حتى وإن لم تقرأ مقالة مات شومر Matt Shumer واسعة الانتشار حول الذكاء الصُنعي، وكيف سيقضي على 50% من وظائف ذوي الياقات البيضاء في السنوات الخمس القادمة. فعلى الأقل قرأت شيئًا يُشبهها، بعبارة أخرى: مقالة مصممة لإثارة ذُعرك!
لحسن الحظ، تحاول الكاتبة آن هاندلي(Ann Handley) طمأنتنا في مقالتها على لينكدإن، والتي ترجمتها لك أدناه.
بدايةً، لا أنكر أهمية الذكاء الصُنعي، حتى أنني -كما تلاحظ- أستخدمه. ومما لا شكّ فيه أنه تقنية رائعة، وستستمر في التطور. أصاب (مات) في بعض النقاط، كقوله: أن معظم الناس استهانوا بحجم التغيير الذي طرأ خلال العام الماضي. لكن -في الوقت نفسه- جانبه الصواب في مسائل أخرى؛ إذ يطرح الأسئلة الخاطئة.
تُحدد الأسئلة التي تطرحها الحياة التي تبنيها.
تساؤل على الهامش (لكنه ليس هامشيًا) :: هل حقًا لا جديد تحت شمس الذكاء الصُنعي؟

فخ كوفيد
يستفتح صديقنا حديثه بمقارنة شباط 2026 بمثيله عام 2020 فيقول: هل تذكر حين اعتقدتَ بمبالغة الناس في ردة فعلهم تجاه الفيروس، ثم أعلن العالم دخولنا مرحلة الحجر؟
بشكلٍ أو بآخر، ذاك تشبيه مُذهل (وأحب التشبيهات الجيدة)، كما أنه فعّال؛ لأنه أشبَه بضربة موجعة تثير داخلنا شعورًا عميقًا: لا أريد أن أكون شخصًا يتجاهل علامات التحذير مجددًا.
لكن لو تمعّنت في الأمر، لوجدته تشبيهًا سيئ للغاية؛ فالجائحة -ظاهريًا- مناسبة للمقارنة، لكونها حدثًا فريدًا قد لا يتكرر. فضلًا عن ندرة الجائحات العالمية التي تُشلّ العالم بأسره.
وبالعودة لـمات، فهو يرى لحظة الذكاء الصُنعي هذه “نادرة وكارثية مثل جائحة عالمية”. لكن في العمق، كان لكوفيد-19 آلية مادية واضحة وقابلة للقياس:
- ينتشر الفيروس.
- يصاب الناس بالمرض.
- تمتلئ المستشفيات عن آخرها، فتُقيم غرف عزل في مواقف سياراتها.
- تغلق الحكومات كل شيء. وتنصب المطاعم طاولاتها في الهواء الطلق رغم البرد القارس.
- كان بالإمكان رؤية كل ذلك يحدث أمام أعيننا، دولة تلو الأخرى.
فهل ينطبق ذلك على الذكاء الصُنعي؟
يُعدّ الاستغناء عن الوظائف بسبب الذكاء الصُنعي أمرًا أكثر غموضًا: متى سيحدث؟ أعندما تصبح التكنولوجيا مؤهلة؟ أم عندما تتبنى الشركات الذكاء الصُنعي؟ أم بعدما يفقد الناس وظائفهم بالفعل؟
الأطر الزمنية مختلفة تمامًا، أليس كذلك؟ يدمج (مات) كل الأطر معًا في كتلة غير متجانسة، ثم يضعها ضمن نظام ذعر نمطي، فيقول
“بما أن بمقدور التكنولوجيا أداء الوظيفة الآن، بالتالي، انتهت الحاجة إليك عزيزي الإنسان!”
متجاهلًا بمقولته تلك خمس خطوات رئيسية من التغييريَن الاقتصادي والاجتماعي.

“لكن” الرأسمالية
قد تظن فرضَ الرأسمالية تبنّي الذكاء الصُنعي. أو بعبارة أخرى: تبنيّ الشركات له بُغية توفير المال، ما يخلق ضغطًا تنافسيًا يجبر الجميع على الانسياق أو الخروج من السوق.
لكن هذا بفرض انتصار “الأرخص والأسرع” دائمًا. والذي نراه لا يتحقق في الواقع، وخاصة في مجال العمل المعرفي حيث تُعدّ الثقة والعلاقات والمصالح أولويات.
وفي حين انتشر كوفيد-19 لأننا عاجزون عن اختيار عدم التعرض للفيروس. فلن ينتشر تبنّي الذكاء الصُنعي إلا إذا اختارته الشركات، وتلك ليست مسألة سهلة (سنفصّل في هذه الجزئية لاحقًا).
سباق لم يطلب أحد خوضه!
تقف حجة مات بأكملها على افتراض واحد: قدرة الذكاء الصُنعي على الإنجاز أسرع وأفضل؛ ما يجعل انتصاره مُحققًا. وتكرر العديد من شركات الذكاء الصُنعي أمثال هذا الإدعاء.
بذا، يستخدم (مات) ذات منطق “كاتب” الروايات الرومانسية المنبثقة عن الذكاء الصُنعي [اقرأ قصته]، والذي تساءل:
“إذا استطعتُ توليد كتاب في يوم، بينما تحتاجُ إلى ستة أشهر لتأليف كتاب، فمن سيفوز في السباق؟”
يطرح مات التساؤل ذاته: من سيفوز في السباق؟ ستكون الإجابة، بالنسبة لكليهما على حد سواء: الذكاء الاصطناعي قطعًا.. الروبوت يفوز.. فالروبوتات تفوز دائمًا!

ما يعيدنا لسؤال: أي سباق؟ من قال إننا نتسابق؟ وإلى ماذا نتسابق؟
يزخر مقال مات بمفردات سباقات السيارات: “امضِ قدمًا”، “بداية مبكرة”، “التخلف عن الركب”، “أكثر مَن سيعانون أولئك الذين رفضوا المشاركة”.
تفترض هذه النظرة اعتبار السرعة المقياس الوحيد المهم، بحيث يكون الأسرع هو الأفضل دائمًا، وتفترض -أيضًا- أنك إذا لم تُحسّن سرعتك، فأنت تعظّم فرصة خسارتك.
لا يسعني سوى الاختلاف الشديد مع هذه النظرة للعالم.
إليك ما غاب عن مقال مات
- التساؤلات حول طبيعة الأعمال التي تستحق بذلنا الجهد في سبيلها.
- الاعتراف بأن بعض الخلافات والنزاعات تخلق قيمة عوض تدميرها.
- أي اعتبار بأن الأمور تستغرق وقتًا لسبب وجيه.
- بعض الفضول حول ما نخسره عند حصر تركيزنا على تحسين السرعة ورفع الكفاءة.
يُحاجج مات: “حطّم غرورك. لا يُمانع الشريك الإداري في تلك الشركة القانونية قضاء ساعات يوميًا مع الذكاء الصُنعي”. فأتسائل: ماذا لو لم تكن مسألة غرور؟ ماذا لو تطلّبت بعض الأعمال وقتًا لأنه ضرورة لتشكيل الأحكام؟
بحسب حجّته أعلاه، يمكننا افتراض رؤية (مات) قيمة الشريك الإداري في شركة محاماة بسبب قدرته على البحث في السوابق القضائية أسرع أو صياغة المذكرات القانونية أكفئ. لكنه ينسى أن العملاء يوظّفون الشريك الإداري لأسباب مختلفة:

- يوظفونه لمعرفته كيف يردّ القاضي على الحجة؛ بسبب إجادته قراءة الأجواء.
- يوظفونه لأنه يعرف بمن يتصل عندما تسوء الأمور.
- يوظفونه لأنه يمارس المحاماة منذ 30 عامًا، ويتحلى بحكمة نابعة من ارتكاب الأخطاء وتحمل عواقبها.
- يوظفونه لأنهم -أي موكليه- يثقون به.
قد يتمكن الذكاء الصُنعي من البحث في القوانين، لكنه لا يستطيع توقيع الدعوى، ولا الذهاب إلى المحكمة، ولا تحمل مسؤولية الإهمال الطبي، ولا بناء علاقة تمتد لعقود!
ماذا عن المسوقين؟
هذا عن القانون. ولكن ماذا عن المسوّقين؟ يرى مات أن المسوّق الخبير ذو قيمة لأنه يستطيع كتابة النصوص التسويقية بسرعة أكبر أو تحليل بيانات الحملات بكفاءة أعلى.
لكن ليس لهذا السبب توظّفه الشركات، أليس كذلك؟
تستعين الشركات بكاتب النسخ الإعلانية لأنه يعرف الرسالة المناسبة لكل فئة جمهور، ولقدرته على استشعار فشل الحملة قبل إثبات البيانات ذلك، ولمعرفته كيف ينقذ الموقف عندما يتعثر الإطلاق.
تدفع الشركات الآلاف لمسوّقين أداروا حملات كافية ليدركوا الفرق بين المقياس المهم والرقم التافه.
- يستحيل على الذكاء الصُنعي الاحتجاج عندما يرغب صاحب المشروع بتغيير الاستراتيجية بالكامل قبل ثلاثة أسابيع من الإطلاق!
- لا يمكنه استعادة ثقة العميل بعد أزمة علاقات عامة.
- ولا يمكنه فهم ثقافة الشركة ومعرفة متى لا يكون الوقت مناسبًا للتذاكي!
- وطبعًا لن يتحمل المسؤولية عند فشل الحملة.
هذه ليست تفاصيل هامشية يا أصدقائي، بل أُسس هيكلية.
مثال آخر: لكن شخصي هذه المرة!
أمضيتُ عامين تقريباً في تأليف كتاب. هل كان ذلك غير مجدٍ؟
سيجيب مات: “طبعًا، يمكن للذكاء الصُنعي تأليفه في زمن قياسي”.
لكن اسمع صديقي مات: أنت مخطئ! إذ كان مُجديًا بحقّ؛ أفادني في فهم أفكاري، والتوصّل لكيفية مساعدة القارئ، والتعبير عنه بطريقة لا تصدر إلا مني. فالاحتكاك بين الفكرة والتعبير، بين النية والتنفيذ، ليس عبثية؛ بل جوهر التفكير كامنٌ فيه.
هل يساعدني الذكاء الصُنعي على التفكير أسرع؟ ممم. ربما. لكن لنتحدث بصراحة: يساعدك الذكاء الصُنعي على تخطي التفكير والوصول إلى إجابات تبدو صحيحة ولكن لم تُختبر في معمل التطبيق العملي. أترى المشكلة؟

خدعة الجدول الزمني .. الهشّ!
مات متأكد تمامًا من الجداول الزمنية. “من سنة إلى خمس سنوات.” “بحلول نهاية هذا العام” “يتضاعف كل سبعة أشهر، ويتسارع إلى أربعة أشهر”
يبدو حديثه برمته علميًا، ومرتكز على البيانات. تهز رأسك مؤيدًا أثناء القراءة، ثم ينتابك الذعر!
ولكن هل تعلم أنه يُدير شركةً متخصصةً في الذكاء الاصطناعي ويستثمر في شركات ناشئة في هذا المجال؟ سبق وأفصح عن ذلك، وهذا يُحسب له. لكن يبدو أنه لا يُقرّ بمدى تأثير دوافعه المالية والنفسية على يقينه بأن هذه الثورة تحدث الآن.
- كان المستثمرين في العملات المشفرة في عام 2021 على يقين تام بأنها ستحل محل النظام المالي.
- وكذلك سمعنا -في عام 2016- الذين أحبّوا الواقع الافتراضي “VR” وكيف كانوا متأكدين من أننا سنعمل جميعًا في الميتافيرس بحلول 2025!
يخلق القرب من المجال قناعة.
كتب مات وكأن المنحنى الأسي مضمونٌ الاستمرار بهذا الوتيرة تحديدًا. لكن تصطدم هذه المنحنيات دائمًا بعقبات، لا بسبب قيود تكنولوجية، بل لأن تبنّي التقنيات في الواقع العملي معقدٌ وشديد التأثر بالطبيعة البشرية.
باختصار، الفجوة بين “سيُجدي الذكاء الصُنعي نفعًا في عرض توضيحي” و“سيحلّ المذكور محل 50% من الموظفين” هائلة كالمحيط. ويتجاهلها مات وكأنها بركة ماء!
ما أعتقد أنه الحقيقة
- ستختفي بعض الوظائف تمامًا، وسيتحول الكثير منها (بحيث يحمل الإنسان المسمى الوظيفي ذاته، مع توليّ الذكاء الصُنعي أجزاءً منه.
- سيواجه كل واحد منا لحظة “تعلم كذا أو ستفقد قيمتك”.
- سيستغرق الأمر أكثر من [سنتين إلى خمس سنوات]. كم تحديدًا؟ لا أحد يعلم (ويصعب معرفة ذلك وأنت داخل الفقاعة). وسيكون التغيير جزئيًا وغير متساوٍ، وليس نهاية العالم التي يصفها مات.
في النهاية، لا أحد متيقّن من أي شيء، نحن جميعًا نخمن. إلا أن هناك شيئاً واحداً أنا متأكد منه: عندما تصبح السرعة أرخص، يصبح الحكم السليم أغلى.
أصاب مات في أن الذكاء الصُنعي يجعل السرعة زهيدة الثمن. لكنه أخطئ في اقتراحه التحرك بشكل أسرع باعتباره الحل الوحيد.

أحيانًا يكون أفضل رد فعل على التسارع هو التباطؤ بما يكفي لطرح أسئلة أفضل:
- ما الذي أحاول صنعه في الواقع؟
- ما الذي يستحق التمسّك به لأنه يتراكم مع مرور الوقت؟
- أين يخلق النزاع قيمة بدلًا من تدميرها؟
- ما العمل الذي أحب القيام به، بغض النظر عما إذا كان الذكاء الصُنعي يستطيع فعله بشكل أسرع؟
الخيار الذي لا يقدمه مات
يقدم مات خيارًا حديًّا: التكيف أو الفناء. استخدم الذكاء الصُنعي بـ”شبق” أو ستتخلف عن الركب! لكن هذه مفاضلة سخيفة؛ يمكنك استخدام الذكاء الصُنعي بصفته أداة مع الحفاظ على الاحتكاك الذي يخلق القيمة. كما يمكنك أن تتعرف على نقاط قوته وأن تحافظ على وضوح الرؤية بشأن ما تحاول صنعه ولماذا. وقطعًا: يمكنك أخذ قدراته على محمل الجد مع رفض الذعر.
لا يكمن الخطر الحقيقي في الذكاء الصُنعي، بل في تبنيّ تعريف شخص آخر للنجاح.
ولا أقول أن نتجاهل الذكاء الصُنعي، أو أدعيّ أنه لن يغير الأمور. وإنما أقول: لا تدع الذعر يتحكم في قراراتك، ولا تعيد هيكلة حياتك بالكامل بناءً على تنبؤات شخص لديه دوافع قوية للاعتقاد بأن الثورة قادمة الآن.
أرجوك: لا تتخلى عن العمل الذي يستغرق وقتًا لمجرد أنه يمكن إنجاز شيء آخر بشكل أسرع.
وللحديث بقية يا صديقي