لماذا يعجز صاحب الحجّة الأقوى عن الإقناع؟

لماذا يعجز صاحب الحجّة الأقوى عن الإقناع؟

كثيرًا ما نرى أفكارًا مميزة تموت في غرف الاجتماعات؛ فقط لأنه أُسيئ عرضها!
على سبيل المثال، كم مرّة قدّم مديران تنفيذيان ذات مقترح خفض التكاليف، لكن حصل أحدهما على موافقة فورية، بينما واجه الآخر سيلًا من الأسئلة المتشككة، علمًا أن البيانات متطابقة؟ فما الذي أحدث الفرق؟

مثلث الإقناع لأرسطو

تكمن إجابة السؤال السابق في كيفية استخدامهما معادلة الإقناع الفعّالة التي صاغها أرسطو منذ أكثر من ألفي عام، والتي لا تزال تفسر سبب رسوخ بعض الرسائل في الأذهان بينما تتلاشى أخرى.

تحتاج إلى العناصر الثلاثة الآتية معًا:

  • المصداقية التي تعزز ثقة الناس بك
  • العاطفة التي تجعلهم يهتمون بعرضك.
  • المنطق الذي يقوّي حجتك.
إذا أغفلتَ واحدةً، تفقد رسالتك قوتها. أما اثنتين؟ فكأنك تُخاطب نفسك!

ذاك بالغ الأهمية، لأن فقدان رسالتك قوتها لا يعني تجاهل الآخرين لك، بل يعني -أيضًا- خسارة الترقية لصالح شخص أقل كفاءةً (لكن يجيد سرد قصته). وربما عنى كذلك رفض فكرتك بينما تُموّل [نسخة أضعف منها] بعد ثلاثة أشهر! ولم نتحدث عن الإضرار بعلاقاتك؛ بسبب سوء فهم الآخرين لنواياك.

قد تظنّ أن الإقناع يكمن في تقديم أفضل حجة. لكن الحقائق وحدها لا تُقنع أحدًا بأي شيء، وإذا سبق وخسرت نقاشًا -كان يُفترض أن تكسبه- فأنت تُدرك صحّة ما قلته .

وبالتالي، ركّز على الركائز الثلاث الآتية:

1. المصداقية. ابنِ مصداقية تتجاوز المؤهلات

المسميات الوظيفية مفيدة، لكن هل تُراها كافية؟ شارك إنجازاتك الملموسة وأظهر أنك أدّيت العمل فعليًا عوض “الاعتماد على مسمّاك الوظيفي”. على سبيل المثال، يُرسخ قولك: “لقد خفضت معدل ترك العمل بنسبة 40% من خلال إعادة تصميم عملية التوظيف” ثقة أكبر من قولك: “أنا مصمم منتجات أول”.

يمكنك أيضًا بناء المصداقية من خلال الصِلة. وقد أثبت الباحثون ذلك بمقارنة نسختين من ذات الرسالة.

  • الأولى: “بينما لا يزال يُؤرق الإرهاق الأطباء المقيمين، لم يتمكن القائمون على التعليم الطبي بعد من تحديد الأسباب الجذرية للمشكلة”.
  • أما الثانية فقد كوّنت صلة/رابط عبر تغيير كلمتين فقط: “بينما لا يزال يُؤرق الإرهاق أطبائنا المقيمين، لم نُحدد بعد –بصفتنا إخصائيين طبيين– الأسباب الجذرية للمشكلة”.

نفس المحتوى، لكن تحويّل “الأطباء ” إلى “أطبائنا ” و”القائمون على التعليم الطبي” إلى “نحن” يحول المتحدث من مراقب خارجي إلى شخص معني بحل المشكلة؛ ما يزيد احتمالية وثوق الجمهور بالرسالة.

٢. العاطفة. استخدم الانفعالات بذكاء

“بعضكم قد جاء إلى هنا بعد ويلاتٍ ومحنٍ عصيبة. فبعضكم قد خرج لتوّه من زنزانات السجن الضيّقة”

عندما أقر مارتن لوثر كينغ الابن، لم يكن يتصرف بدرامية. وإنما يُقر بمعاناة حقيقية ليحفّز التحرك، وبالتالي، خدمت العاطفة حجّته.

لا داعي للتحمّس الزائد هنا. إذ يكفي اختيار شعور ترغب في إثارته، وتحديد موضعه الأنسب في رسالتك، وتجسيده من خلال تفاصيل محددة.
على سبيل المثال، لا تكتفِ بقول “يعاني 10% من مستخدمينا صعوبة في القراءة”، بل عزز بمثال 👈 “تلقينا رسالة من أحد مستخدمينا الأسبوع الماضي يقول أنه حاول استخدام قارئ الشاشة في تطبيقنا لمدة ساعتين قبل أن يستسلم”.

لكن احذر: تفقد العاطفة تأثيرها عندما تكون مفتعلة أو منفصلة عن حجتك. لذا استخدمها باعتدال، أي فقط بما يدعم وجهة نظرك.

3. المنطق. وليبدو منطقك حتميًا

“يستحيل أن تتحدث البيانات عن نفسها أبدًا”.

بيتر غولد (مؤلف مُساعد لمسلسل Breaking Bad)

نظّم استدلالك بحيث تتبع كل خطوة الخطوة السابقة تلقائيًا، مما يُقنع الناس بوصولهم إلى استنتاجك بأنفسهم.
وأؤكد هنا على عدم اعتمادك الكليّ على المنطق، ومحاولتك دائمًا تحقيق التوازن بين العناصر الثلاثة؛ تركز المصداقية عليك بصفتك المتحدث، وتركز العاطفة على جمهورك، في حين يركز المنطق على الرسالة في حد ذاتها.

يجعلك اعتمادك الزائد على المنطق تبدو متبلّدًا، وإذا اعتمدتَ كثيراً على العاطفة، فقد تبدو متلاعباً، وقطعًا لا تريد الاعتماد كليًا على المؤهلات، وإلا بدوت متغطرساً!

كم مذهل تعزيز بعض العناصر الثلاثة بعضًا

فعندما تُرسّخ مصداقيتك، يتقبّل الناس تأثيرك العاطفي أكثر. وعندما تتواصل معهم عاطفيًا، يصبحون أكثر استعدادًا لاتباع منطقك. وعندما يكون منطقك سليمًا، تبدو مصداقيتك أقوى.

لذا في المرة القادمة التي تحتاج فيها إلى إقناع شخص ما، لا تكتفِ بالتساؤل هل منطقي سليم؟، بل قيّم أسلوبك في الإقناع من خلال طرح ثلاثة أسئلة: هل يثق الشخص بي؟ هل يشعر بشيء ما؟ هل منطقي متماسك؟

عندما تستطيع الإجابة بالإيجاب على الأسئلة الثلاثة، ستصل رسالتك بالفعل.

مُترجمة

لماذا يعجز صاحب الحجّة الأقوى عن الإقناع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى