حين قرأت تدوينة The conversation، سألت نفسي: ما شأننا بمشاكل توفير الرعاية -غير المدفوعة- في المجتمع الأمريكي؟ وشيئًا فشيئًا.. بدأت أرى التقاطعات مع التطوّع والأعمال الخيرية، ومن ثمّة مع فكرة أعمق من ذلك بكثير.
لنقرأها -مُترجمة أدناه- ونتناقش حولها في التعليقات.

على غرار تَجاوز تكاليف رعاية الأطفال الأجور، تواجه عائلات أكثر قرارات صعبة بخصوص وجوب تقليص ساعات العمل لرعاية ذويّهم. ولا تزال الرعاية Caregiving السبب الأول لترك النساء بين 25 و 54 عاماً أعمالهنّ.
ولا يقتصر الأمر على الآباء ، بل يُضطر 60 مليون أمريكي لتقديم الرعاية لأحد أفراد الأسرة البالغين، و يقول ثلثا المشاركين إنهم يواجهون صعوبة في الموازنة بين وظائفهم ومسؤولياتهم في تقديم الرعاية. في حين أشار 25% من مقدمي الرعاية العاملين إما لتغيبهم عن العمل أو انخفاض إنتاجيتهم بسبب واجباتهم في الرعاية.
عندما تفوق المتطلبات قدرة الشخص على التوفيق بينها، يلجأ البعض إلى خياراتٍ نهائية: ترك العمل، أو تقليص ساعاته، أو رفض الترقيات، لتقديم الرعاية.
يُشكل ذلك عبئًا ماليًا للعديد من الأسر، بينما يدخر آخرون المال بهذه الطريقة. ومع ذلك، قد يكون القرار ثقيلًا، وكأنه التخلي عن هدفٍ يتجاوز حدود الأسرة.
ربما بدأت تَملّ؛ لا شيء يربطنا بهذه التجربة لا من قريب ولا من بعيد.. إنما تمهّل رجاءً
نحن على وشك الغوص 🤿
تطرح هذه الخيارات أسئلة أعمق: أيّ الأعمال يُصنّف “ذا معنى”؟ بما ندين للآخرين، وما المتوقع -أو المنتظر- من أي شخص؟
يشكّل العمل والأسرة -بالنسبة للكثيرين- محوران أساسيان في الهوية، وطريقتهم لتغيير شيء ما في العالم. وقد يستنكر مَن يواجهون صعوبة في اتخاذ قرار التخلي عن مسيرتهم المهنية الفكرة؛ معتبرين (الانسحاب) تبديدًا لمهاراتهم أو تدريبهم. ليواجهوا سؤالًا أعمق: هل نحن مدينون للعالم بشيء “أكبر”؟ فرغم اهتمامنا بأمر ذوينا وأحبائنا، يظلّ تقديم الرعاية أمرًا بسيطًا وشخصيًا للغاية بحيث لا يُعتد به.
وبصفتي كاتبة ومحاضرة عن الأخلاق و السياسة الاجتماعية، أؤمن بقدرة الفلسفة على مساعدة الناس في رؤية هذه القرارات بشكل أوضح. صحيحٌ أن الأخلاق لا تقدم إجابات جاهزة أو تخفف الحيرة بين العمل و تقديم الرعاية، لكنها تساعدنا على فهم قيمتهما الأخلاقية.

بسيط جدًا؟
اليوم، تقيس الثقافة الأمريكية القيمة الأخلاقية -غالبًا- من حيث النتائج والتأثير، فيرتبط فعل الخير ببذل المزيد. وفي هذا السياق، قد يكون التخلي عن المسيرة المهنية لرعاية أحد الوالدين دليل انعدام الطموح أو انخفاض حسّ المسؤولية.
إذا قُيِّم الطموح بالإنجاز الملحوظ، فسيُرى تقديم الرعاية على أنه “تكاسل”. فقد تبدو العديد من مهام تقديم الرعاية اليومية -كالإطعام والإحمام Bathing والإلباس والإيصال إلى المواعيد الطبية- غير ذات أهمية. والنتيجة الختامية للعديد من هذه المهام غير مرئية: تنتهي دومًا في ذات المكان الذي بدأت منه سابقًا. فمع كل الجهد المبذول للحفاظ على حيواتهم، لا توجد نتائج “مبهرة” كثيرة يُشار إليها.
في الواقع، إحدى أهم مزايا تقديم الرعاية هي الوقاية من المضاعفات: تجنب الإصابات، وتداخلات الأدوية، ودخول المستشفى، والانتكاسات، والتدهور المعرفي، والشعور بالوحدة، والاكتئاب، وما إلى ذلك. يسهل التغاضي عن مثل هذه “الأحداث العابرة”.
في مجال الصحة العامة، تُدعى هذه الحالة مفارقة الاستعداد preparedness paradox: كلما اشتدّت فعالية الوقاية، كانت آثارها أقل وضوحًا.
لتقدير قيمة تقديم الرعاية “الحقيقية” علينا التساؤل عمّا سيحدث بدونها، فإن كانت الإجابة: زيادة المخاطر، أو تفاقم الأزمات، أو ارتفاع التكاليف اللاحقة؛ فذاك يعني أن تقديم الرعاية يُحدث فرقًا.
يستخدم علماء أخلاقيات الرعاية الصحية، على سبيل المثال، هذا النوع من التفكير الافتراضي لتقييم الضرر والفائدة، متسائلين عن حال المريض في حال عدم تلقيه التدخل الطبي. يُعد تقديم الرعاية التي تقلل من الضعف وتمنع المعاناة إنجازًا أخلاقيًا حقيقيًا.

مع ذلك، قد تبدو مساعدة بضعة أشخاص (لا شيء!) مقارنةً بمهن تُقاس بنطاق تأثيرها أو حجمها. ولا ننسى هنا كيف يتطلب تقديم الرعاية الجيدة مستوى من الحضور والاهتمام لا يمكن تحقيقه على نطاق واسع.
لكن هذا ليس فشلًا. فـ “الضآلة” جزء من الفكرة: الرعاية شخصية – ولا يعني كونها “شخصية” أنها عديمة الأهمية أخلاقيًا.
في الواقع، هناك تراث فلسفي غني يضع تلبية احتياجات الذين نعولهم في صميم الحياة الأخلاقية؛ فالعلاقات جوهرية في هويتنا. ومن وجهة نظر علماء أخلاقيات الرعاية، فالارتباط بالآخرين تعبير عن معنى عيش حياة إنسانية كريمة.
العلاقات الوثيقة تفرض علينا التزامات خاصة. تحمل صِلات مع أشخاص معينين وزناً أخلاقيًا، أي أنها ليست مجرد عواطف، بل تعطي أسبابًا حقيقية لتصرّفاتنا. وكما يقول الفيلسوف صموئيل شيفلر Samuel Scheffler:
لا معنى لإدعائنا تثمين علاقةً ما إذا لم نعتقد أنها تفرض علينا التزامات. فالاهتمام باحتياجات الآخرين جزءٌ لا يتجزأ من الاهتمام بهم.
إن تلبية احتياجات واهتمامات أحبائنا وذوينا يحترك تلك الحقوق الخاصة ويُضفي على مهام تقديم الرعاية معنىً أعمق، مُظهِرًا للمذكورين حجم إيماننا بأنهم يستحقون وقتنا واهتمامنا. قد تبدو رعاية الأحبّة بسيطة في ظاهرها، إنما لا يمكنك تخيّل الشعور الطيب لشخص شعر أنه مرئي ومُقدّر حقًا.
“شخصي للغاية؟”

وإن افترضنا الاهتمام لم يكن “متناهِ الصغر” لدرجة انعدام أهميّته، فقد يبدو -مع ذلك- شديد الخصوصية بحيث لا يُحدث فرقًا كبيرًا بالنسبة للعالم الأوسع.
ولكن، صحيحٌ أن الرعاية شخصية، إلا أنها ذات أهمية اجتماعية أيضًا.
وكما يجادل علماء أخلاقيات الرعاية مثل جوان ترونتو Joan Tronto و إيفا كيتاي Eva Kittay، فإن رعاية أشخاص معينين تكشف شيئًا عالميًا عن الحالة الإنسانية: كل شخص يعتمد على الرعاية ويدعمها في مراحل مختلفة من حياتنا. وقد عبرت السيدة الأولى السابقة روزالين كارتر Rosalynn Carter عن الأمر ببساطة:
“في العالم أربعة أنواع فقط من الناس: مَن كانوا مقدمي رعاية، ومُقدمي الرعاية حاليًا، وآخرين سيصبحون مقدمي رعاية، وأخيرًا من يحتاجون إلى مقدمي رعاية”.
لا يجوز التعامل مع الرعاية كشأن شخصي عوض كونها منفعة اجتماعية مشتركة؛ إذ يضع العبء الأخلاقي والعملي لتقديم الرعاية على عاتق الأسر، وعلى النساء في أغلب الأحيان. وأعتقد أن هذه النظرة القاصرة تحوّل المسؤولية على نحو جائر وتشوه القيمة أيضًا، مما يحد من إحساس المجتمع بالأمور الهامة.
ختامًا
بالطبع، يمكن تلبية احتياجات ذوينا دون تغيير المسار المهني. ولكن عندما تضطر العائلات إلى اتخاذ قرارات صعبة، تظهر ضرورة امتلاك رؤية أشمل. لا تُطالب أخلاقيات الرعاية بتقديم رعاية مثالية أو التضحية بالنفس، بل هي تأكيد على أهمية الرعاية وحق الناس في الحصول على الدعم في ظل ظروفهم الصعبة. إن التفرغ للرعاية لا يعني بالضرورة التخلي عن المساهمة في المجتمع، بل يُغير فقط طريقة تقديم هذه المساهمة.