أحيانًا، يشعر صنّاع المحتوى -وكتّابه على وجه الخصوص- بالاغتراب، وكأنهم يعيشون في عالم لا يفهمهم. إذا شعرتَ يومًا بهذا، فأجزم بأنك ستُحب كتاب (Uncool) للمخرج الشهير كاميرون كرو، والذي استوحيت منه تدوينة اليوم.
في كتابه، يُعيد (كاميرون بروس كرو Cameron Bruce Crowe) النظر في مقابلته المُعمّقة مع فرقة ليد زبلين Led Zeppelin في أوج شهرتها.
في ذلك الوقت، كان مؤسس الفرقة “جيمي بَيج Jimmy Page” يمقت المقابلات، ولم يُطِق الصحافة الموسيقية، بل كان متوجسًا بالتحديد من مجلة رولينج ستون (التي عمل فيها كاميرون صحفيًا). لكن الأخير أقنع (بَيج) بأن المقابلة ستكون خدمةً للجماهير؛ إذ لن تكون تحليلًا نقديًا أو عملًا مؤدلجًا، وإنما ستمنح جمهور (ليد زبلين) ما يتوقون إليه: تواصلًا مباشرًا مع أعضاء الفرقة، بكلماتهم أنفسهم.
وكانت النتيجة نجاحًا تجاريًا
وإذ يُعتبر العدد -الذي ضمّ المقابلة- الأكثر مبيعًا حتى الآن، وانهالت رسائل الامتنان من معجبي الفرقة حول العالم، معربين عن تقديرهم الحميمية والاحترام اللذان تميزت بهما المقالة. وبمعايير معظم صنّاع المحتوى، نجحت قطعة المحتوى نجاحًا ساحقًا.
بعد بضعة أسابيع، استدعى مؤسس المجلة، جان وينر Jann Wenner، الصحفي الطموح [كاميرون كرو]. علمًا بأنه نادرًا ما كان يلتقي بالكتّاب المستقلين، وإن فعل؛ فليُثني عليهم.

سار الاجتماع .. بنحوٍ مختلف
أخبرَه كيف أن العمل ربما أسعد المعجبين وأرضى الفرقة، لكنه فشل في جانب أهمّ: لم يتخذ كاميرون موقفًا. إذ سمح لمقاييس مثل (الوصول) و(تلبية الجمهور) برسم مسار القصة. في حين يرى (وينر) ضرورة تحديد الكاتب موضوع القصة وما تمثله. وإلا، اختفى وجوده من العمل.
تحدث كاميرون -لاحقًا- عن “موت شيء داخله” خلال المحادثة، إنما بالتزامن مع ظهور شيء آخر: فهم أوضح للأصالة وصوت الكاتب والمسؤولية. من الصعب تخيل كاميرون يقدّم لنا فيلمه الشهير [Almost Famous] دون هذا الدرس. يدور الفيلم نفسه، من نواحٍ عديدة، حول ثمن التخلي عن وجهة نظرك.
ذاك التعارض -تحديدًا- هو ما يجب على صنّاع المحتوى التفكير فيه الآن.
لا علاقة بين اتخاذ موقف وإثارة الجدل!
عندما نتحدث عن اتخاذ موقف، قد يظن البعض أنه يعني الاستفزاز أو المعارضة أو إثارة الجدل. وهذا ليس شرطًا. فلا يتعلق الموقف بإثارة المشاكل أو السعي وراء الشهرة، وإنما بالالتزام Commitment.
يظهر الموقف فيما تُركّز عليه -أو تتجاهله- باستمرار. ويتجلّى في الأفكار التي تتمسّك بها رغم عدم تحقيقها النتائج المُثلى، ويتبدى -أيضًا- في الطرق الملتوية التي ترفض اتباعها حتى عندما تُؤتي ثمارها.
لم تفشل مقابلة كاميرون مع فرقة “ليد زبلين” لعدم دقتها أو رداءة كتابتها، بل لأنها ستفقد مرئيتها؛ فبإخضاعه رأيه التحريري بالكامل لمفهوم الوصول وإرضاء المعجبين، أصبح عمله قابلًا للاستبدال، وباتت المقالة ملكًا للفرقة لا للكاتب.
وحينها، قد ينجح المحتوى آنذاك، لكنه لا يبني ثقة دائمة.
لقد فعلتُ هذا بنفسي عدة مرات، فكتبتُ نوع المقالات الذي رأيته سيحقق رواجًا، لكنني لم أُعجب أبدًا بالنتيجة النهائية للمحتوى. باختصار، شعرتُ أنها تفتقر إلى الروح!
كيف نُشعل فتيل ثورة الويب المضادة؟ ✊
كيف يقع صانع المحتوى بين نارين؟
يتّبع أي صانع محتوى اليوم ما تعلمه. فيُصغي لجمهوره باهتمام، ويدرس سلوك البحث، ويستجيب للطلب، باذلًا قصارى جهده ليقدّم فائدة. وليس ثمّة خطأ في هذه المنهجية، بل -في الواقع- تلك طريقة بناء الجماهير في المقام الأول.
تظهر الإشكالية عندما تُستبدل الهوية بالملاءمة!
يسهل استبدال المحتوى الذي يقتصر دوره على الإجابات؛ وإن حقق ترتيبًا جيدًا في محركات البحث وقدّم أرقامًا مُبهرة في مقاييس الأداء، لكنه لا يعكس معتقداتك أو أهمية رأيك بصفتك كاتبًا. ومع الوقت، يصعب تمييز صانع المحتوى عن غيره ممن يقدمون ذات المعلومات الصحيحة. وهذه ليست مشكلة تموضع بقدر ما هي مشكلة التزام!
هل أنت مختلف فعلًا؟ 😏
لنطرح سؤالًا أفضل
عندما يتحدث صنّاع المحتوى عن إيجاد قيمتهم المُبتكرة، فعادة ما يطرحون أسئلة على شاكلة:
- من الجمهور المستهدف؟
- ما المحتوى الذي نقدمه؟ وكيف نقدمه؟
وتلك الأسئلة مهمة، لكنها ناقصة.

فالسؤال الأهم هو سؤال أكثر هدوءًا وأكثر إلحاحًا: ما القناعة التي يهدف محتواك إلى الدفاع عنها؟
من الأهمية بمكان أن تغدو تلك القناعة جزءًا لا يتجزأ من رسالتك التحريرية أو مهمة محتواك؛تمنحك الرسالة الصحيحة القدرة على رفض الأفكار، وهذا تحديدًا ما تريده.
إذا اختفى محتواك غدًا، فما الفكرة التي ستضعف أو تتلاشى معه بهدوء؟ ليس المقصود المعلومات التي ستُفقد، بل القناعة التي لن تعود راسخة.
إذا استطعت الإجابة على هذا السؤال، سيتضح موقفك. وسيتحول محتواك من كونه “مجرد محتوى مفيد”، إلى اكتساب شهرة واسعة. وفي عالم يزخر بالمحتوى المُحسّن، فوحده الالتزام بقناعة محددة والدفاع عنها ما يسمح بتكوين الثقة واستمرارها.
[لتعلّم المزيد حول اقتصاد صنّاع المحتوى، أنصحك للانضمام إلى (2 مليون مشترك) في نشرة The Tilt البريدية]