك –كما حذرنا غير مرة– لا تملكها أبدًا، ولا تتحكم بها. ومع تحول السلسلة من محتوى يركّز على المتابعين إلى آخر تحركه الخوارزميات، لم يعد بمقدورك التأكد من رؤية “متابعيك” محتواك!
ما أدى -بالطبع- إلى ما سيصبح “فنّ ركوب الموجة”، حيث يلاحق ويستغّل المسوقون الأذكياء “الرائج ” لجذب الانتباه المتقلب قبل أن تتغير اللعبة مرة أخرى.
والآن، لم يُسهم الذكاء الصُنعي إلا في تسريع تحدي سهولة الوصول الذي طرحته الخلاصات في البداية. وإن أضعفت الخُلاصات -المُدارة بالخوارزميات- الصِلة بين المُتابِع والمُتابَع، لكن تطلّبت عملية “الإبداع”، قُبيل عامين تقريبًا، جهدًا من جانب شخص ما. فكانت كتابة منشور، حتى لو كان “سيئًا”، تستغرق وقتًا. وكذلك إنتاج فيديو، أو حتى مجرد التفاعل مع الناس في الردود.
اليوم، يمكنك ببساطة تحويل أفكارك المتشعبة إلى نص باستخدام ميزة تحويل الصوت إلى نص، وإرسالها إلى شات جي بي تي أو غيره، ثم مطالبته بتحويل ذاك النص إلى منشور جذاب على لينكدإن حول الموضوع. وخلال 30 ثانية فقط، يمكنك رؤية منشورك على صفحة الخلاصة.
وبالطبع، في عصر “بناء العلامات التجارية الشخصية” حيث “يرغب الجميع في أن يصبحوا مؤثرين”، نرى العديد من الحوافز لاستخدام الذكاء الصُنعي في تسريع إنتاج المحتوى، ما يعني -بالضرورة- أن منافسيك سيستخدمون ذات الأسلوب لتسريع إنتاج محتواهم، والنتيجة؟ تضخّم كمية “المحتوى” المنتج بشكل مهول.
لكن ما زالت قدرتنا على استيعاب “المحتوى” على حالها!
سواءً أكانت منشورات وسائل التواصل الاجتماعي الجديدة اليومية بالآلاف أو الملايين أو المليارات أو حتى التريليونات، فلا يملك الإنسان سوى 24 ساعة، وسيعمد إلى استغلال جزء منها للتركيز على أي “شيء” محدد على الإنترنت. علاوة على كمّ “المحتوى الرديء” في شبكة لا مركزية، حيث يختلف الموجز لديّ عن موجزك، والذي يختلف -بدوره- عن موجز صديقنا المشترك؛ يصبح اختراق هذا الكم المُخيف من المعلومات أصعب من أي وقت مضى.
قبل أربعين عامًا، كانت مهمة الكاتب هي الإبداع، ومهمة الناشر توفير منصة له. أما في عام ٢٠٢٦، فيجب على الكاتب أن يُبدع ويُوفر منصة لنفسه. سيعجز أي ناشر بمفرده عن توفير منصة لكاتب واعد في عام ٢٠٢٦؛ الاهتمام لم يعد مُركزًا في مكان واحد. لا يوجد معرض أعمال أو منشور، بمجرد تغطية عملك، سيجعلك تُعتبر الأفضل على الإطلاق.
بل يجب عليك، صديقي المدون الشاب، دفع شريحةٍ من مستخدمي الويب -بطريقة ما- للاهتمام بما ستقوله. ولكن كيف يستطيع شخص -يعيش في قارّة أخرى من العالم الافتراضي- الاهتمام بما لديك إن لم يسمع بك من قبل؟
وبالتالي، يتعين على الكاتب الآن أن يؤدي ثلاثة أدوار:
- هل يمكنك التعريف بعملك؟
- هل يمكنك جعل من يعرفون عملك يهتمون به؟
- هل يمكنك صنع شيء يستحق الاهتمام؟
هدف المدون كتابة شيء يستحق الاهتمام، نعم، هذا لم يتغير قط. لكن عليك أيضًا إقناع الناس بأنك كتبت شيئًا يستحق الاهتمام، ولذا، عليك أن تُظهر لهم ذلك.
بالضبط! عليك تسويق كتاباتك.. بل وبذل جهد عظيم في ذلك؛ فكل وظيفة، في نهاية المطاف، هي وظيفة مبيعات. وهذا ينطبق بشكل خاص على المهن الإبداعية، مع أنني أعتقد أن العديد من المبدعين يرون أنفسهم “فوق” المبيعات. “لقد بذلت وقتي وجهدي في بناء شيء عظيم، ألا ينبغي للناس ببساطةتقديره؟” لكن الأمور لا تسير هكذا. بل لم تَسر الأمور هكذا يوماً. قد يجعلك تبنّي نظرة أرستقراطية للعالم تشعر بأنك “فوق” الجهد المبذول، لكن هذا لن يُترجم إلى دعم أو مبيعات.
أرى أنه إذا كنتَ تُطلق على نفسك لقب “كاتب”، وقد كرّستَ سنواتٍ من حياتك لمشروعٍ إبداعي، وقد اكتمل هذا المشروع الآن، وأنت فخورٌ به، فإنك تُقصّر في حقّ نفسك إن لم تُكرّس كلّ جهودك لمنح هذا المشروع أقصى قدرٍ من الانتشار. لديّ بعض الأفكار حول سبب تردّد الكُتّاب في الترويج لأعمالهم:

🪔 ربما يجدون “أساليب التسويق” مبتذلة، أو رخيصة، أو غير صادقة. وهذا، بالطبع، أمرٌ غير منطقي. فالتسويق كان وسيظل عنصراً أساسياً للنجاح في أي مجال، وينطبق خصيصًا على المجال الإبداعي. ولكن أيضاً، بعد عام، لن يهتم أحد بـ”أساليبك التسويقية”. سينظرون فقط إلى النتائج والتقييمات.
🪔 أعتقد أيضًا أن البعض، وخاصة الانطوائيين، يكرهون “إزعاج الآخرين” بشأن أعمالهم. أقول لهم:
إن أمضيتَ مئات، بل آلاف الساعات، في صقل مشروعك، فمن حقك أن تخبر كل من تعرفه عنه. من المُجحف بحق جهدك ألا تُبادر بالتواصل مع الناس لحثّهم على قراءة كتابك، أو صنعة يدك، أو مشاهدة فيلمك. هل أنت قلق من "إزعاج الناس" لدرجة أنك لا تُرسل لهم رسالة نصية أو بريداً إلكترونياً؟ في أسوأ الأحوال، لن يردّوا عليك. أما في أفضلها، قد يتأثرون بإبداعك، ويشعرون أنك قد جسّدت فكرةً راودتهم دائماً لكنهم لم يستطيعوا التعبير عنها، وسيشكرونك ويُوصون بعملك لمئات غيرهم. ولا تدري أبداً من الشخص الذي سيُلامس عمله قلبه حقاً.
يحرِم عدم تسويق عملك بقوة شخصًا كان بحاجة إلى قراءته، بحجّة خوفك من "إزعاج" شخص سيلقي نظرة سريعة على نصك لمدة ثانيتين قبل أن يواصل يومه.
الترويج الذاتي لعملك رهانٌ غير متكافئ: لن يغضب أحدٌ من مشاركتك له
هل تدرك أن معظم الناس يرون الاهتمام أمرًا رائعًا؟ تُلهمني رؤية شخصٍ متحمسٍ لعمله لدرجة أنه لا يتوقف عن الحديث عنه، حتى لو لم أهتم به شخصيًا. إذا لم تُكلّف نفسك عناء إخبار العالم عن إبداعك، فلماذا يهتم أي شخصٍ آخر بقراءته؟ أنت لا تعرف من يحتاج إلى قراءة ما كتبته، ولكن إذا كنت تؤمن حقًا بوجود فئةٍ من الناس ستستفيد من عملك، فمن مسؤوليتك أن تُوسّع نطاق وصولهم إليه.
لكنني أعتقد أن السبب الحقيقي وراء عدم أخذ الناس للتسويق على محمل الجد كما يأخذون العملية الإبداعية نفسها هو أنهم يترددون. فعندما تقضي سنواتٍ طويلة في العمل على شيءٍ معين، ثم ينتهي، تصبح هويتك مرتبطةً به. فالأرجح أن تزيد أو تقل نظرتك لنفسك تبعًا لنجاح أو فشل ذلك الشيء.
بعدم بذل جهدك في التسويق، تحافظ على قدر من الأمان. إذا لم تصبح كاتبًا مشهورًا، فليس بالضرورة أن يكون ذلك بسبب رداءة كتاباتك. يمكنك إقناع نفسك بأن الخوارزميات كانت تعمل ضدك! يصبح التباعد الساخر بمثابة علاج ذاتي. بعدم التزامك بالترويج لعملك، تتجنب الرفض.
إذا لم تروّج لكتاباتك، فلن تُرفض، لكنها لن تُقبَل، أو حتى يُعترف بها، لأن أحداً لن يعرف عنها شيئًا. أنت بذلك تُرسّخ عدم أهميتك، وهو ما يبدو، إن كنت قد أمضيت سنوات في العمل على مشروع ما، بمثابة استخفاف بنفسك.
انطلاقاً من تجربتي الشخصية كقارئ، فإن اختباري لـ“كيف أعرف أن كتاباتي جيدة؟”السؤال هو ما إذا كان أشخاص لم أسمع بهم من قبل سيتواصلون معي -عبر التعليقات أو الرسائل الخاصة- بعد قراءتها. الهدف هو كتابة شيء يُؤثر في الناس. الدليل على تأثرهم هو أنهم سيخبرونك بذلك.
وللحديث بقية..
ابقى بالقرب 👇
