رسالة إلى مستقل يرفض رفع أسعار خدماته

رسالة إلى مستقل يرفض رفع أسعار خدماته

لفترة طويلة، كسبت لقمة العيش من العمل المستقل، حيث تنقّلت بين المشاريع قصيرة الأمد، أعمل فيها لأسبوع مثلًا، وأخرى طويلة الأمد بحيث قد تستمر لشهرين متواصلين، بحيث أجني منها ما يكفي لأخذ إجازة.

فضّلت المشاريع القصيرة؛ لأنها أتاحت لي تقاضي أجر أعلى بكثير لأعمال بسيطة. وبذا، لم تُشعرني أنني مدير نفسي فحسب، بل بكوني غير مضطر للعمل بجد لكسب عيش كريم. ظلّت أعلى أسعاري معقولة، مع حرصي الدائم على تقديم خدمة عالية الجودة.


استمر الوضع حتى حصلت على وظيفة مكتبية!

تواصلت معي شركة عملاقة في طارئ، إذ أخبرني المدير أنهم يحتاجون مستقلًا على الفور. مستقل لا يحتاج سوى تدريبًا بسيطًا ليُحقق أفضل أداء. ولحسن الحظ -أو سوءه- كان هذا شعاري. وكان المشروع من نوعية الأعمال التي أفضّلها تمامًا؛ كان بسيطًا وسريعًا، وأجره مجزيًا.

بعد التفاوض على سعر مناسب، تلقيت رسالة متضمنةً التعليمات. وموضّحةً سبب الاستعجال: غادر مطورهم فجأة -دون سابق إنذار- ولم يُطلع دون إطلاع أحد على حالة المشروع.

وكانت التعليمات بسيطة: اقرأ المتطلبات ثم قدّر مدة إنجاز المشروع. 

وببساطة، كان مِن أسهل المشاريع التي استلمتها في مسيرتي المهنية؛ صفحة “HTML” ببعض الرسوم المتحركة البسيطة “Animations” ومقاطع فيديو مُضمنة قليلة. قضيت الأمسية أدرس المتطلبات وأتخيّل كيفية تنفيذها. وعلى مر السنين، تعلمت ألا أكتب أي كود برمجي لأي عميل قبل استلام دفعة مُسبقة.

قدّرت تطلّب إنجاز المشروع بضعة ساعات. ولكن احتياطًا، حددتُ 20 ساعة عمل بتكلفة إجمالية 1500$؛ فتلك -في النهاية- مجرد صفحة ويب واحدة، ولا يُعقل فرض مبلغ كبير عليهم.

[التكلفة منطقية]

طلبوا مني التواجد في مكتبهم الفرعي الذي يبعد قرابة 40 كم طوال الأيام الثلاثة التي سأعمل فيها معهم.

في اليوم الأول، وصلتُ المكتب الواقع ضمن مركز تجاري، حيث يؤدي “باب سري” إلى عالمٍ خفيّ يعمل داخله بعض الموظفين بهدوء في مكاتبهم. قدّمت لي موظفة الاستقبال جهاز “ماك بوك برو” جديد كُليًا، وتوجّب عليّ إعداده من الصفر.
وهكذا، قضيتُ اليوم في تحميل أدواتي، وإعداد البريد الإلكتروني، ومفاتيح SSH، وطلب الدعوات للخدمات اللازمة في العمل. بعبارة أخرى، لم أنجز شيئًا يُذكر. لهذا السبب ذكرتُ أن الوقت المُقدّر عشرين ساعة، فقد أضعتُ ثمانٍ في أعمال روتينية!

في اليوم التالي، كنتُ مستعدًا للبدء

أرسلتُ بريدًا إلكترونيًا إلى المدير، لأُعلمه أنني جاهز للعمل وأنني أنتظر الموارد المذكورة. ثم قضيت بقية اليوم -حتى غروب الشمس- أُطقطق أصابعي.

كَم تبقى من العشرين ساعة المُتفق عليها؟ بحسب تقديري، تبقى أربع ساعات لإنجاز المهمة (وقت معقول لصفحة ويب واحدة). ولكن، كما توقعت، أمضيت تلك الساعات في غداءٍ نظّمته الشركة، حيث تناولتُ طعامًا شهيًا وتحدثتُ مع زملائي الموظفين.

ومع انقضاء المدة، راسلت المدير أخبره بتواجدي في الشركة دون استلامي الموارد اللازمة لإنجاز العمل. وبالطبع، تُجاهَلت رسالتي!

في يوم الاثنين التالي، قدت السيارة نحو مكتب الشركة مترددًا. ولدهشتي، وجدت المدير هناك حيث رحّب بي بحفاوة. كان رجلًا لطيفًا وودودًا في منتصف ثلاثينياته.
وبصراحة، شعرتُ بالحيرة؛ لم تكن نبرته حادة كما في مكالمة التوظيف. دار بيننا حديث ودّي لم نتطرق فيه إلى العمل. ولاحقًا، تناولنا الغداء سويّة بل ودفع ثمن وجبتي.
باختصار، كان يومًا لطيفًا، وإن لم نُنجز أي عمل.

لا يهّمني لو دعوتني “كائنًا يقتات على الروتين”؛ إن أطعمتني ودلّلتني يوميًا، فسأعتاد ذلك!
كنت أذهب إلى المكتب، وأقضي وقتي أقرأ وأشاهد مقاطع الفيديو على الشابكة. وطبعًا أرسل رسالة واحدة يوميًا؛ لإثبات وجودي. ثم أذهب لتناول الغداء وأقضي بعض الوقت مع أي شخص لديه قصة شيقة ليشاركها. في نهاية اليوم، كنت أقف، وأتمدد، وأتثاءب بعد يوم عمل طويل، ثم أعود لمنزلي.

حتى أنني أُصبت بخيبة أملٍ طفيفة عندما تلقيتُ -أخيرًا- رسالة تحتوي رابطًا للملفات المطلوبة للعمل! عدتُ إلى الواقع وبدأتُ العمل. ولكن بعد دقائق من تصفح الملف المضغوط، لاحظتُ أنه يفتقر إلى معظم ما أحتاجه. أرسل لي المصمم بعض ملفات أدوبي إليستريتور، ولم أتمكن من فتحها على جهاز ماك بوك.

رددتُ على الرسالة موضحًا المشكلة. ولتوفير الوقت، أرفقتُ بضعة أسئلة أخرى. آنذاك، كانت مدة المشروع المحددة بـ ٢٠ ساعة قد انقضت بالفعل، وكنتُ أرغب في إنهاء المشروع بأسرع وقت.

  • بعد هنيهة من الإرسال، تلقيتُ ردًا كل ما جاء فيه: “إضافة أليكس إلى المحادثة”، مع إرسال نسخة منه إلى “أليكس”، الذي رد بأنه أضاف “ستيف” إلى المحادثة.
  • رد ستيف قائلًا أن “ميشيل” -ولكونها مصممة- أدرى بهذا الأمر. جاء ردّ “ميشيل” المؤتمت أنها “في إجازة، ويجدر توجيه جميع الاستفسارات إلى مديرها”.
  • رد مدير ميشيل ببساطة: “من إبراهيم؟” ليعتذر مديري عن عدم تعريفه بي!

بصفتي مستقل، عادةً ما أدخل وأخرج من الشركة قبل أن يُلاحظ وجودي فيها. أما هنا، فقد تلقيتُ سيلًا من الرسائل الترحيبية شديدة اللطف، والتي استمرّت لفترة، ما اُضطرني للرد على كلّ منها. كان البعض متشوقًا للقائي شخصيًا، وأغلبهم أُحبط -بعض الشيء- بعدما أخبرته أنني في ولاية أخرى.

  • استخدموا المجاملات لتجاهل رسائلي. وخاصية “نسخة إلى” للتهرب من أسئلتي.
  • استخدموا البريد العشوائي لرفض أي مقترح أطرحه.
  • قضيت أيامي كعالم آثار، أنقب في أعماق رسائل البريد الإلكتروني، على أمل العثور على إجابات لأسئلتي!
    تخيلوا حجم شعوري بانعدام الكفاءة كلما تذكرت أن مهمتي الوحيدة هي بناء صفحة ويب واحدة. ولا أصدّق كيف تحول المشروع الذي قُدِّر بـ 20 ساعة إلى مغامرة استمرت 7 أسابيع!

    لكن، لكل مغامرة نهاية..

    عندما انتهيتُ -أخيرًا- من المشروع، أرسلته إلى الفريق على Github. وإذ بدعوة تصلني: سيُراجع الكود من قِبل الفريق بأكمله عبر جوجل هانج آوت!
    لقد أمضيتُ أكثر من شهر في بناء صفحة HTML ثابتة واحدة، والآن سيخضع عملي البسيط من فريق بأكمله؟ دفاعًا عن نفسي، كان هناك أيضًا بعض التفاعلات باستخدام جافا سكريبت، وكانت الصفحة متجاوبة، وتضمنت أيضًا رسومًا متحركة باستخدام CSS… [يا ليّ من محتال!]

    بالطبع، أُعيد جدولة اجتماع الفيديو عدة مرات. وعندما عُقد أخيرًا، لم يكن عملي ولا أنا موضوع الاجتماع. كانوا جميعًا يجلسون في غرفة واحدة في مكان ما في نيويورك، وتحدثوا لبعض الوقت كمجموعة متماسكة.

    في الواقع، كل ما قالوه عن المشروع كان:

    • الشخص #1: هل يعمل أحد على تلك الصفحة الدعائية؟
    • الشخص #2: نعم، أعتقد أنها أُنجزت.
    • الشخص #1: ممتاز، سأدمجها الليلة.

    بعدما عدت إلى منزلي تلك الليلة، أدركت أنني أواجه تحديًا آخر. عملت في الشركة لسبعة أسابيع، وكان عرض العمل الأصلي الذي تلقيته هو 1500 دولار. ما يعادل 214$ أسبوعيًا. أو بعبارة أدق: 5.35$ في الساعة.

    وهذا المبلغ بالكاد سيغطى تكاليف مواصلاتي. لذا، أرسلتُ لهم فاتورةً جديدة أُحدد فيها أجر سبعة أسابيع عمل بأجري الساعي الأصلي. ليبلغ الإجمالي 18,000$.


    شعرتُ بالخجل قطعًا، ولكن ماذا كنت لأفعل؟

    كما توقعت، لم أتلقَّ أي رد. إن وجدنا قاسمًا مشتركًا بين جميع الشركات الكبرى، فسيكون -بلا شك- عدم حرصها على سداد فواتيرها في الوقت المحدد. شعرتُ أنني محتال لتقاضي مبلغ ضخم مقابل عمل بسيط كهذا، لكن لنكن واضحين: كنتُ أقطع 80 كم يومياً لإنجاز العمل، وإن لم يُنجز العمل، فبسبب بطء استجابتهم لا بسبب تقصيرٍ مني!

    تلقيت رداً في الأسبوع التالي.

    كان بريداً غير رسمي من المدير، حيث فصّل فيه ساعات عملي اليومية. ثمّ حدّد الساعات التي أنجزتها، وحدّد ساعة استراحة غداء يومياً. وفي النهاية، أجرى بعض الحسابات بناءً على الأجر بالساعة المتفق عليه.

    واتضح أنني أخطأت في حساب الإجمالي. فبعد التسوية، بلغ إجمالي مستحقاتي  21,000$.

    وقد طلب مديري تأكيدًا بعدد الساعات؛ ليأمر بإصدار الشيك..

    وقد كان!


    هل لاحظت اسم بطل قصتنا؟ إبراهيم.. من البديهي أنه من أصل عربي. صحيح؟
    ويُفترض أنك قرأت تدوينة لماذا يكتفي كاتب المحتوى ببعض الفُتات؟! 💢

    الآن، بمقدورك ربط الخيوط والتوصّل إلى النتيجة
    😌

    رسالة إلى مستقل يرفض رفع أسعار خدماته

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

    تمرير للأعلى