ما المانع من الارتياح لفكرة الانعزال عن الآخرين؟ 🦈

يُساء فهم كلمة “العُزلة” هذه الأيام؛ ربما بعدما حدث خلال الجائحة. عمومًا، لن أتحدث اليوم عن نوع العزلة المذكور. اطمئن!

العزلة ليست فكرة سيئة في حد ذاتها؛ بل -في الواقع- أداة فعّالة للغاية للتطور وفهم الذات (وهو الأولَى) إذا سمحنا لها بذلك. يمكن للوحدة المتعمدة – أو الانعزال المقصود عن “حياتك الاعتيادية”- تعزيز جودة حياتك ومستوى إبداعك وإنتاجيتك بشكل غير مسبوق.

لا سبيل لإنكار طبيعتنا ككائنات اجتماعية. حيث نادرًا ما نهدف للابتعاد عن مجتمعنا؛ إذ يشكّل الابتعاد عمّا اعتدنا عليه تهديدًا لبقائنا؛ فلماذا نرغب في الانفصال عن عالمنا إذا كانت الرفقة أكثر أمانًا؟

لن أطالبك مطلقًا بالانقطاع الأبدي عن الحياة الاجتماعية، إنما أود طرح بعض الأسباب المقنعة للوقوف وقفة تأملية.


كثيرًا ما نخلط بين الوحدة والانعزال. والسبب واضح؛ فكلاهما حالة من الانفصال عمّا وعن ما نعرفه!

لكن لا يمكن لأحدهما أن يحلّ محل الآخر، وبناءً على وضعك، يمكن أن يعنيا أشياء متباينة تمامًا.

كيف أعرف هذا؟

حسنًا، أعلم يقينًا أنك قد تشعر بالرضا التام وأنت بمفردك. قد تكون في المنزل “منعزلًا” تُنجز مهامك المنزلية، لكن موسيقاك المفضلة تُعزف، وقد انتهيت من رقصة ماتعة مع المكنسة الكهربائية، وتشعر بإنتاجية أكبر من أي وقت مضى. لا أعتبر ذلك “وحدة”.

على الطرف الآخر، قد تجد نفسك محاطًا بالناس لكنك تشعر بوحدة لا تُوصف. لا يُلغي وجودك وسطهم -بالضرورة- شعورك بالوحدة؛ فإذا لم يفهمونك أو شعرت بعدم الارتياح بينهم والانفصال عنهم، فذاك يُعزز وحدتك أكثر من أي شيء آخر.

التبصّر بالفرق مُهمّ، نحتاج إلى فصل “الانعزال” عن الدلالات السلبية، وإلا لن نخرج أبدًا من منطقة راحتنا ونقضي وقتًا واعيًا بمفردنا؛ إذا اعتبرناه أمرًا سيئًا موضوعيًا.


الهروب من الضجيج المستمر

لنبدأ رحلتنا مع أحد أعظم العوائق التي تحول دون السعادة: الضجيج.

ولا أقصد الضجيج حرفيًا، بل سيل المعلومات المتدفق الذي يجتاحنا يوميًا:

  • كتب تطوير الذات المحيطة بنا في كل مكان.
  • الرسائل التسويقية المصرّة على أننا سنصبح أسعد بمجرد شراء ذلك المنتج، أو كسب ذاك المبلغ، أو الاشتراك في قناة يوتيوب تلك.
  • وماذا عن الأخبار؟ ليست مصدر سعادة محتملًا أصلًا، ومع ذلك نُتابعها!
  • ولا ننسى طبعًا شبكات التواصل الاجتماعي، التي تُظهر حياة الجميع أفضل بكثير من حياتنا.

ومهما بلغ مقدار قناعتك، فستنكسر أمام هذه الضوضاء، وترى حياتك بائسة. فبالله عليك كيف يُفترض بك الرضى عن حالك بينما يُلحّ عليك الجميع بذل جهد أكبر وامتلاك أشياء أكثر؟ والأهم، كيف قد تعيش الحياة التي تُريدها دون صمت وتركيز؟

أحيانًا، تحتاج بعض الهدوء.

كيف أستمتع بحياتي الآن (عوض انتظار تحسّن بعض جوانبها)؟


دور عوامل التشتيت

“التشتيت هو المعادل المعاصر لتجنب الخطر أو المجهول في العصور القديمة.”

– د. جوّد بروير “Jud Brewer“، طبيب نفسي متخصص في الإدمان (لـ هارفارد بزنس ريفيو)

مشكلة الضوضاء والتشتت أننا، خلافًا للتفكير الصائب، ننحو للترحيب بها. لماذا؟ لأنها مَهرب من مسؤولياتنا وأهدافنا ومشاكلنا.

عندما نؤجل مهمة أو نلجأ إلى تشتيت أنفسنا، فعادةً بسبب قلق يجتاحنا؛ نأمل في تجنب عناء النمو، ونخشى ألا يُثمر جهدنا. فنشتت انتباهنا ببساطة.

إليك مثالًا:
قررتَ -أخيرًا- استعادة لياقتك البدنية بالركض يوميًا. لكن مع شمس الصباح، تمسك هاتفك عوض حذائك الرياضي. وتمر الدقائق بسرعة حتى لا تجد وقتًا كافيًا للركض قبل العمل.

قد تقول: “سأحاول غدًا” ولا أحد يعلم .. ربما تُحاول مجددًا حقًا. لكنك لا تعلم أنك انخرطت -للتو- في دائرة من التشتيت والتسويف!

عندما تُمطر علينا المُشتتات والرسائل التسويقية من جميع جوانب حياتنا، يكاد يستحيل حصولنا على استراحة.

ما المانع من الارتياح لفكرة الانعزال عن الآخرين؟

حين يغدو الأصدقاء خصومًا..

علاوة على المشتتات اليومية، يقابلنا مؤثر ثقيل آخر يحول دون نضجنا: دائرة الصداقة السيئة.

إنما لنُحلل ما أقصده بـ “سيئ” هنا؛ فأنا أعلم أنك بداهةً ستتجنب الأشرار أو النرجسيين أو الكاذبين.
لكن ماذا عن شخص لطيف ومعطاء، ومع ذلك يؤثر سلبًا على نموك الشخصي؟ أتحدث عن الأصدقاء الذين يشجعونك على الاجترار المشترك Co-rumination.

ودعنا نستمع إلى شرح عالمة النفس د. ريبيكا شوارتز ميت Rebecca Schwartz-Mette للمصطلح:

الاجترار المشترك هو ببساطة اجتماع الناس والتحدث بإسهاب عمّا يمرون به من مشاكل وعن مدى سوء مشاعرهم. قد تشعر -ضمن حلقات الاجترار المشترك-بالقبول والتقدير، وبأنك قريب منهم عاطفيًا. لكن بالمقابل، ربما ازددت اكتئابًا؛ مع تركيزك على السلبيات.

✋🏼 هل مفهومنا عن التشبيك Networking صحيح؟

قد يكون الاجترار المشترك -أحيانًا- مُرضيًا للغاية؛ ربما تواجه صعوبة في إيجاد وظيفة مُجزية أو تجَاوز انفصال مؤلم. وربما تحتاج صديقًا يتفهّم هذه التجارب في خضم إحباطك وبؤسك.

لكن قد ينقلب الأمر إلى كارثة، حين يغدو إحباطك ذريعةً لعدم المحاولة. والاستسلام أسهل بكثير عندما نتشاركه مع الآخرين!

لهذا، أجد مقولة “أنت نتاج أقرب خمسة أصدقاء لك!” شديدة الصحّة. فمثلًا: يكاد يستحيل إبعاد نفسك عن وسائل التواصل الاجتماعي عندما ترى جميع من حولك يحدّق في هاتفه.

والأهم من ذلك، لن تنمو شخصيتك أو تتطور يومًا إن تمسّك أقرب أصدقائك بالركود. وغالبًا ما يحدث هذا التأثير السلبي فجأةً وخِفية.


هل نجد الحل في الانعزال؟

لطالما وصم البشر العزلة. إذ اعتُبرت مصدر إنزعاج، وأمرًا يجب تجنبه، وعقابًا، وصِفةً للانطوائيين… لكن يتزايد عدد مَن يرون الانعزال، إذا ما اتُّبع طوعًا، أسلوبًا علاجيًا.

برنت كرين Brent Crane، ذا أتلانتيك

ودعني اسألك هنا: إلى أين نذهب حين نصل إلى نقطة الانهيار؟ ولا أقصد الأوقات التي نواجه فيها إزعاجًا بسيطًا، أو عندما تنكسر قلوبنا، أو عندما نحتاج فقط إلى إجازة. بل حين تنهار الحياة من حولنا، ونشعر وكأن لا مفرّ.

في الغالب، يلجأ الناس إلى العزلة في لحظات اليأس الشديد هذه. يهربون إلى الطبيعة بحثًا عن بعض الهواء الطلق. صحيح؟

لكن هل يُفترض بك الوصول لحافة الانهيار لتدخل في عزلة؟ ماذا عن أحكَم الناس وأعرَفهم بأنفسهم على وجه الأرض؟

  • يُمضى الرهبان في بعض الطوائف الدينية والروحية شهورًا، بل سنوات، وربما عقودًا في عزلة سعيًا وراء التنوير. تخصص الراهبات ساعات للصمت والتأمل.
  • ولا يزال كثيرون ينعزلون اليوم بأنفسهم، ويرونها جزءًا من مساعيهم الروحية.

أترى؟ لطالما استمتع الناس بفوائد العزلة، لكننا نسينا فنّها. الجلوس بمفردك مع أفكارك من أقوى القرارات التي يمكنك اتخاذها.


هل للعزلة فوائد علمية؟

من اللطيف تقدير العزلة باعتبارها ممارسة روحية، ولكن ماذا لو لم تكن ميّالًا للروحانيات؟ حسنًا، يبدو أن للانعزال فوائد من منظور العلم أيضًا.

تدفعك العزلة لمواجهة أفكارك

عندما لا نجد ما نفعله، تغدو مشاعرنا كل ما يتبقى لنا… وفي مرحلة ما، علينا تعلّم كيف نتصالح مع تلك المشاعر، لكن سنعجز عن ذلك إذا استمررنا في الاستهلاك طوال الوقت.

– جاي بورغز Guy Burgs، مؤسس شركة فن التأمل (لصحيفة الغارديان)

إذا سبق وحاولت الجلوس باستكانة ودون أي مشتتات، فقطعًا لاحظت كيف تباين شعورك بين عدم الارتياح والألم الجسدي؛ تأمل أفكارك ومواجهة مشاعرك من أصعب المواقف التي قد تقابلها.

بهذا، يغدو جليًا لمَ نميل لاعتزال العزلة في أغلب الأحيان. لكن لا بدّ منها إذا أردت حقًا تحسين حياتك وتطوير ذاتك.

في دراسة ضمن جامعة بافالو University of Buffalo، أجاب 295 طالبًا جامعيًا على استبيانات حول حياتهم الاجتماعية ومستويات إبداعهم (من بين عوامل أخرى). ووُجد ترابط وثيق بين الانعزالية ومستويات الإبداع العالية.

بوضعنا استحالة تعدد المهام في الحسبان. سنُدرك لمَ تُعزز العزلة الإبداع عمليًا؛ لا يمكنك عيش حالة من التدفق الإبداعي “Creative flow” مع وجود مُشتتات تقتحم مساحتك الذهنية كل ثلاث ثوانٍ!

هل خطرت ببالك فكرة رائعة لمشروعك أثناء وجودك على متن طائرة؟ أفترض ذلك، إذ كنت في عزلة إجبارية، وغير قادر على التواصل مع أي شخص أو أي شيء. تؤكد الأبحاث على حاجتنا الماسّة إلى العزلة حتى تعمل شبكة دماغنا الخلّاقة (والمعروفة باسم شبكة الوضع الافتراضي DNM) بكفاءة.

كتبتُ سابقًا عن الاستنزاف Burnout، وكتب الكثيرون عنه أيضًا. لماذا؟ لأنه يُشكل تهديدًا حقيقيًا لجودة حياتنا، لا في الحاضر فحسب، كذلك مستقبلًا. وكيف نُصاب بالاستنزاف؟ عبر إبقاء ملايين علامات التبويب الذهنية تعمل في الخلفية طوال الوقت.

تمنحك فترات العزلة المتعمدة الفرصة التي تحتاجها بشدة للتنفيس والتنفس بعمق. تخيل التحرر العاطفي والعقلي الذي تحسّه عند إغلاق شاشة حاسوبك؛ عليك فعل ذات الشيء.. إنما بعقلك.


كيف نختلي بأنفسنا في عالمٍ متسارع؟

يبدو أننا اليوم أكثر انشغالًا بكثير. وربما وصلت هذه السطور وأنت تفكر: “هذا لا يُناسبني. بالكاد أجد وقتًا للنوم، ناهيك عن عزل نفسي عن العالم الخارجي!”
لهذا نحتاج لابتكار حلول. ربما لا يملك معظمنا وقتًا للجلوس في أحد معابد التبت، لكن -لحسن الحظ- لسنا مضطرين لذلك.

أنا من أشد المعجبين باستراتيجية أُطلق عليها “الخلوة المُصغرّة Micro-Solitude” – إليكم بعض الأمثلة البسيطة.

إذا كنا نجتمع على أمرٍ واحد، فهو تناول الغداء. فإذا كنت ممن يأخذون غداءهم إلى مكتبهم لمواصلة العمل، فآن أوان إجراء تعديل بسيط: خصص استراحة الغداء للهدوء والصمت والتأمل، ابحث عن مكان بعيد عن الجميع واجلس فيه. تناول الطعام، وتأمّل في كيفية سير يومك. تذكّر.. لستَ وحيدًا هنا، بل أنت منعزل للحظة.

ستندهش من مدى صعوبة الأمر! إنما تغلب على الانزعاج، وستصبح استراحات الغداء الخالية من المُشتتات أشبّه بملاذ قصير.

إذا لم تستطع الابتعاد عن التكنولوجيا لضرورات عملية أو عائلية، فلا تستسلم؛ فهناك طرائق أخرى لمنح نفسك الراحة التي تحتاجها. على سبيل المثال:
احذف التطبيقات غير الضرورية تمامًا (إنستغرام، فيسبوك، يوتيوب)، واترك ماسنجر وواتسآب. لكن لا تتوقف عند هذا الحد. اضبط الإشعارات بحيث تخلو من الصوت، وحدّدها بفترات زمنية معينة.
تأكد من أن جزءًا من وقت فراغك، ولو كان بسيطًا، خالٍ تمامًا من أصوات التكنولوجيا. ربما يُفيدك الخروج في نزهة دون هاتف.

بدلاً من تشتيت انتباهك على مقاطع فيديو عشوائية على انستغرام أو يوتيوب، ألا توجد مهارة ترغب في تطويرها؟ هل هناك موضوع لطالما رغبت في معرفة المزيد عنه؟ إذًا، ركّز على ذاك الشيء حتى تصبح خبيرًا به.

ونعم، مجرد تركيز انتباهك على موضوع محدد هو نوع من العزلة في حد ذاته؛ فأنت تبقى في مسار واحد وتتجنب أي مشتتات خارجية.

هل أنت معتاد على إرهاق أذنيك بالموسيقى، أو الضوضاء البيضاء، أو البودكاست كلما عملت على مهمة “مملة”؟ نفعل ذلك لخداع أنفسنا باستغلال وقتنا على أكمل وجه (صحيح أنني أغسل الأطباق، وذاك ممل، لكنني -على الأقل- أستمتع بوقتي!)

المشكلة أن انتباهنا يُشتت في ملايين الاتجاهات. ولا ننسى كيف قد نصل لمرحلة نعجز فيها عن أداء أي مهمة دون موسيقى أو ضوضاء بيضاء في الخلفية..

لا يقتصر ضرر هذه العادة على صحتنا النفسية والجسدية، بل هي أيضًا عدوٌّ للوحدة. حاول في المرة القادمة التخلص من جميع أشكال التشتيت وانغمس في أفكارك لفترة، اختر مهمةً بسيطة (مثل كتابة قائمة مشتريات البقالة) وأنجّزها في صمتٍ تام؛ ستندهش من مدى إنتاجيتك بعدها.

هل تذكر عندما اتفقنا على تأثير بعض الصداقات السلبي؟ لنوسّع الرؤية قليلًا ونقول: حتى لو كان لأصدقائك تأثير إيجابي على صحتك النفسية، فسيُفيدك الابتعاد عنهم قليلًا، خاصةً إذا كنتم معتادين على الخروج معًا في عطلة نهاية الأسبوع.

البديل؟

  • في المرة القادمة التي تُخطط فيها لموعد قهوة، اصطحب نفسك.
  • اذهب في نزهة على النهر بمفردك.
  • شاهد فيلمًا بمفردك.
  • احضر حفلة موسيقية بمفردك.
  • خطط لمغامرات صغيرة تعلم أن ذاتك ستحبها.

جميعها نشاطات تساعدك على التعرف على نفسك، وصدقني ستندهش، بعدما عشت مع نفسك كل هذه السنوات، من كَم الاكتشافات الجديدة فيها!


أعتقد أنك تعرف الإجابة: لا، ليس حلاً لمرة واحدة. علينا تحويل الانفراد بالنفس إلى عادة حتى نحصد نتائج حقيقية حقًا. وذاك ينطبق على أي شكل من أشكال الاهتمام بالذات: لا يمكننا انتظار تحسّن بعد أول جلسة. علينا الالتزام بممارسة يومية للعزلة وتعلم كيفية التأقلم مع أفكارنا ومشاعرنا.

لهذا، من الأهمية بمكان أن تجد طريقة الانعزال التي تناسبك: خلوة قصيرة، أو فترات راحة متقطّعة من استخدام التكنولوجيا، أو حتى بضعة دقائق من الهدوء والسكينة. بهذا، لن تُستنزف من محاولة إنجاز مهمة ضخمة (كقضاء عطلة نهاية أسبوع كاملة بمفردك) دفعة واحدة.

إذا أعجبك التدوينة، فأودّ مشاركتك تجربة حقيقية تبيّن أثر الانعزال الإيجابي.

ما المانع من الارتياح لفكرة الانعزال عن الآخرين؟ 🦈

6 أفكار بشأن “ما المانع من الارتياح لفكرة الانعزال عن الآخرين؟ 🦈

  1. أولا أود شكرك على مشاركتي هذا المقال الرائع
    ولابد أنك بذلت جهدا كبير لهذا أرجو أن يقرأه أكبر عدد من الناس
    سأشارككم جزء صغير من تجربتي ..
    في عام ٢٠٢٢ توفت أمي رحمها الله و كانت هذه بداية عزلتي
    أنا شخص غير اجتماعي بطبعه لكن كنت في عملي إجتماعية مع الزميلات الذين ظننت أني أصبحت صديقة او مقربة لهم ..
    لكن الحقيقة المؤلمة انكشفت حين انعزلت عنهم
    هل لك أن تصدق أن أحدا لم يسألني أين أختفيتي؟
    مابك هل أنتِ بخير ؟
    ثم قررت أن أكمل فحذفت مجموعات الواتس أب التي كنت أشاركهم فيها ..
    و مع ذلك لم يسألني أحد عن حالي
    كنت في حالة سيئة جدا جدا
    خسرت بعضا من الوزن و الكثير من الأشياء التي لا أود الخوض فيها
    كانت ستة أشهر قاتلة ..
    لكنها كانت كرسالة من الله لي بأن اتوجه له وحده
    لم ينجيني من ذلك إلا هو حين ألهمني الدعاء في السجود
    لقد مرت ثلاث سنوات منذ أن نجوت من أثر وفاة أمي رحمها الله عليّ ، لكني لم أنجو مما أحدثه الناس فيّ ،،
    اتعلم ربما كنت أنا المخطئة لأني منحتهم مكانة في قلبي لم يمنحوني جزءا منها ..
    قررت بعد وفاة امي بعام الإنسحاب من كل تلك العلاقات
    لم أعد ألقي السلام حتى
    لم أعد القي تحية الصباح و لا أشارك أحدا الجلوس و الأحاديث إلا قليلا .. أو لأكن دقيقة أشارك زميلة واحدة يومي العملي خلال فترات الراحة
    في مكان عملي هناك مكان مفتوح فاجلس تحت الشجرة تارة أو في الظل ..
    لقد مللت الحياة برمتها ولم اعد انتظر شيئا من أحد
    و لم أعد أربط سعادتي بمشاركة الجلسة والأحاديث مع البشر ..
    في عزلتي أكتشفت أني كنت وحيدة منذ البداية
    في عزلتي قللت الكلام من غيبة ونميمة )غفر الله لنا(
    الحقيقة اني أهدرت سنين عمري في مجالسة الناس
    و كنت أكثر من تأذي
    لم يعد يهمني سؤال أحد عني
    لازلت أتعلم كيف اعتزل أكثر
    قمت مؤخرا بالتنزهه وحدي سواءا في الحديقة أو حول سور المقبرة أصطحب معي دفترا صغير أكتب فيه
    العزلة دواء و الوحدة مرض
    و إني لأعاني الأثنين ..
    فتارة يشتد المرض حتى أصل للانهيار و تارة تاخذ بيدي خيوط الشمس لوجه مشرق من هذه الحياة
    لم نختر الوحدة .. لكننا نستطيع اختيار العزلة
    أحاول جعل دوائي ذو مفعول جيد لاستطيع أن أكمل هذه الحياة ..لكن حذاري في العزلة قد تهجم الأفكار السيئة أيضا
    فلكل دواء اعراض جانبية .

    1. أعلم أنني تأخرت في الردّ على تعليقك أختي سارة،
      وواجبٌ عليّ الاعتذار 🙏
      وإن كنتِ مَن أظنّه، أقصد أنكِ زميلتنا المدوِنة، فربما الاعتذار لا يكفي؛ بل يجدر بيّ طلب الصَفح.😭 لأنكِ -لأول مرة- قررتِ فتح قلبكِ بهذه الشفافية.
      عذري الوحيد، إن كنتِ تقبلين أعذارًا، أنني كنت مريضًا جدًا.

      نأتي لكلامك..
      لنَقل أنكِ أشجّع فتاة أصادفها حتى الآن؛ لا لأنكِ تحمّلتِ كل ذلك وحدكِ فحسب، بل لأنكِ قررتِ مشاركة جرحكِ ومحاولة التشافي معنا.

      لا أحد يلومك عمّا فعلته بعدما اكتشفتِ “زِيف زميلاتك” من اعتزالهم وعدم إلقاء السلام عليهم.
      ولم تكوني مخطئة لأنك منحتهم مكانة في قلبك، فأنتِ شخصية مجبولة على العطاء، وكان من حقّك عليهم ردّ ذاك العطاء، وخاصةً مع فقدانكِ والدتك.
      أتمنى ألّا تلومي نفسكِ ثانيةً على “فطرتكِ السليمة”

      أثّر بيّ حديثكِ عن الوحدة والعزلة كثيرًا..
      لا أريدكِ أن تكوني وحيدة أختي سارة. اعتزلتِ من يؤذيكِ وهذا حقك، إنما ماذا لو وجدتِ العوض في مجتمع المدونين؟
      ليس مجتمعًا مثاليًا، لكننا هنا نؤمن بقدرة الكلمة على الشفاء، ونقدّر شجاعة مَن يواجهون منغصّات الحياة بقوة.
      أريد منك شيئًا بسيطًا: اكتبي كلما تسنى لك. اكتبي حتى لو بدت كلماتكِ حائرة .. مُتعبة ..
      اكتبي كل ما في داخلكِ، مهما بدا ساذجًا أو بسيطًا؛ فهناك يكمن جوهر العائق الذي يقف في طريقنا، لا نُلقي له بالًا لكنه يُنغّص حياتنا.
      وأعدكِ -وأنتِ تعلمين أن الرجل إذا وعد وفى- ألّا نتخلى عنكِ كما فعل “الآخرون”
      اتفقنا؟

      1. لم تتأخر في الرد لكني ظننت أني حذفت الكلام بعدما كتبته
        لهذا لا داعي للاعتذار
        و أرجوا لك الشفاء و دوام العافية
        أما بالنسبة لمشاركة جزء مما مررت به فمن باب الفضفضة
        يؤلمني أني اتكلم بهذه الطريقة
        و أود أن أعود كما كنت لا أتحدث كثيرا عما بي
        لكن يبدا أن مابي قد فاض فوجبت مشاركته إجبارا
        صدقني قد لايكون شجاعة أكثر من كونها لحظة ملطخة بالألم النفسي الذي هزمني ..
        أحيانا اتمنى لو مت حين ولدت .. لكن لله حكمة أن أعيش هذا العمر..
        اعذرني إن شاركت في مدونتك جزءا من ألمي ..
        طاب يومك بما يسرك

        1. صدقتِ أختي سارة، فاض ما بكِ فوجبت مشاركته.
          واعذريني، لا زلت أراها شجاعة.. بل وشجاعة مطلوبة لئلّا يؤذي المرء نفسه.
          يؤلمني وصولكِ لمرحلة تمنيّ الموت. وربما لست مؤهلًا للخوض في مسألة “الحكمة” إنما أجزم أن وجودكِ مهم.
          ستتضح رؤيتكِ ذات اليوم، حينها تَرين صدق كلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تمرير للأعلى