يُبدع الكثيرون بتلقائية ودون أدنى جهد.
للأسف، لست واحدًا منهم؛ توقفت رحلتي الإبداعية عندما كنت في الثالثة عشرة من عمري. وما زلت أتذكر (وخزة الخجل) حينما سخر مدرس الفنون من مشروعي أمام الفصل، وطلب مني الالتزام بالرياضيات والعلوم.
ربما كان مُحقًا، فلا تُعتبر البقرة ذات الضروع الرشّاشة “عبقرية دافنشية”. لكن مَن يعلم؟ لربما تحوّلت [البقرة الخارقة Supercow] لبطلة في إحدى سلاسل مارفل، لولا وقوف شخص بالغ متشائم في وجهها!
توقفت عن ابتكار أي شيء طيلة 15 عامًا، ثم اتخذت أفضل قرار في حياتي. وهنا بذلت قصارى جهدي لهدم سجن “أحكام الكبار الجائرة“.
وقد جئت اليوم، بعد مرور 9 سنوات على قراري ذاك، لأشاركك 3 مؤشرات على مصدر عبقريتك الإبداعية. لكن أودّ طرح سؤال قبلها: ماذا حدث لقدراتك الإبداعية؟

كان مدرس الفنون مجرد جانب من مشكلة أكبر: تدمير المنظومة المدارسية شرارتك الإبداعية.
في خمسينيات القرن الماضي، بدأت ناسا في مراقبة 1600 طفل ضمن برنامج HeadStart الوطني، والذي يوفر مجانيّة مرحلة ما قبل المدرسة للأسر محدودة الدخل.
تمتّع 98% من هؤلاء الأطفال بإمكانات “عبقرية إبداعية” في عمر 3-5 سنوات، لكن بوصولهم سن البلوغ، قلّت النسبة إلى 2٪ فحسب!
كان ذلك قبل 70 عامًا تقريبًا، لكن التعليم يعاني الجمود منذ العصر الصناعي؛ حيث اقتصرت مهمته على إنتاج عمال المصانع، لا العمال المبدعين. وبذا نفهم لمَ تعلّمنا المدارس اتباع القواعد و”تظليل المربعات 🔳” وعدم طرح أي أسئلة.
تعامَل مع الإبداع بروح متفائلة
أيًّا كان ما تعتقده عن نفسك، فأنت تؤكّده في خاتمة المطاف: آمن أنك لست مبدعًا ولن تكون.
ولنكن واقعيين: أنت على وشك خوض رحلة صعبة؛ فبتجاهلنا القيم المتطرفة، غالبًا ما ستُمضي أشهر -وربما سنوات- في عملٍ جاد يُقابل بالقليل من التقدير أو المكافأة.
دعني أساعدك.
- أولاً، تذكر أن كل الأشياء الجيدة تستغرق وقتًا (ويتطلّب أفضلها وقتًا أطول). يُتوقع أن تحمل البدايات بعض السوء، وميزة المبتدئين أن القليل يشاهدوهم، وقلّة تكترث لأمرهم؛ فقط عندما تُجيد أمرًا ما، ينتبه العالم إليك.
- ثانيًا، اختر منفذًا إبداعيًا واحدًا. يظن الناس الإبداعَ مفتاحًا سحريًا يمكنك “طقطقته” وقتما تشاء، ولكنه -في واقع الأمر- أشبه بصنبور إطفاء صدئ تتصارع معه للحصول على قطرة إبداع.. ولكن إذا ثابرت، فسينفجر سيل الأفكار الإبداعية منك في النهاية.
إنما يستلزم ذلك عدم بعثرة جهودك على مهارات شتى. فكل ما عليك فعله: إيجاد مهارة تستمتع بها، وتمتلك موهبة فطريّة لأدائها، ويمكنك خدمة الآخرين من خلالها.
بطبيعة الحال، لن أقلق كثيرًا بشأن النقطة الأخيرة؛ يمكنك توسيع انتشار أي شغف متخصص عبر الإنترنت. إنما تظلّ الموهبة الفطريّة أولوية، ولا يُشترط أن تكون عظيمًا، ولكن لا بدّ من امتلاكك قابلية أن تكون كذلك.
وهو ما يقودنا إلى أول مؤشرات مصدر عبقريتك الإبداعية..

الإشارة #1: شغف الطفولة
أبقيت ميلي للكتابة سرًا؛ لأنني خِفت مما قد يفكر فيه أصدقائي وعائلتي. لكن عندما أخبرت أمي أخيرًا برغبتي في ترك المحاسبة للكتابة عبر الإنترنت، ضحكت ضحكتها الدافئة وقالت إنها لم تُفاجئ!
اتضح أنني اعتدت، في السادسة من عمري، الركض نحو غرفتي بسرعة وتأليف قصص بعبارات بسيطة على سبيل التسلية. وهذا ما يفسر حبي للكلمات المكتوبة والمدونات الشخصية.
إنما لم أتذكر هذا، وربما نسيتَ أنت أيضًا كيف كنتَ آنذاك؛ مع تقدمنا في العمر، ننفصل عن مشاعرنا الطفولية. لكنها علاقة تستحق التجديد. أتعرف لمَ؟ لأنك استمتعت بهذه الأشياء قبل أن تدخل الحوافز مثل المكانة والنجاح. ومن المفارقات أن بنائك شغفك عبر الشابكة يُحقق لك كليهما.
🧠 كيف ستبدو حياتك دون بحثٍ عن الشغف؟
اسأل مَن عرفوك طفلًا: ما الذي جعلك مميزًا عن بقية الأطفال؟
قد لا تُحدد إجابتهم -بالضبط- ما ستحبه الآن، لكنها ستمنحك فكرة: إذا كنت محبًا للظهور، فقد تكون بارعًا على يوتيوب. إذا كنت اجتماعيًا، فقد تكون رائعًا في البث الصوتي “بودكاست”.
السرّ في انفتاحك على الاستكشاف. إنما لا بدّ للمستكشِف من غاية. فعمّا ستبحث تحديدًا؟

الإشارة #2: التدفق
التدفق حالة بهجة، يذوب خلالها العالم الخارجي وأنت منغمس في عملك. من المحتمل أنك اختبرتها بشكل أو بآخر. أخبرني: متى يختفي الوقت بالنسبة لك؟
أو بعبارة أخرى، ما الذي تشعر وكأنه لعب ويبدو كعمل؟
من الجدير بالذكر: لا يستطيع أحد منافستك إذا كنت تستمتع. بالإضافة إلى ذلك، تأتي جميع النتائج من التراكم، ما يتطلب الصبر والمثابرة. فإذا استمتعت بما تفعله قبل ظهور النتائج، فما بالك بما بعد ظهورها؟
كيف تصل إلى مصدر التدفق؟ كن فضوليًا..
🧠 كيف تكون فضوليًا في الحياة .. دون تشتت انتباهك؟

الإشارة 3: الفضول
تقع المنطقة المسؤولة عن الفضول في دماغك “القشرة الحزامية الأمامية ACC” بجوار المسؤولة عن الجوع؛ وهذا ما يفسر جوعنا للابتكار.
الفضول هو بوصلتك لمسار مهني رائع، إضافة لكونه وقود محركك الإبداعي. ما يبهرك الآن مؤشر مهم لأين تبدأ. بل يلعب أيضًا دور دليلك نحو الوجهة أثناء البناء.
تحدّث العشرات عن كيفية تعزيز الفضول، لكنني سأحاول اختصارها في نصيحتين:
أولاً، جِد مساحة للتفكير
أكبر معركة “خسرها” المجتمع هي انتصاره في حربه ضد الملل. اليوم، يُعد الجلوس لمدة 20 دقيقة دون تشتيت انتباهك معجزة! قد تظن أنك لست فضوليًا، لكنك -في الحقيقة- لا تمنح عقلك فرصة للاستكشاف أصلًا.
ثانيا، اتخذ كلمة “لماذا” عشيقة 👄
لم أكن فضوليًا يومًا، لكنني الآن مهووس بالاكتشاف، وقد وضعت قاعدة شخصية متمثلة في سؤال (لماذا) عن أي شيء لا أفهمه مهما كان سخيفًا. أعلم أننا نخجل من الظهور بمظهر الأغبياء، لكن لا أحد يتعلم عن العالم بالصدفة! بالإضافة إلى ذلك، في متناول أيدينا الآن أكثر المعلمين صبرًا ومعرفة على الإطلاق: ChatGPT.
مخرَج
المؤشرات مجرد شرارات. ومهمتك إشعال النار عن طريق بث الطاقة في مساعيك الإبداعية. ونصيحتي أن تفعل هذا عبر البناء علنًا. وعندما تجد ما يناسبك، كن شجاعًا بما يكفي للانغماس الكامل فيه؛ ارتقب حدوث أشياء عظيمة آنذاك.