نجد السرديات في كل مكان، وباتت الحاجة إلى بنائها ومشاركتها حتمية. يقول جان بول سارتر في رائعته “الغثيان” (1938):
“يروي الإنسان الحكايات دائمًا، ويعيش محاطًا بقصصه وقصص الآخرين، فيرى كل الماجريات حوله من خلالها؛ محاولًا عيش حياته وكأنه يحكي قصة”.
نعتمد على السرد لأنه يساعدنا على فهم العالم؛ ربما لإكسابه الحياة بعض المعنى.
ووفقاً لسارتر، فإن تحويل أكثر الأحداث تفاهةً إلى مغامرة يتطلب ببساطة “وضعها في إطار قصة”.
القصّ ليس مجرد عمل إبداعي قوي!
يرى بعض الفلاسفة أن السرد يشكل عنصراً أساسياً في تجاربنا.
على سبيل المثال، يعتقد الفيلسوف الاسكتلندي ألسدير ماكنتاير “Alasdair MacIntyre” بعجزنا عن فهم أفعالنا وأفعال الآخرين إلا باعتبرها جزءًا من رواية. ويزعم الفيلسوف البريطاني بيتر جولدي “Peter Goldie” أن حياتنا ذاتها “تتمتع ببُنية سردية“؛ فلا نستطيع فهم مشاعرنا ومشاعر الآخرين إلا من خلال التعامل مع تلك البنية.
ما يؤكد على لَعب السرد دورًا مركزيًا، وربما أصيلًا، في حياتنا. ولكن كما يحذر سارتر في “الغثيان”:
“يتغير كل شيء عندما تغدو {الحياة} بطلة القصة!”.

في بعض الحالات، قد تُعيقنا السرديات بتقييد تفكيرنا. وفي حالات أخرى، قد تُضعف قدرتنا على العيش بحرية. علاوة عن إيهامنا بأن العالم منظم ومنطقي ويصعب تغييره، مستهينةً بتعقيد الحياة الحقيقي. بل وقد تصبح خطيرة حتى؛ عندما تقنعنا برؤية زائفة وضارّة للعالم!
ربما ينبغي لنا الحدّ من تحمّسنا لاختبار الحياة كما لو كنا “نروي قصة”. وهنا يبرز السؤال المنطقي: ما الخيارات الأخرى المتاحة لنا؟
[سأُجيبك بعض قليل]
إنما قبلها، دعني أُجبك -بإيجاز- كيف تساعدنا السرديات على فهم العالم: من خلال تنظيم تجاربنا ضمن سلاسل (أو سمّها تسلسلات لو شئت).
والبشر عمومًا يكتسبون مهارة تشكيل هذه التسلسلات منذ نعومة أظافرهم. فبحسب بحث أجرته كارول فوكس (Carol Fox) أواخر ثمانينات القرن الماضي: تمنح القراءة للأطفال في المنزل معرفة ضمنية بالهياكل اللغوية والسردية، والتي يدمجونها في قصصهم المنطوقة. وأظهر بحثها أن الأطفال في سن الثالثة يستخدمون القصص لاختبار اللغة أثناء فهمهم للعالم. وكلما كَبرنا، استمررنا في “اللعب”، وبالتالي استمر اعتمادنا على القصّ.
عندما نكبر، نتخذ أدوارًا مختلفة، بما في ذلك دور الصديق والحبيب والموظف والأب ومقدم الرعاية .. إلخ. بحيث نؤطّر طريقة فهمنا هذه الأدوار داخل السلوك المتوقع.
أعطيك مثالًا: لدينا فهم سردي لماهيّة “الصديق”، ونحكم على أنفسنا والآخرين من خلال مدى ملاءمتهم لهذا الفهم (بشكل إيجابي أحيانًا، وسلبي أحيانًا).
حسنًا، وأين المشكلة؟
باختصار، قد يؤدي تصوير نفسك باعتبارك /بطل قصة ما/ إلى تبسيط الحياة بشكلٍ مُخلّ. ولنتأمل هنا الطريقة التي تتحدث بها عن “رحلتك” في الحياة:
تصبح بعض الأحداث (ضمن قصة حياتك) مفصلية، في حين قد تَنبذ أحداث أخرى، وقد تصوغ أحداثًا عشوائية باعتبارها جزءًا من خطة كبرى. ألا يحدث ذلك أحيانًا؟
الآن، يعوق النظر إلى حياتنا -بمنظورٍ ضيّق كهذا- قدرتنا على فهم سلوكنا وسلوك الآخرين المعقد.
على سبيل المثال، قد يصوّر طفل متقبّل لدور "المشاغب" سلوكه على أنه طبيعي لدوره، عوض كون السلوك السيء تعبير عن احتياجات غير ملباة!
قد تدمّرنا القصص من خلال “حبسنا” في سجن تصرف وتفكير وشعور معيّنين
في سبعينيات القرن الماضي، أدى الاعتراف بهذا إلى ظهور العلاج السردي Narrative Therapy. فعوض النظر إلى الناس باعتبارهم غير منطقيين أو عاطفيين بشكل مفرط، ركز هذا الشكل الجديد من العلاج النفسي على دور السرد في حياة الشخص.
وكما يوضح المعالج مارتن باين “Martin Payne” في كتابه العلاج السردي (Narrative Therapy)، يسمح هذا النهج “بظهور سرديات أغنى وأكثر تماسكًا من الأوصاف المتباينة للتجربة”. وقد يغيّر السرد الجديد حياة شخص، لا يدرك كيف تحجب قصصه الراسخة طرقًا أخرى لفهم حياته، بشكل غير مسبوق.
وليست السرديات التي تتطلب تغييرًا تلك القصص العظيمة فحسب، بل السرديات الثانوية أيضاً، مثل “السيناريوهات” التي نعتمدها طيلة حياتنا؛ فقد تصبح الأخيرة أنماط تفكيرنا المعتاد، فتؤثر على تأويلاتنا لتصرفات أفراد الأسرة أو الأصدقاء أو الزملاء.
العلاج السردي ليس كافيًا
رغم فعاليته، يعجز العلاج السردي (السرد بالرواية) عن مساعدتك في فهم ما يشكل قصة حياتك. ليكتفي في تقديم سرديات مختلفة أو بناء قصص جديدة عن نفسك وعن العالم.
ببساطة، لن يساعدك استبدال “سيناريو” بآخر على رؤية النطاق الكامل للاحتمالات التي تكمن أمامك، بما في ذلك -وتنبّه للآتي!- رفض السرد أصلًا.
نجد إمكانية رفض السرد في كتاب سارتر الآخر “الوجود والعدم” واصفًا نادل مقهى. فوفقاً لسارتر، تبنى النادل سردًا معينًا يشكل هويته ويحكم كيفية تصرفه. والارتباط برؤية سردية للذات قد يؤدي إلى العيش في ما يسميه سارتر “سوء نيّة Bad faith”. أي العيش دون إدراك الفرد لمسؤولياته أو تحكمه في مصيره:
كل سلوكه أشبه بلعبة. إذ يحرص على تقييد حركاته وكأنها آليّات ينظم بعضها الآخر، وتبدو إيماءاته وحتى صوته وكأنها آليات؛ كابحًا نفسه في إطار سرعة الأشياء. يبدو لاهيًا. ولكن بما؟ بدور نادل في مقهى.
بعبارة أخرى، يؤدي النادل دوره على غرار ممثل يقف على خشبة المسرح ويتبع نصًا مكتوبًا. ونتيجة لتجسيده “دور” النادل يعيش [حياة مُزيّفة]؛ فلا يستطيع التصرّف إلا بما يُلائم الدور. والسرد الذي يتّبعه يمنحه فهمًا محدودًا لنفسه، ويحدد أفعاله ويمنعه من السيطرة على حياته.
ولكن ماذا لو رفض النادل تلك “الشخصية”؟
بالنسبة لسارتر، فتلك خطوة نحو الذات الحقيقية، أو الوجود الأصيل –ما أسماه “الكينونة”– مقارنةً بكونه ممثلًا.
🧾 والشيء بالشيء يُذكر: كيف تكون شخصًا عظيمًا (أيها الإنسان البسيط)؟

إذن، ماذا يعني رفض سردية قصة حياتك؟
يعني رفض هوية معينة، ورؤية الحياة والمعنى باعتبارهما مجموعة خيارات مفتوحة. وبالعودة للنادل، فإن رفض هويته السردية يعني التصرف بطريقة تعكس اختياراته وإحساسه بذاته، لا القصة التي يرويها عن نفسه.
ولكي نفهم ما ينطوي عليه رفض السرد، فمن المهم أن نتذكر أن السرد لا وجود له خارج عقولنا، والقصص التي نرويها لأنفسنا ليست موجودة في العالم. ولا تعدو عن كونها “أدوات” تتوسط علاقاتنا بالعالم. ورغم أنها تتعلق بالحقائق والأحداث الحقيقية، فإنها ليست واقعية. والواقع أنها ليست صادقة ولا كاذبة. بل تساعدنا القصص على فهم الأشياء. لذا، إذا رفضنا قوة السرد في ترتيب الأحداث في حياتنا، فكيف لنا أن ننظم أفكارنا عن العالم؟
إننا نفكر في الطرق التي تنظم بها وجهات النظر الخبرات بشكل مختلف. وأعني بـ “المنظور” شيئاً أكثر تعقيداً من “وجهة النظر”. فأنا أشير إلى الطريقة التي نتفاعل بها مع العالم من موقف أو توجه معين يلفت انتباهنا إلى جوانب من الخبرة، مثل الطريقة التي يسمح بها “منظورنا” البصري للألوان الزاهية بالظهور بسهولة أكبر من الألوان الباهتة.
تتشكل وجهات النظر وفقًا لمكاننا في العالم، ومعتقداتنا، وقيمنا، وما نراه قيّمًا.
وكما توضح الفيلسوفة إليزابيث كامب “Elisabeth Camp”:
“يساعدنا المنظور على الإنجاز بما لدينا من أفكار: إصدار أحكام سريعة استنادًا لما هو الأكثر أهمية، وفهم الروابط الحدسية، والاستجابة عاطفياً، من بين أمور أخرى. ومن خلال المنظور، تبرز بعض سمات تجاربنا في أذهاننا بينما تتلاشى سمات أخرى في الخلفية”.
تحدد المنظورات السرديات التي نتبناها
بعبارة أخرى، تشكل معتقداتنا وقيمنا الأساسية الطريقة التي نرى بها الأشياء وما نعتبره مهمًا في تجاربنا. كما يفسر المنظور لماذا تختلف سردياتنا بشكل جذري عن سرديات الآخرين، حتى عندما نختبر نفس الأحداث؛ لكن بمجرد أن نفهم هذه المنظورات، يمكننا أن نرى مدى المرونة التي يمكن أن تصبح عليها سردياتنا حقًا.
اتضح أن المنظورات لا تتمتع ببنية خطيّة منظمة. لا يمكننا التفكير فيها من حيث تسلسل الأحداث، مثل القصص. في بعض النواحي، تبرز المنظورات -أفضل- في عدم الخطية الشِعرية.
إن القصائد، وخاصة القصائد الغنائية، تتسم بطابعها المنظوري؛ فهي توحد الكلمات والصور والأفكار والمشاعر للتعبير عن القيمة. والشعر يلتقط طريقة للرؤية والشعور، وليس مجرد سلسلة من الأحداث.
فكر في قصيدة “ثلاث عشرة طريقة للنظر إلى شحرور” للشاعر الأمريكي والاس ستيفنز “Wallace Stevens”. تركز كل مقطع على طريقة مختلفة للنظر إلى شحرور وعلاقتها بالذات:
ندفُ ثلجٍ على امتداد النافذة الطويلة
تشكّل نقشاً بربريّاً في الزجاج.
ظلُّ الشحرور
يتخلّل المشهد جيئة وذهاباً.
المزاجُ
يقتفي في الظلّ
شيئاً مُبهماً.
في قصيدته، يجمع (ستيفنز) بين الخبرات دون شرح كيف ترتبط؛ فهي مرتبطة فقط من خلال وجهة نظره.
وعلى نحو مماثل، يعني فهم أنفسنا بطريقة غير خطية رؤية كيف نرتبط بعالم معقد وفوضوي في اللحظة الحالية. وفي تلك اللحظة، نجد الأهمية دون الحاجة إلى نمط منظم.
لذا، بدلاً من مجرد تغيير سردياتنا، يتعين علينا تعلّم فهم وجهات النظر التي تشكلها. فعندما تركز على قصة حياتك، فأنت تعيش الحياة كما تعرفها بالفعل، ولكن من خلال تخفيف “قبضة” القصص على حياتنا، من خلال التركيز على وجهات نظرنا ووجهات نظر الآخرين، يمكننا أن نبدأ في وضع أنفسنا أمام احتمالات أخرى. وبوسعنا أن نتبنى توجهات جديدة، وأن نجد أهمية في أماكن جديدة، بل وحتى أن نتحرك نحو عدم القدرة على التنبؤ بالمنظورات المشتركة المثيرة.
وكما حذر سارتر، فإن كل شيء يتغير عندما تحكي قصة. فالسرد يحد من إمكاناتنا. ورغم أننا كائنات معقدة تعيش في عالم فوضوي، فإن قصصنا تخلق الوهم بأن حياتنا منظمة ومنطقية وكاملة.
قد لا نتمكن مطلقًا من الهروب تمامًا من السرديات التي تحيط بنا، ولكن يمكننا أن نتعلم تغيير وجهات النظر التي تكمن وراءها.
وبالتالي، لا نتقيد أبدًا بالقصص، بل بقدرتنا على فهم كيف تشكل معتقداتنا وقيمنا الطريقة التي ندرك بها العالم ونتفاعل معه.
ختامًا، لا نحتاج إلى روايات أفضل؛ بل إلى توسيع وتحسين وجهات نظرنا.