تخيل أنني صادفت نائب مدير شركة، بخبرة تتعدى 18 عامًا، يفشل في أربع مقابلات عمل متتالية! لا لضعف مؤهلاته، بل لأنه ظل يجيب على سؤال “ماذا تعمل؟” بمسماه الوظيفي عوض سرد التحديّات التي يحلّها.
يمكنك رؤية العالم الذي جاء منه: عالم كانت المهارة فيه كافية، و الأقدمية تعادل الأمان الوظيفي، وتلعب صفة “الخبير” دورًا كبيرًا في التفاف الناس حول الشخص.
للأسف، ولّى ذلك العالم.
تلك ليست حالة فردية!
أرى مهنيين على أعلى المستويات -ممن قضوا سنوات طوال في وظائف مجزية- يدخلون سوق العمل الحرّ ليكتشفوا أن مهاراتهم لا تُرى كما يأملون: يرتبكون في المقابلات، ويتجاهلهم مسؤولو التوظيف، ويشهدون تفوّق المرشحين المبتدئين ذوي القصص الأفضل عليهم.
أتفهّم حيرة هؤلاء، أشخاص بنوا مسيرتهم المهنية على أساس إتقانهم ما يفعلونه. وذاك ما يُعيدنا إلى فكرة ناقشناها سابقًا –لو تذكر– وأقصد: لم يعد إتقان التنفيذ ميزة بعد الآن.

ثلاثة قوى غيرت قواعد اللعبة:
- عالمية الموهبة. هل تظن زملائك الجالسين في المكتب المجاور هم منافسيك؟ لا عزيزي؛ وإنما أنت تنافس كل شخص على كوكبنا الجميل: 1) يمتلك مهاراتك 2) تكلفة معيشته أقل.
- آنيّة الذكاء الصُنعي. يتحدثّ أحد كبار المهندسين في جوجل عن حلّ Claude Code -بعد آخر تحديث– مشكلة استغرقت منهم عامًا كاملًا في يوم واحد!
- قسوة التدقيق في العائد على الاستثمار. عندما تتقلص الميزانيات، لا يلجأ المديرون التنفيذيون إلى خفض العلاوات، بل إلى تقليص عدد الموظفين. ولن يكون السؤال المطروح حينها “مَن الأقدَم؟” بل “من يحقق نتائج قابلة للقياس؟“
برأيك، بما يتميّز الخبراء الذين يبنون موثوقية حقيقية؟ اشتراكهم في شيء واحد: القدرة على ربط مهاراتهم بالتأثير على المنشأة.
على سبيل المثال، المصممون الوحيدون الذين يحصلون على ترقيات ويتجنبون التسريح هم مَن يتحدثون عن الأرباح، لا المنجزات المستهدفة Deliverables.
ودعني اطمئنك هنا: أنت تعرف -بالفعل- كيف تحلّ مشكلة المنشأة التي تعمل فيها؛ فعلت ذلك لسنوات.
التحديّ أنك لم تتعلم -بعد- كيف تتحدث عن قدرتك؟ فالخلل في قدرتك "التعبيرية" لا "التشغيلية"
هل صدف وشعرت أن عملك وجهدك مُثمر؛ تُنجز المشاريع وتتحسن مؤشرات الأداء. لكن ما إن يُطلب منك “صياغة دورك في كلمات” .. حتى تضيع في بحر أفكارك، ولا تجد مخرجًا إلا بالحديث عن الحِرفية والأسلوب والنتائج؟
ماذا يحدث إن تعلُّمت ترجمة فعلك الإبداعي إلى مفعول تجاري؟
حينها، تتوقف عن كونك مركز تكلفة Cost Center وتتحول إلى قيمة استراتيجية Strategic asset. ويبدو تجاهلك مستحيلًا بعدما كنت تعيش على أمل أن يُلاحظ أحدهم قيمتك!
إنما، كيف ستطّبق ذلك على أرض الواقع؟ أمسك طرف الخيط، وتذكر أنك أمضيت سنوات تبني شيئًا يستهين به معظم الناس: البصيرة؛ أنت مَن يلجأ المستجدون إليه كلما واجهوا تحدٍ ما. لقد شهدتَ تعاقب دورات كافٍ لتمييز المُخلص من المُستعرِض. كما طورتَ قدرةً على تمييز الأنماط لا تخيب مطلقًا.
وقطعًا، لا تختفي هذه البصيرة عندما تُعاد هيكلة وظيفتك. بل تظل ميزة، لكنك فقط لا “تسوّقها” على النحو الصائب.
دعني أخبرك أن كبار الخبراء ممن أراهم يبنون أمانًا وظيفيًا حقيقيًا لا يسعون للبحث عن وظائف، بل يحوّلون خبراتهم إلى (أصل) يملكونه. وهذا ما يحوّلهم إلى “أصحاب ملايين”.

حان دورك
يمكنك توجيه أشخاص أصغر منك بخمس أو عشر سنوات وتقاضي أجر مقابل ذلك. يمكنك تعليم ما استغرق منك عقدًا من الزمن لتعلمه. إنما البداية مع سؤال: ما الأمور التي يلجأ إليك الناس لطلب مساعدتك فيها؟
يمكن أن تصبح الإجابة على السؤال طريقك للخروج من مصفوفة الأعمال .. إلى الأبد.