التوليفة للتغلّب في المنافسة غير الشريفة! 🦠

التوليفة للتغلّب في المنافسة غير الشريفة! 🦠

اكتشفنا في التدوينة الماضية عبثيّة منافسة الذكاء الصنعي في سباق “السرعة” المحسوم سلفًا. ما يضعنا أمام سؤال مهم: ما ميزتك التنافسية في عالم يستطيع فيه الذكاء الصُنعي تنفيذ أي شيء تصفه في بضعة دقائق؟


لماذا يُعد توليف (أو دمج) المعارف بين المجالات أولوية؟

ليس المهم ما يمكنك فعله، بل ما تعرفه، وكيف نظّمت تلك المعرفة، وكيف تستخدم الذكاء الصُنعي لتطبيقها.

على سبيل المثال، قد يقرأ شخصان ذات كتاب الإنتاجية ثم يجنيان نتائج مختلفة تمامًا:

  • يقرأ زيد عن نظام PARA، فينشئ أربعة مجلدات، ويطبقه تمامًا كما وُصف. ليتساءل بعدها لمَ لا يُجدي نفعًا.
  • ويقرأ عمرو ذات الكتاب ويفكر: “القاعدة هنا استرجاع المعلومات بسلاسة، غير أن المجلدات تخلق عبئًا معرفيًا Cognitive overhead. فكيف أحقق نفس النتيجة بجهد أقل في مشروعي الحالي؟”
نفس المدخلات. إنما مخرجات مختلفة تمامًا.

لا فرق بينهما في الإدراك، بل في التوليف Synthesis، أي القدرة على:

  • استخلص المبادئ عوض استنساخ الأساليب.
  • وضع الأُطر في سياقها بدلاً من التقيد بها.
  • اكتشف الأنماط عبر المجالات لخلق أساليب جديدة كُليًا!

وتلك مهارة لا يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاتها.


يتعامل معظمنا مع المعرفة كما لو كانت “مقتنيات نكتسبها” لا فرصة تغيير”؛ فنقرأ الكتب [وننسى تفاصيل معظمها!]، وندوّن الملاحظات، وننظم المعلومات، ثم.. نتوقف عند هذا الحد!

لكن توليف المعرفة، أي تحويلها من معلومات خام إلى مُدركات قابلة للتطبيق، يمرّ عبر خمس طبقات متميزة، تُبنى كل منها على سابقتها.

الطبقة #1 :: التأطير السياقي Contextualization

هل تتوائم المعلومة مع واقعك وظروفك؟ يتجاهل معظم الناس هذه الخطوة، فيُطبّقون أنظمة إنتاجية مصممة للعُزّاب بينما تعلو أصوات أطفالهم في الخلفية! يتبعون أطر عمل مصممة لسياق معين، ويتساءلون عن سبب فشلها في سياق آخر. متناسين أن السياق يحدد كل شيء.


الطبقة #2 :: الصِلة Connection

كيف ترتبط المعلومة بما تعرفه بالفعل؟ عقلك عبارة عن شبكة أفكار؛ فلا تكمن القيمة في الأفكار بمفردها، بل في الروابط بينها.

لهذا يستطيع البعض ابتكار منظومة للمحتوى الفيروسي، بينما تقف معرفة آخرين عند “تحقق القصص المؤثرة أداءً جيدًا”. وقد يربط البعض بين رؤى علم النفس التسويقي، والاقتصاد السلوكي، وبنية السرد، والتجربة الشخصية، بينما يكتفي آخرون بـ “جمع الحقائق”.


الطبقة #3: التلخيص Distillation

يُؤدي تلخيص المعلومات إلى زيادة هائلة في قيمة المعرفة المُكتسبة. لن تساعدك إعادة صياغة الأفكار بأسلوبك على تذكرها فحسب، بل تدفعك -أيضًا- للتحقق من فهمك لما قرأته، وتُحفزك على توليد أفكار جديدة من خلال ربط ما تتعلمه بما تعرفه.

عندما “تلخّص Distill” معلوماتك المجمّعة، سيغدو بوسعك تسخير أفكار الآخرين في ابتكار أفكارك الخاصة.


توليف المعرفة Knowledge orchestration

الطبقة #4: إمكانية الاستفادة المُمنهجة

هل نُنظّم معرفتنا لنطبّقها وقت الحاجة، لا لمجرد التخزين؟ للأسف، كثيرًا ما نتناسى هذا الجانب تمامًا؛ فنبني أنظمة تدوين ملاحظات رائعة، وبُنى معلومات شديدة التنظيم ومثالية للاسترجاع.

لكن هل هدفنا الاسترجاع والاستدعاء أمّ الابتكار؟ المسألة ليست “هل يمكنني الرجوع لهذه المعلومة لاحقًا؟” وإنما “هل يمكنني استخدامها في بناء شيء ما الآن؟


الطبقة #5: المزامنة مع الذكاء الصُنعي

هل بمقدور الذكاء الصُنعي “الإنجاز” بهذه المعرفة؟ عندما تولّف المعرفة عبر المجالات، وتربط الأفكار، وتلخّصها بكلماتك، وتُهيّكل كل شيء ليكون تطبيّقيًا؛ يتوقف الذكاء الصُنعي عن كونه أداة تعطيها أوامر فتنفذّها، ويصبح امتدادًا لتفكيرك.

على سبيل المثال:

  • هندسة المحثّات Prompt engineering: “أنت تُخبر الذكاء الصُنعي بما عليه فعله”
  • توليف المعرفة Knowledge orchestration:“يتحرّك الذكاء الصُنعي ضمن بنيتك المعرفية المُركّبة”

أحدهما تفاعلي، والآخر تغييّري.


في المقابل، لماذا أصبحت سرعة التنفيذ مُهمّشة؟

يستطيع الذكاء الصُنعي تطبيق الاستراتيجيات في بضعة دقائق. لكنه عاجز عن استيعاب سنوات من المعرفة السياقية لتحديد أيًّا من تلك الاستراتيجيات يستحق التطبيق أصلًا؛ فهذا -تحديدًا- دورك.



اختر منظومة تستخدمها (نظام إنتاجية، استراتيجية تسويق، أيًا كان). ثم اسأل نفسك:

  1. السياق: هل تتوافق المنظومة مع تحديّاتي الفعلية؟ أيّ المسلمات لا تنطبق على وضعي؟
  2. الصِلة: ما الذي أعرفه ويخصّ -أيضًا- هذا الموضوع؟ أين تتقاطع الأفكار؟
  3. التلخيص: هل يمكنني شرحه لطفلٍ في الخامسة؟
  4. المنهجية: هل نظّمت معارفي الجديدة بحيث استخدمها حالًا، أم لأعود إليها لاحقًا فحسب؟
  5. المزامنة: إذا احتاج الذكاء الصُنعي إلى الاستفادة من هذه المعرفة، فهل يستطيع ذلك؟

التوليفة للتغلّب في المنافسة غير الشريفة! 🦠

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى