لقد قرأتُ الفلسفة لسنوات. الرواقيون، والبراغماتيون، والمفكرون المعاصرون. واقتبستُ من أرسطو مرات عديدة في كتاباتي. ومع ذلك، لم أقرأ كتاب “الأخلاق النيقوماخية” كاملاً إلا الآن.
كُتب الكتاب خلال القرن الرابع قبل الميلاد، ويُعتبر أحد أهم الكتب في الفلسفة. وربما أكثر ما لفت انتباهي مدى تشابهه مع ما نسميه الآن “مجال تطوير الذات”، مع فرق أن أرسطو لا يحفزك ولا يعدك بأي شيء، بل يطرح سؤالًا بسيطًا:
ما معنى الحياة الطيبة عمليًا؟
أترى؟ لم يتحدث عن حياة ماتعة، أو ناجحة، أو حتى ذات معنى. بل عن حياة “طيبة”

الحياة الطيبة بحسب أرسطو
يُطلق أرسطو تحذيرًا يُفند بالفعل معظم الأفكار الحديثة حول السعادة:
“لا يصنع سنونو واحد صيفًا، ولا حتى يوم جميل؛ وبالمثل، لا يجعل يومٌ أو فترة قصيرة من السعادة الإنسان يطير فرحًا!”
بعبارة أخرى، ليست “السعادة لحظة”، ولا مجرد مزاج رائق. وقطعًا، ليست ما تُظهره على صفحتك في إنستغرام.
السعادة أسلوب حياة، أو مهارة تمارسها مع مرور الوقت.
لنرى سويّة ما يؤمن أرسطو أنه قوام الحياة الطيبة:
- غاية الإنسان الازدهار، لا الشعور بالرضا. الهدف الأسمى الوصول إلى الازدهار الإنساني Eudaimonia: حالة من الرخاء. فلا يتعلق الأمر بالمتعة، وإنما ببناء حياة متماسكة حين نتأملها بنظرة متأنية وصادقة.
- تُبنى الحياة الطيبة عبر العمل. أنت لا تمتلك حياة جيدة. بل تصنعها؛ ما تمارسه باستمرار أهم من شعورك العرضي.
- تُكتسب الفضيلة بـ”التفضّل”. لا تُكتشف الشخصية عبر التأمل الذاتي، بل تُبنى من خلال التكرار. يصبح المرء منضبطًا حين يضبط أفعاله وأقواله، فلا توجد طرائق مختصرة.
- تسكن الفضيلة بين النقيضين. الشجاعة بين الجبن والتهور، والكرم بين البخل والإسراف. والفعل الصائب يعتمد على السياق والحكمة، لا على قواعد جامدة.
- ينبغي أن يحكُم العقل الرغبة. الحياة الطيبة هي التي يُوجّه فيها العقل العاطفة والحافز. ولا نقصد طبعًا كبت المشاعر، بل فهمها وتوجيهها.
- امتلاك بصيرة أهم من القواعد. لا توجد قائمة معايير أخلاقية محددة. تعني الحكمة العملية: فهم المواقف، وموازنة الخيارات، واتخاذ القرارات في ظل عدم اليقين. لا توجد وصفة جاهزة لحياة طيبة.
- الصداقة ضرورية. لا يمكنك أن تزدهر بمفردك. تستوجب الحياة الطيبة علاقات طيبة؛ تبذل فيها جهدًا في مقابل ما تتلقاه منها.
- لا تزال الظروف الخارجية مهمة. الفضيلة أساسية، لكن يظلّ للصحة والمال والاستقرار تأثيرهم على مدى قدرتك على عيش حياة طيبة. ومن السذاجة التظاهر بغير ذلك!
أترى؟ ذاك نمط حياة. بمعنى أنك لا تستطيع فعل بعض الأشياء فقط فتسعَد، وإنما الحياة الطيبة شيء عليك العمل عليه يومياً.

ما “لا تعنيه” السعادة
أعلم أنك ترى كل ما سبق بديهيًا، بل وربما صادفت جميع النصائح أعلاه على الإنترنت. ونعم، من الصعب تطبيقها!
لكن لا نجد قيمة كتاب أرسطو الحقيقية في سرد ما يجب السعي إليه، بل في تشديده عمّا يجب تجنبه.
يقولها صراحةً:
“لن نجد السعادة في التسلية؛ من العبث أن يتحمل المرء المشقة والمتاعب طوال حياته في سبيل الترفيه!”
وليس المقصود بالتسلية: البهجة أو الاستمتاع، وإنما “اللهو” و”الهروب من الواقع” والترفيه بصفته غاية.
فمثلًا، للراحة والترفيه مكانتهما. ولكن وفقًا لأرسطو، فهما فقط وسيلة تعافٍ وإنعاش، وليسا غاية في حد ذاتهما.
فإذا كانت حياتك تسير على النحو التالي: “معاناة” في العمل يعقبها “هروب” من خلال الترفيه؛ فثمّة خلل إذًا!
عشت هكذا لسنوات، فكنت -ببساطة- أتحمل معظم تكاليف الحياة لأشغل نفسي بعدها.
ولكن كيف تعرف إذا كنت تتبَع هذا النمط؟
انتبه للعلامات التالية:
- هل خططت لجميع عطلات نهاية الأسبوع -وبدقة- خلال الأشهر القليلة القادمة؟
- هل يراودك شعور بعدم الارتياح والقلق خلال أواخر ساعات مساء يوم السبت (أو الأحد إن كنت مغاربيًا)؟
- هل تردد لنفسك كثيرًا: “بضعة أسابيع أخرى من العمل، وبعدها سأذهب إلى [كذا]” ودائماً ما تكون [كذا] وجهة اصطياف ونقاهة؟
هذه ليست سعادة. بل هرب (مع استراحات لالتقاط الأنفاس بين الحين والآخر).
غالباً ما يكون البدء بما يجب تجنبه أفيَد من البدء بالمُثُل العليا؛ تخلص من الفخاخ الواضحة أولًا، وابنِ حياةً تستمتع بها فعلاً يومًا بيوم. والأهم: تجنّب العيش لأجل لحظاتٍ في المستقبل (وذاك يقتضي استمتاعك بمسيرتك المهنية وروتينك اليومي). عش اللحظة.

تظلّ السعادة هدفنا النهائي
يختتم أرسطو حديثه من حيث بدأ:
“إذن، تبين أن السعادة شيء كامل ومكتفٍ بذاته، فهي الغاية التي تتوجه إليها أفعالنا”
هذا جزء نعرفه جميعًا، لكننا نميل إلى تناسيه بمجرد انخراطنا بالعمل -دون وعي- على أهدافنا. نريد أن نكسب المزيد من المال، وأن نُقدَّر ونُحب، ونستمتع بكل مظاهر الرفاهية التي تقدمها الحياة. وفوق كل ذلك، نريد أيضاً أن نكون سعداء!
لكن ليست السعادة مشروعًا جانبيًا.
ليست ما نحصّله بعد إنجاز كل شيء آخر. وإنما معيارًا نقيس عليه أفعالنا. فاسأل نفسك الآن: هل الطريقة التي تمضي بها أيامي تشير فعلاً إلى حياة أحترمها؟ نعرف مسبقًا الإجابات الخاطئة.
في الواقع، فالأشياء التي تدعم الحياة الطيبة قد تبدو مالؤفة:
- تناول الوجبات مع أشخاص تهتم لأمرهم.
- الخروف في نزهة طويلة.
- الجلوس على الأريكة مع كتاب.
- تدوين كل المشاريع التي تعمل عليها.
- التصرف بنزاهة عندما لا يراك أحد.
ومعظمها أفعال مجانية فلا تنتظر لأن تكون غنيًا أو مشهورًا لفعلها. إذًا، ليست المشكلة في جهلنا ما يُسعدنا، بل في إصرارنا على اتخاذ بدائل قصيرة الأجل تمنحنا جرعة من الدوبامين!
لا يقدم أرسطو الراحة، بل يقدم معياراً. وأخيرًا: السعادة شيء تكسبه تدريجيًا من خلال أفعالك، تمامًا كغرس شجرة وسقيها وانتظار نموها.
