في انتظار الإبداع

التحديق في صفحة بيضاء وانتظار هبوط الإلهام، ثم شعور يعتريك -في النهاية- بأن كل ما يستحق القول قد قيل بالفعل، واستحالة الإبداع.. ألم نمرّ جميعًا بتلك التجربة؟

قد تظنّها إشكالية معاصرة بامتياز، لكن لصدمتنا جميعًا: يعاني البشر هذا القلق الإبداعي منذ آلاف السنين. فقد صلّى شعراء اليونان القدماء إلى ربات الإلهام طلبًا للإلهام الإلهي، وآملين أن تزورهم كاليوبي Calliope بأفكار جديدة.

بل ونجد زَعم العهد القديم “… وَمَا كَانَ فَسَوْفَ يَكُونُ، وَمَا صُنِعَ فَسَوْفَ يُصْنَعُ. فَلَيْسَ تَحْتَ الشَّمْسِ جَدِيدٌ”.

في انتظار الإبداع

المشكلة في اعتقاد الكثيرين أن الأصالة تعني الابتكار من العدم. وذاك ما أسميه الإبداع الخرافي Mythical creativity.

في حين أظهرت ورقة بحثية نَدرة ظهور الأفكار الثورية من لا شيء، وتولّدها -في الواقع- من إعادة خلط وصياغة ودمج ما بين أيدينا أصلًا. والذي أسماه العلماء ..

الإبداع التوافقي Combinational Creativity

سواء كانت أغنية ناجحة مثل أغنية للبيتلز [تمزج بين الموسيقى الريفية والآر أند بي “R&B” والموسيقى الهندية]، أو تطبيق فيروسي مثل إنستغرام [يجمع بين فلاتر الصور والمشاركة الاجتماعية]، فالكثير مما نسميه إبداعات “عبقرية” لا يتعدو عن كونه نتيجة ربط عناصر موجودة بطرائق مدهشة.

ومن منظور عملي تمامًا، يخفف فهم الاختلاف بين نوعيّ الإبداع آنفي الذكر (التوافقي والخرافي) الضغط عنّا ويفتح المجال للإبداع الممكن والمثير (في آنٍ معًا)، وقد يؤدي أيضًا إلى تأثير ذي مغزى.

السر في انتقالك من انتظار تلك الفكرة الأسطورية “غير المسبوقة” إلى ربط الموجود بالفعل بأساليب جديدة. يمكنك تجربة الاستراتيجيات الأربع التالية:

• احتفظ ببنك أفكار. اجمع الاقتباسات والأسئلة والقصص والحقائق المثيرة للاهتمام، وغيرها من مصادر الفضول التي تصادفك. يمكنك الاستعانة بتطبيق تدوين الملاحظات أو استخدم دفتر ملاحظات ورقي. يمنحك امتلاك بنك أفكار مواد خام لا نهائية تُعيد تركيبها في أفكار مبتكرة.

امزج الأفكار من مجالات مختلفة. استلهم مفاهيم من مجال معين (كالهندسة المعمارية) وطبّقها على مجال آخر (مثل تصميم فرق العمل). على سبيل المثال، “كيف سيبدو مبدأ باوهاوس المعماري -القائل بأن الشكل يتبع الوظيفة- في إدارة فرق العمل؟” هذا النوع من التلاقح الفكري سيزيد من أصالة أفكارك.

استخدم العشوائية. اختر فكرتين عشوائيتين واسأل نفسك: ما أوجه الاختلاف والتشابه بينهما؟ وكيف يمكن ربطهما؟ غالبًا، لن تُثمر 90% من محاولات الربط. إنما يكمن السر في تلك الـ 10% التي تُفاجئك.

تعلّم على الملأ. اقرأ خارج نطاق تخصصك – تحدث مع ذوي وجهات النظر المختلفة – شارك أفكارك غير المكتملة والروابط المُفاجِأة (والمذكورة أعلاه)، وتجاربك الفاشلة مع الآخرين.

ستساعدك هذه الملاحظات على رؤية تركيبات فاتتك، وستوفر لك المزيد من العناصر الذهنية التي يمكنك العمل عليها.

لا حاجة إلى انتظار ظهور الفكرة المثالية؛ لديك -بالفعل- ذكريات، وتساؤلات، وبذور فضول. ابدأ منها، وتعامل مع الإبداع لا بصفته هِبة إلهية، وإنما حوارًا فعّالًا مع العالم.

تجربة صغيرة

هل أنت مستعد لتطبيق تلك الأفكار عملياً؟ إذًا، ادمج فكرتين كل يوم لمدة خمسة أيام. يمكنك اختيار مشكلة تعمل عليها ودمجها مع مبدأ من علم الأحياء أو علم النفس أو التصميم. اضبط مؤقتًا ودع نفسك تستكشف الأفكار دون الحكم على النتيجة. وإلى الأسبوع القادم، ابقوا فضوليين!
صديقتكم آن لور

في انتظار الإبداع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى