“لا تكونوا وقحين. وكلنا نعرف المقصود”
قبل سنوات عديدة، كنتُ في مجموعة فيسبوك اكتفى صاحبها بالعبارة السابقة في وصف المجموعة.
ورغم مرور عشر سنوات، ما زالت تشغلني تلك الكلمات. لا الكلمات بحرّفيتها، وإنما بساطتها وتأثيرها؛ بعوض قائمة طويلة من التوجيهات (بالتزام الأدب وعدم بيع الأشياء والاحترام وتخصيص يوم محدد لمنشورات محددة.. إلخ)، دعت كلمات الرجل الأشخاص الطيبين ليلتزموا بمبادئهم، انطلاقًا من فكرة أن البالغين لا يحتاجون لإثقالِهم بالقواعد والأنظمة لئلّا يكونوا خرقى!
لسنوات، شكّلت تلك الكلمات القليلة -التي تعمّد مدير مجتمع اختيارها، مع فهمه لاحتياجات أفراد مجتمعه- حدود واحدة من أكثر المجموعات حيويةً ودعمًا وفائدةً؛ كان الجميع يعرف ما يعنيه ببساطة ألا يكون المرء وقحًا.
لست متأكدًا إن كان الحال كذلك اليوم!
سابقًا، كنا نتجادل حول كل شيء، بدءًا من كيفية تنظيف مقلاة تنظيفًا صحيحًا .. وصولًا إلى فكّ تشابكنا الثقافي. كانت أوقات آمنّا خلالها أن كل شيء على وشك الانهيار، إنما عشنا بأمل حقيقي ومشروع بإمكانية إنقاذ العالم..
لكن يبدو أنه زمن ولّى؛ ففكرة أن يحترم بضعة آلاف بعضهم لمجرد أنهم طُلب منهم عدم التصرف بوقاحة تبدو مؤلمة تقريبًا في مثاليتها.
وبصراحة، أفتقد “ذاك الزمن” بكل ما فيه من تفاؤل وغفلة. ولا أشتاق إليه فحسب، بل أخشى ما يعنيه فقدانه من نواحٍ عديدة. لكل منا مخاوفه التي تؤثّر بشدة على الصعيدين الشخصي والمهني. وعن نفسي، أهاب أن يصبح السعي خلف شغفي قضية حياتي.
كما ترى، ينصبّ عملي على مساعدة الأخيار على كسب رزقهم من خلال عملهم الذي كرسوا له حياتهم.
وبنيت عملي على فكرة أننا نكون في أفضل حالاتنا عندما نفعل ما خُلقنا من أجله، وأنه لو وجد المزيد من الناس السعادة والرضا في كيفية قضاء أيامهم، فسيغدو العالم مكانًا أفضل.
وما زلت أؤمن بذلك حتى مع بقاء آخر خيوط تفاؤلي -المشبع بذكريات الماضي- عالقة بصخرة على وشك السقوط من جرف!

لكننا في مرحلة مختلفة
لذا أتسائل بكثرة عمّا إذا كان ينبغي عليّ الاستمرار. أعني .. يا إلهي.. ! حتى وقت قريب، لم أدرك مدى سذاجتي طوال حياتي اللعينة.
ساذجة، ومدللة، ومفعمة بالوفرة والحرية. وطوال الوقت، كنت أظن أنني أسعى جاهدة، وأكافح، وأتوق بشدة لما أملكه فعلًا، لكن لا أراه.
كنت بأمان وأدفع الإيجار في موعده، وحظيتُ بفرصة العمل مع أناس عظماء يقدّمون أعمالًا جليلة. ولم يخطر ببالي قط أن باستطاعة الذكاء الصُنعي القضاء على صناعات إبداعية بأكملها بين عشية وضحاها.
كان اهتمامي منصبًا على تأدية عملي على أكمل وجه، دون التفكير فيما إذا كان -أقصد عملي- سيظلّ بعد بضع سنوات. وفي غمرة ذلك الرضا الخفيّ، قضيت أيامي مشغولة بما سأكتبه في تدوينتي القادمة أو ما العرض الذي يجب أن أتلقاه. تُقت بشدة لإحداث تغيير، ولجعل العالم مكانًا أفضل. واعتراني شكّ دائم من بذلي جهدًا كافيًا.
كنتُ مقتنعةً تمامًا بأن كل شيء كان فظيعًا، وآمنت أن الأمر متروك لأمثالي لتغيير الأمر.
قبل عشر سنوات، في اليوم التالي لولادة ابنتي، أحضرناها إلى المنزل. فكرت حينها: ربما لم يُعد إنجاب طفلة صغيرة إلى هذا العالم تصرفًا أنانيًا تمامًا أو كارثيًا.
اليوم، وبعد مرور عقدٍ من الزمن، غدت الأبوة والأمومة شيئًا مختلفًا تمامًا. وكذلك العمل. وكذلك كل شيء.
انفجرت الفقاعة الأمريكية!
تلاشى شعورنا الهش بالأمان النسبي، والاستقرار الاجتماعي، وقيم الاحترام المتبادل السائدة. لم يتبق سوى بلد متعطش لجمالٍ نسيَه الكثيرون.
الفن، والإبداع، والخيال، والطموح الحالم .. جميعها يبدو تافهًا بشكل متزايد.
وغدا قضاء كل لحظة من حياتك العملية لبناء مشروع حياتك أصعب وأكثر رعبًا، وربما حتى أنانيًا.
عندما بدأتُ كتابة هذه التدوينة، كانت تتجه نحو مسار مختلف. مسار أكثر قتامة، وحزنًا، وهزيمة. بصفتي شخصًا يُحبّ الشخصيات المثيرة للاهتمام والفريدة التي تُمثّل أطراف ثقافتنا، ويعيش من أجل إشعال القلوب الرقيقة، كنتُ أفقد السيطرة على كيفية الاستمرار في الظهور كل يوم كمنارة للآخرين.
ثم حدث أمران..

في البداية، سألتُ مجموعةً أديرها عن كيفية إنهاء هذه التدوينة (حول ما إذا كان البحث عن شغف الحياة لا يزال مسعىً ذا جدوى أم لا). نادرًا ما أسأل عملائي اسئلة كهذه؛ فهم في النهاية يدفعون لي لأرشدهم، لا العكس!
لكننا نعيش في ظروف غير عادية، وشعرتُ أنه أنسب وقت للاستفادة من مجتمعي الذي بنيته. كنتُ بحاجة إلى سندٍ أتمسك به، وقد كانوا أكثر من سعداء بتقديمه.
بل وقدموا لي بسخاء بعض الأفكار الرائعة: ذكّروني بأنني أفعل شيئًا مميزًا وفريدًا. وهذا مهم للناس. ومهم لهم على المنحى الشخصي.
وبينما كنت أستمع، تذكرت شيئًا أقوله للعملاء طوال الوقت:
عندما توجّه الناس إلى المجهول، تأكد من إحضار وجبات خفيفة.
هذا يعني فهم أفضل القادة كيف يُشعرون أفراد فرقهم بالأمان والاهتمام والرعاية. هم يعرفون متى يحتاج أفراد فرقهم إلى استراحة ووجبة خفيفة. ويعرفون متى يحين وقت الجلوس والتحدث عن المسيرة المقبلة وما إذا كنا جميعًا ما زلنا نهتم بالسير على نفس الدرب.
إنهم يعرفون متى يعيدون الجميع إلى وضعهم الطبيعي، وينفضون الغبار عن أنفسهم، ويواصلون التقدم.
وبينما كان (أفراد مجتمعي) يشجعونني، أدركتُ أنه في هذا الوقت العصيب وغير المسبوق، كانوا بحاجة لريتي متأثرة مثلهم تمامًا. إن طلب مساعدتهم منحهم فرصة لتقديم العون فيما يهتمون به.
القيادة عملية متبادلة.
الأمر الثاني: مشاهدتي مقطع فيديو قديم لرقصة معاصرة أعشقها منذ سنوات. لقد رقصتُ في العشرين عاماً الأولى من حياتي، ولا يزال الرقص يأخذني إلى عوالم لا يستطيع أي شيء آخر الوصول إليها. لم أشاهد هذه الرقصة منذ سنوات، وقد ظهرت فجأة في قائمة فيديوهاتي على يوتيوب هذا الصباح.
وفجأة، شعرتُ وكأنني تذكرتُ شيئًا لم أكن أعلم أنني نسيته. الفن ليس ترفًا، وليس رفاهية. مشروع حياتك ليس غرورًا أو بلا جدوى، مهما كان هذا العالم قاسيًا وحادًا وجارحًا.

تلك غايتنا الرئيسية
لسنا نناضل في سبيل التمسك بسلاسل المطاعم والأزياء السريعة! وإنما نكافح من أجل الحق في التعبير عن أنفسنا، وفي الاهتمام ببعضنا، وخلق الجمال ما استطعنا حتى لا يبقى شيء.
ولا يمكننا التوقف.. لا يمكننا التوقف عن الحلم.
إذا توقفنا عن الحلم ومحاولة إسداء الخير في العالم لذاته، فأيّ شيء يبقى للقتال من أجله؟
- لا يمكن أن تكون الصدمة القصة الوحيدة.
- يستحيل أن يكون الإيثار قصتنا الوحيدة.
- لا يُعقل أن يكون القتال والغضب القصتان الوحيدتان.
- ولا ينبغي أن تكون قصة البقاء القصة الوحيدة.
الرعاية الرحيمة، والإبداع الخام، والأصالة، والابتكار… الفن. العبقرية. يجب أن يظلوا جميعًا موجودين، وأنتم .. يجب أن تظلوا جيمعًا موجودين.
حتى في غضبكم وعجزكم وخوفكم، نحن بحاجة إليكم جميعًا. بكل ما فيكم؛ لا فقط تلك الأجزاء التي تخرج في المسيرات وتثور على فيسبوك. نحن بحاجة إلى إرثكم وجهودكم طوال حياتكم.
نحن بحاجة إلى فنك، وشفائك، وحماسك، وإرادتك، وفرحك. وحتى لو كان كل ما تبقى. فلا تستسلم.
نحن في هذا معًا، وقد أحضرت وجبات خفيفة.


