محمد عفيفة: الفن كالماء، وفلسطين وطني

محمد عفيفة فنّان تشكيلي فلسطيني. وقد لفت انتباهي عمله الذي يُركز على نضال فلسطين بأسلوب فريد وجريء ونابض بالحياة وذكي. وبفضل تعليق بسيط تركته في قناته (التي تعكس قسوة وروح دعابة لاذعة) وصلت إلى حوار مهم ضمن صحيفة يونانية، أتركك مع ترجمتها أدناه.

رسم محمد عفيفة - 9/11/2025
رسم محمد عفيفة – 9/11/2025

حسنًا، من أين أبدأ؟ أنا محمد عفيفة، وُلدتُ لأبوين فلسطينيين نزحا من قريتين متجاورتين قرب الخليل. فرّ والدي طفلًا عام ١٩٤٨ عندما هاجمت الميليشيات الصهيونية قريتهم، وهرب مع عائلته إلى ضواحي بيت لحم.

نشأ هناك -في مخيم اللاجئين الذي أُنشئ حديثًا- والتقى بوالدتي، ووقع في حبّها. لتنتقل هاتان الروحان الشابتان بعدها إلى السعودية. هناك وُلدتُ عام ١٩٧٢، وكنت الثاني بين تسعة أشقاء (ستة إخوة وثلاث أخوات).

عشتُ هناك حتى بلغتُ الرابعة عشرة من عمري، حين عادت عائلتنا إلى الأردن. هناك أكملتُ دراستي، وتخرجتُ مصممًا داخليًا من كلية مهنية.

أما جنسيتي الأردنية؟ فهي تُعيدنا -أيضًا- إلى عام 1948. عندما قُسّمت فلسطين لدولتين مُختلقتين، ألغى أول ملك للأردن جنسية الفلسطينيين في الضفة الغربية ومنحهم جوازات سفر أردنية. بعد احتلال عام 1967، لم يتمكن فلسطينيون مثل والدي من العودة إلى ديارهم، فبقينا في الأردن. لهذا، لا أحمل أي وثائق فلسطينية. بصراحة، أرى تفريق الصهاينة شعبنا بين عشية وضحاها نوعًا من الساگا … وإن كنتُ أختصرها بنكتة سوداء:

“مَن الأدهى مِن الصهيوني؟ الرجل الإنجليزي النبيل”

مع ذلك، كانت نشأتي مستقرة. بصفتي ابن موظف حكومي، ربما لم نكن أغنياء، لكننا لم يعوزنا شيء. عجّت المدارس الحكومية بأطفال من جميع الجنسيات، مما منحني فهمًا فطريًا للثقافات المتنوعة، عكس الذين نشأوا في بيئات أحادية الثقافة. وقد سهّل هذا الأمر تواصلي مع جميع شرائح المجتمع الفلسطيني داخل وخارج الأرض المحتلة.

عمومًا، أصبحت رسام كاريكاتير سياسي في عام 2004. علمًا أنني لم أتأهل أبدًا لدخول موسوعة غينيس للأرقام القياسية [باعتباري الأكثر فصلًا Firings من الصُحف!]

على أي حال، ما زلت أعيش في عمّان. وكدت أنسى إخبارك أن امرأة رائعة تمكنت أخيراً من إنهاء فترة عزوبيتي المذهلة.


هذه الأيام، ومنذ بدء الحرب على غزة، أُنتج -حصرًا- أعمالًا رقمية؛ سعيًا لتبسيط عملية الإنتاج والانتشار على نطاق أوسع. ومع ذلك، ما زلت -بصورة جوهرية- فنانًا منفتحًا على جميع الوسائط والمواد دون تقييد.

عند الخوض في التقنية الكامنة وراء أعمالي السياسية، أعتمد على المفارقات البصرية لتحفيز التفكير النقدي لدى المشاهد. لا أهدف إلى استفزاز الجمهور أو إثارة غضبه، بل ينصبّ اهتمامي الرئيسي على إشراك عقولهم النقدية أكثر من إثارة مشاعرهم.


أستصعب الإجابة على هذا السؤال، رغم قدرتي -بسهولة- على تقديم إجابة سريعة مفادها أنني مرتبط بالفن ارتباطًا وثيقًا؛ يُمثّل جوهر وجودي، ولذا، أتحمّل كل الظروف سعيًا وراء الإبداع الفني. إنه أشبه بنمو وتطور متوازيين، وفي بعض الأحيان، يُشكّل دفتر يوميات لأفكاري.

إحدى رسومات محمد عفيفة

لكن في الواقع، لا أعرف الإجابة الحقيقية. أتذكر أنني شاهدتُ ذات مرة سمكةً ترسم بدقةٍ أنماطًا معقدةً في رمال قاع البحر، وكأنها تبني عشًا مزخرفًا لجذب شريك – مشهدٌ مذهلٌ حقًا (تبين لاحقًا أنها سمكة البخاخ).

ثم هناك الأزهار الآسرة التي تتفتح بأبهى صورها لجذب الحشرات للتلقيح. وبالمثل، رقصات الطيور الرائعة. كل هذه المخلوقات، رغم افتقارها للوعي الشبيه بالبشر، تمارس الفن غريزيًا لهدفٍ واحد: ضمان استمرارية جيناتها في المستقبل.

ربما هذا جوهر الأمر: دفع نسلي إلى الأمام. أفكر في الزيزيات Cicadoidea، التي تعيش تحت الأرض لـ 17 عامًا، لتخرج مرةً فقط للتزاوج ثم تموت. ربما هذه علاقتي بالفن.


أرى الفنان الحقيقي مَن يدرك -في أعماقه- أن الفن “دليل حيّ” على وجوده.

كيف بدأت حكايتي؟ بسؤال بسيطٍ لامس شغاف الطفولة: “لماذا أنا هنا؟” ثم محاولة فهم هذا العالم الغريب. وكلما ازداد اطلاعي على محيطي، زدت انغماسًا في التعبير عنه. ومع فلسطين، بدأ الأمر في الرابعة أو الخامسة تقريبًا… على ما أذكر.

  • في اليوم الذي أخبرني فيه والدي: “احتل الصهاينة وطننا”.
  • فأجبت ببراءة: “إذن… سنحتل أراضيهم!”
  • فأذهلني قول والدي: “ليس لديهم أرض”. لقد صُدمت.

كيف لشيء غير موجود (العدم) أن يستهلك شيئًا موجودًا؟

كان ذلك أول تعامل لي مع فلسطين: محاولة فهم العبث. وبعد أن فهمت الإجابة، هل كان بالإمكان أن يوجد أي مسار آخر أمامي؟


تختلف العملية -جوهريًا- تبعًا لطبيعة العمل الفني.

في مجال الفن السياسي –سواء أكان رسماً كاريكاتورياً أم ملصَقاً– يعمل الفنان وفق خطة مدروسة، غالبًا ما تنبع من قراءات أو معلومات متراكمة. ثم يبدأ الرسم بمعرفة دقيقة لما يفعله والرسالة التي ينوي إيصالها للآخر.

لكن في تجارب التعبير الحر عن الذات، يكون المنشأ مختلفًا تمامًا! فلا أعرف كيف نشأت الفكرة، ولا كيف أتنبئ بنهايتها. إنها لحظات من المتعة الخالصة، ولا تضاهيها متعة أُخرى.


لا، أراها مجرد وسيلة لنقل المعلومات. وهي تمثل قفزة نوعية للبشرية. ومع ذلك، وكأي شيء آخر، لها آثار جانبية.

أعمل غالبية الوقت، ملتصقًا باستوديو عملي، ونادرًا ما أخرج منه. إنما -لحسن حظي- ما زلت أتمتع برفاهية تناول وجبتين والاستحمام يوميًا، على عكس زملائي الفنانين الموجودين حاليًا في غزة. وهنا، في مساحتي الهادئة، أتمتع بامتيازٍ فريدٍ يتمثل في عدم الخوف من الاغتيال بصاروخ ذكي!


فيما يخص الفن الفلسطيني، برأيي لم نبلغ بعدُ مرحلة النضج الكامل، لكننا حققنا تقدماً ملحوظاً. أرى الفن الفلسطيني -كالفرد الفلسطيني- يواجه اختبارًا وجوديًا، يُعرف بقانون “التحدي والاستجابة Challenge and Response”. أنا متيقّن من قدرتنا اليوم على مواجهة هذا التحدي، وستكون النتيجة فنًا إنسانيًا فريدًا.

حسنًا! ما هوية هؤلاء حقًا؟ هل ينبع اعتراضهم من حرصهم الشديد على سمعة إسرائيل وبقائها؟ أم من اعترافهم التام بحقوق الفلسطينيين على أرضنا؟

لنكن منصفين: أعرف رفاقًا يهودًا -أبطالًا حقيقيين- استفاقوا لرائحة جرائم آبائهم النتنة. نحن الذين آويناهم يومًا كلاجئين، رحلوا الآن بضمائر مرتاحة. هؤلاء العمالقة الذين ضحوا بامتيازاتهم لمواجهة الكيان المريض المسمى “إسرائيل”::

  • مزّق بعضهم جوازات سفرهم الإسرائيلية ونفوا أنفسهم.
  • رفض آخرون التجنيد الإجباري، رافضين الزي العسكري القاتل.
  • ولدينا المثقفون ممن ضحوا بمسيرتهم المهنية من أجل قول الحقيقة.

باختصار: بفضل شجاعتهم، أصبحوا شركاءنا في هذه الأرض.

أما الآن، فلننتقل إلى أولئك المتظاهرين “الإسرائيليين (الصهيونيين) الطيبين” الذين يتوسلون من أجل احتلال أكثر لطفًا وتسامحًا، أتعهد رسميًا بتأسيس وطن قومي يهودي لهم… في إنجلترا.


علاقتي بالدين؟ علاقة مهنية بحتة. لا أهاجم الأديان، بل أحلل استغلالها السياسي. روحانيتي شأني الخاص، وروحانيتك شأنك. انتهى.

لكن لنحلل الأمر:

احتلال فلسطين ليس مجرد استعمار، بل امتياز مقدس مُزيّف، شارك في “تزييّفه” صهاينة مسيحيون متطرفون. فنصفه حملة صليبية، ونصفه استعمار.

والآن، إليك هذه الدعابة:

  • س: من يفوق رجل يهودي صهيوني غباءً؟
  • ج: صهيوني مسيحي ذكي.

كيف يبرر مؤمن بـ”رسالة السلام” الاحتلال؟

في عملي، أتحدى هؤلاء المؤمنين: أعيدوا قراءة كتبكم المقدسة! ليس الاحتلال رسالته الأساسية، بل “لا تسرق”. لم يوقّع الله قط على صك إلهي يمنح الأرض.


يلعب الفن الفلسطيني، سواء أكان من إبداع فلسطينيين أو فنانين متضامنين معهم، دوراً سياسياً حيوياً ومؤثراً. أما فيما يتعلق بالفن غير السياسي، فأعتقد أننا -نحن الفلسطينيين- لم ننجح بعد في ترسيخ بصمة فنية عالمية مميزة.

على عكس الأمريكيين السود الذين ساهموا في تشكيل الثقافة الأمريكية نفسها، فإننا نواجه خصماً هائلاً يتمتع بهيمنة إعلامية طاغية. ومع ذلك، فقد حقق المفكرون والفنانون الفلسطينيون إنجازات بارزة.


بالتأكيد، أتعامل مع هذه المسألة كما مع شبكات الإنترنت، فأستخدم برامج وسيطة. لكن التحدي الحالي يكمن في قدرة الخوارزميات على قراءة الصور، مما يمثل تحديًا جديدًا في إيصال أفكاري.

أفضّل الإجابة على هذا السؤال بعد انتهاء (المشروع الصهيوني).


بالتأكيد، لا بد أن يكون للمجتمع الدولي حساب نشط على وسائل التواصل الاجتماعي في مكان ما… وربما تكمن المشكلة في الخوارزميات المتحيزة، لكنني متأكد تمامًا من أنه إذا رأى صورًا للمجازر والمجاعة في غزة، فسيبادر فورًا إلى فعل شيء ما .. سيضغط على زر “الإعجاب”!

تعني كونك في موقف قطة محاصرة، مع وجود كلب مسعور أمامك!


أرى اليوم احتضار المشروع الصهيوني؛ يقاتل بوحشية يائسة لأن زواله بات حتمياً. باختصار: لم يكن لينجح هذا الكيان إلا بشرط يتيم: لو تمكن الصهاينة من إبادة الشعب الفلسطيني إبادة كاملة عام ١٩٤٨. لكنهم افتقروا إلى القوة اللازمة لمثل هذه الإبادة آنذاك، فاختاروا الخطة البديلة: التهجير بدلاً من الإبادة.

لكننا نحن الفلسطينيين اخترنا خطتنا منذ البداية: الاستمرار في رشق الحجارة -جيلاً بعد جيل- حتى رحيل المستخرب.

يعتقد الكثيرون أن إسرائيل قد انتصرت وأننا كُسرنا. لكن إليك الحقيقة المُرّة للغرب: بعد سبعين عاماً، لا يزال هذا الكيان يحاول احتلال فلسطين!

لا تزال إسرائيل في جوهرها دولة حامية عسكرية. لذا، أؤمن إيمانًا راسخًا بأن الحل الأمني ​​الوحيد لعالمنا هو تفكيك هذا المعسكر العسكري سلميًا وإقامة دولة فلسطينية سلمية تحتضن جميع مواطنيها. ونعم، سأدعم بكل سرور إعادة بناء “إسرائيل”… في ألمانيا.

الفن كالماء، والتغيير المنشود هو الإناء. سيتدفق الفن دائمًا ليتخذ شكل الإناء الذي نهيئه له، لأن هذا التحول مرهون بنية التغيير التي نحددها.

أحيانًا، يكون الفن مشروعًا قائمًا بذاته، ربما يطمح إلى تغيير محدد، ولكنه يفتقر إلى أدوات القوة والسلطة. لذلك، يُحدث التغيير ببطء، عبر جرعات متراكمة.

وهنا، ندرك أن التغيير بحد ذاته كامنٌ في فعل الفن نفسه.

محمد عفيفة: الفن كالماء، وفلسطين وطني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى