من البديهي البدء بقصة، صحيح؟ خلال عطلة نهاية الأسبوع، وتحديدًا بعد تناول العشاء، عزمت على مشاورة بعض الأصدقاء حول رغبتي في شراء أول عقار في حياتي. وإذ بأحد الضيوف -سأدعوه عبد الغني- يقاطعني: “هل تعلمون أنني اشتريت عقارات بما يزيد عن 10 ملايين دولار على مدار السنوات العشر الماضية؟”
أجزم أن عيناي تلألأتا! يبدو أن عبد الغني يملك كل الخبرة التي أفتقدها؛ وقد يكون مرجعًا رائعًا. حاولت طرح سؤال، لكنه استمر في الثرثرة حول قصة حياته، وكيف نشأ في بلدة ريفية صغيرة، وعن والده المهندس دائم الغياب، وعن رغبته أن يصبح مهندسًا معماريًا، لا مطورًا عقاريًا.
وكنت أفكر طوال الوقت “قصة رائعة، ولكن… لا شيء مما ذكره يهمّني حقًا” وهنا تجرأت وقاطعته -في منتصف جملته- بسؤال مباشر: هلّا أخبرتني كيف أشتري عقارًا؟
حدق في وجهي للحظة، وبدا كمَن يستجمع أفكاره، ثم أردف: “سؤالك عظيم. كما تعلمون، عندما هممت بشراء أول عقاراتي … “ ثم ألقى على مسامعنا خطبة لاذعة لسبعة دقائق حول كيفية شراء عقاره الأول.
ولم يُجب سؤالي قط.
الآن، هل نفعتني قصة عبد الغني عن العقارات؟
ولا بمقدار ذرّة حتى؛ لم تمنحني الشيء الوحيد الذي أردته. صحيحٌ أنها ممتعة، ومليئة بالوصف، والتعبيرات التي لا تنسى، ولكن -في النهاية- انسحبت غير راضٍ.
لهذا، لا يمكننا اعتبارها “قصة جيدة”، وإنما أراها مضيعة للوقت.
إليك الخلاصة (من قصتي الخيالية أعلاه):

عندما تحكي قصة، تأكد من وضوح الاستفادة المرجوة لك ولجمهورك.
لا أظنني مُضطرًا للتأكيد على دور القصص في بناء جمهور متفاعل وتعميق علاقته معك. لكن تبقى المشكلة كيف تستخلص من لحظات حياتك اليومية قصة تستحق أن تُروى؟
تذكير:: 7 أسرار عظيمة للكتابات ذات القيمة
#1 استذكر أبرز الأحداث التي شكّلت يومك
هل يُفترض بالقصص أن تكون عبارة عن مغامرات مذهلة كقصص الأفلام؟ قطعًا لا!
لعلمك، تمتلك لحظات تستحق الوقوف عندها كل يوم، لكنك لم تتوقف يومًا لالتقاطها.
كيف تلتقط لحظات يومك المميزة؟
في كتابه الأكثر مبيعًا ” Storyworthy“، يشرح لنا ماثيو ديكس “Matthew Dicks” مفهومًا أسماه الواجب المنزلي المؤبد Homework for Life والذي يقتضي تخصيص خمس دقائق يوميًا للتفكير: إذا توجّب عليك اختيار قصة عن شيء حدث على مدار اليوم، فماذا ستكون؟ المطلوب منك كتابة جملة واحدة عنها.
تلميح: ابحث عن (أوقات صعبة – لحظات النمو – تجارب فخر أو إحراج).
تمامًا كالكتابة، يعد إيجاد القصص مهارة يجدر ممارستها يوميًا. وتلك ميزة الواجبات المنزلية المؤبدة: أمرٌ بسيط لدرجة سهولة فعله حتى في أكثر أيامك انشغالًا.
- عمودين: أحدهما للتاريخ والآخر للقصة.
- خمس دقائق: قصة واحدة مُختصرة بجملة واحدة.
الخطوة #2 حدد لمَ ترك كل حدث تأثيره عليك
أيّ الأحداث تعجز عن تجاوزها؟ إذا كنت تستذكر لحظة من يومك مرارًا وتكرارًا، فذاك لسببٍ وجيه. إذًا، لا تَدع تلك اللحظات تُفلت من بين يديك، وقاوم رغبتك في تجاهلها .. بل وتعمّق فيها:
- هل تُشعرك بعدم ارتياح؟
- هل تُظهرك هشّا؟
- هل تُعرّي تلك اللحظات عيبًا في شخصيتك؟
تلك بذور القصص الرائعة في عيون القراء.

الخطوة #3 حدد الدرس المُستفاد
لأنه يوضّح سبب أهمية قصتك.
وبالمناسبة، يتوقف نجاح قصتك على الصِلة بين القصة والرسالة المُراد إيصالها. فإذا كانت قويّة، خلقت رابطًا عاطفيًا أعمق مع القارئ. وإلا، تركته مع شعور بعدم الرضا.
لفعلها، اربط منظورك الشخصي بقضية كبرى أو حقيقة كونية:
- بما تُخبرنا تجربتك عنك أو عن الحياة أو عن العالم؟
- هل تتحدث قصتك عن الإحباط / الظلم / الولاء / الأمل / سوء الفهم ..إلخ؟
الخطوة #4 ابنِ منحنى سردي
بمجرد تحديد هدفك من القصة، يمكنك تشكيل قصتك في إطار سردي؛ السرد هو ما يمنح القصة هيكلها ويسمح للقارئ بمتابعة تطور الأحداث.
تحافظ القصة القوية على تفاعل القارئ من خلال توضيح كيفية التغلب على التحديات، وآلية حل الصراعات، وشكل تغير الشخصيات نتيجة لذلك.

يُعتبر إطار السرد القصصي ABDCE من كتاب آن لاموت، Bird by Bird، إطارًا ممتازًا يساعدك على بناء قصتك:
- الحدث Action: ضع القارئ مباشرة في الحدث. لا حاجة إلى “تمهيد المشهد”.
- الخلفية Background: بمجرد أن تجذب اهتمام القارئ، أخبره سبب أهمية الحدث.
- التطوّر Development: صعّد أحداث القصة، وأخبر القارئ إلى أين تتجه، وأيّ الأمور على المحكّ!
- الذروة Climax: نقطة التحول. لحظة “آها!” “أوه لا!” “يا للمفاجأة!”
- الخاتمة Ending: اشرح سبب كل ما حدث، و ما الخلاصة أو الدرس؟
مثال::
A :: قررت الخروج برحلة مسير بمفردي لتصفية ذهني.
B :: وذلك لشعوري بالاستنزاف والتوتر.
D :: تجولت عبر الغابات الجميلة والهادئة واستمتعت بالعزلة.
C :: وفي آخر أيام رحلتي، ضللت طريقي وتوجّب عليّ البحث عن سبيل العودة إلى الحضارة.
E :: وأخيرًا وجدت طريق عودتي إلى سيارتي ورجعت إلى المنزل سالماً معافى.
تعلمت أنه من الأهمية بمكان بقائك على أهبة الاستعداد عند المشي لمسافات طويلة. رغم ذلك، وفي بعض الأحيان، قد تؤدي المخاطرة والخروج من منطقة راحتك إلى تجارب ثريّة.
الآن بعدما كوّنت سردية، يتبقى أمامك خطوة أخيرة لزيادة قوة قصتك.
الخطوة #5 إيصال القصة للقارئ
قصتك ليست حقًا عنك، لست الشخصية الرئيسية في قصتك؛ بل القارئ.
إذا أردت النجاح لقصتك الشخصية، وأن يتردد صداها لدى القراء وتؤثر داخلهم بعمق، فحريُ بك توضيح سبب كون القصة التي ترويها مثيرة لاهتمام القارئ (بغض النظر عن إثارتها اهتمامك شخصيًا). فكّر في إجابات الأسئلة التالية:
- ما المشكلة التي تريد من القارئ أن يحلها؟
- ما البصيرة التي تودّ منحها للقارئ؟
- ما العقبة التي تسعى لمساعدة القارئ على تخطّيها؟
- ما العِبر والدروس التي تبتغي أن يفهمها القارئ في النهاية؟
لنفترض أنك تكتب مقالة بعنوان “العوائد المدهشة لتغيير مسارك المهني بعد الخمسين“. وهدفك منها؟ توضيح كيف تؤدي المخاطرة والخروج من منطقة الراحة إلى تحديات جديدة وتحقيق نمو. والآن مع التطبيق العملي:
- اسحب دفتر “الواجبات المنزلية المؤبدة” من درج مكتبك.
- ابحث ضمنه عن وقت واجهت فيه ما تشرحه للقارئ (أي تحدٍ وخروج من منطقة الراحة).
- ممم.. تبدو قصة رحلة المسير الفردية مثالية تمامًا!
- اسرد القصة في مقالتك وابرز الصِلة.
هذا كل شيء!
سرد قصة آسرة هو أقوى وسيلة لإقناع الآخرين بطريقة تفكيرك. ومن خلال بناء عادة جمع القصص، وتحديد الدروس المُستفادة، وتشكيل السرديات، ثم إيجاد فرصة لتوسيع ما تكتبه بقصة شخصية، يمكنك ضمان أن تكون كتابتك أكثر جاذبية. سوف تبرز القصص التي ترويها وسيتذكرها القراء.
وإذا تمكنت من سرد قصة مقنعة وربطها بما يريده القارئ، فيمكنك تغيير الواقع كما تحدثنا يومئذٍ.
تدوينة لا تُقرأ لمرة واحدة فقط!
لي عودة لقراءتها مرة أخرى للتطبيق إن شاء الله ✨..
بالمناسبة قبل الشروع بقراءة هذه التدوينة كانت أدعو الله “اللهم اجعلني غيمة خير أينما مرت أمطرت”، وبعد قراءة الجزء الاول أعتقد أني سأدعو لعبد الغني أيضًا 😁
كَم أحبّ هذا الدعاء 🤩